د. نجم عبدالله كاظم: آفاق الريادة والتحديث في القصة العراقية (ملف/13)

مقدمة:
الحديث في التحديث والمغايرة والتجديد يأخذ هذه الأيام الكثير من اهتمام النقد والنقاد العرب، خاصة في ظل تعزّز العلاقات الدولية وازدياد الأخذ والعطاء بين الأمم وما استتبعه ولا يزال يستتبعه على المستوى الأدبي والفني بالضرورة من تأثير وتأثر وانتقال للتيارات والمدارس والمفاهيم والرؤى الأدبية والفنية والنقدية. إن هذا، إضافة إلى المتغيرات التي شهدها العرب ولا يزالون يشهدونها كل يوم، قد فرضت ولا تزال تفرض على أدبائهم ونقادهم المراجعة والتغيير في الكثير من ميادين الكتابة والإبداع استجابة لهذه المتغيرات وتعلّماً أو تأثراً بالغير، خاصة حين يكون هذا الغير متقدماً عليهم في تلك الميادين، ومنها كانت الفنون القصصية التي نعرف أن الغرب تحديداً تقدم على العرب فيها كما نعرفها حديثاً. وهكذا نرى اليوم التغير والتحديث والتجديد تترى في هذه الفنون عندنا، ومن هنا يأتي اهتمام النقد بها مبرراً. لكن الذي قد يفوت البعض هو أن مثل خطوات التحديث والمغايرة والتجديد هذه، التلقائية والمدروسة الواعية على حد سواء، كانت قد رافقت، في الواقع، مسيرة الفنون القصصية العربية عبر تاريخها غير القصير. ومن هنا تأتي ورقتنا لتحاول رصد آفاق التحديث والمغايرة والتجديد هذه، وأصحاب الفضل فيها في مسيرة القصة العراقية وتطورها.
وبداية لا نريد في هذه الورقة بالطبع أن نقدم تحليلاً تفصيلياً، ولا تتبعاً دقيقاً لمسيرة القصة العراقية، التي ستمتد عندنا من سنة 1919 إلى سنة 2003، كون ذلك قد توفرت عليه العديد من الكتب التي تناولت هذه القصة، بقدر ما نريد أن نقدم، وضمن إطار من اللمحات تاريخية لمسيرتها، أهم خطوات الريادة والتحديث والتجديد التي شهدتها عبر مراحلها المختلفة الرئيسة. كما أننا سنحاول، ومن خلال مواجهه نسعى إلى أن تكون صريحة للواقع المتحقق وليس المدَّعى به، أن نناقش مدى أحقية هذا الجيل أو ذاك في ادعائه أو في ادعائنا له بالريادة والتحديث، من خلال تعرضٍّ نزعم أنه سيكون حيادياً ولكنه نقدي، لما قدمته تلك الأجيال وهؤلاء الكتاب، ولمدى توفر هذا الذي قدموه على شروط الريادة، ولما حققه تجديداً وتحديثاً. وسيكون ذلك وفقاً لما نرى أنها قد شكلت الحلقات الرئيسة في هذه المسيرة، نعني ما صار يُعرف بالأجيال الأدبية، بدءاً بجيل التأسيس (جيل ما بين الحربين)، ومروراً بجيلي الخمسينات والستينات المهمين، وانتهاءً بجيل ما بعد الستينات.
**
مرحلة الريادة والتأسيس:
إذا كان محمود أحمد السيد الرائد الحقيقي والرسمي- إن صح التعبير- للقصة العراقية، فإن محاولات بدائية وربما تمهيدية كانت قد سبقته، ونجد من الموضوعية الإشارة إليها هنا. هذه المحاولات تشمل أولاً “مقامات الآلوسي”، وهي في الواقع كتابات، مع صحة ما يُحسب لها من إيجابيات من الناحية الأدبية، لا تمتلك فنياً ما يؤهلوها لدخول فن القصة الحديثة. ثاني الكتابات التي سبقت خطوة الريادة القصصية فهي “قصص الرؤيا”، وهي نمط خاص من الكتابة القصصية بمفهومها العام، مع أن معظم نماذجه قد حقق شيئاً من التطور الفني الذي لا بد للمؤرخ الأدبي أن يحسبه له، فإنه لم يصل بما اشتمل عليه من عناصر ما تجعل منه قصصاً فنية. أما ثالث هذه الكتابات فهي “الرواية الإيقاظية”، لسليمان فيضي، ومهما يقال عن هذا العمل الأخير ويُعبَّر عنها من آراء مختلفة يبقى صحيحاً، برأينا، قول الدكتور عبد الإله أحمد إن صاحبها كان “أول من حاول الكتابة في القصة الطويلة (الرواية) في الأدب العراقي الحديث”(1). لكن هذه المحاولة بما حققته فنياً بقيت ضمن المحاولات التي هيأت للإنجازات الفنية وليست من هذه الإنجازات، ويبدو واضحاً أن مؤلفها لم يكن يمتلك الوعي الكافي لاستيعاب متطلبات الفن القصصي الحديث لتحقيقها الأمر الذي أفقد العمل مقومات هذا الفن. وعموماً اكتسبت “الرواية الإيقاظية” ريادة في كونها مسعىً تجاوز، وإن كان ذلك بحدود، الموروث، بينما افتقدت مقومات ريادة التأسيس للقصة الفنية الحقيقية، خصوصاً أن التجربة قد جاءت فردية وغير مقرونة ولا موصولة بمحاولات أخرى مصاحبة أو تالية لها، ولا بتنظير نقدي مرافق لها لا من المؤلف ولا من غيره. وهكذا افتقد سليمان فيضي في عمله أحقية مشاركة محمود أحمد السيد ريادته الراسخة التي ستتحقق سريعاً(2).
حين ظهرت محاولة السيد الروائية “في سبيل الزواج”- 1921- سجّل كاتبها بحق ريادة لم ينافسه فيها أحد، مع تقبُّل القول بالمشاركة الجزئية له في الريادة القصصية العامة من الجيل الذي ينتمي إليه القاص نفسه. فلقد كانت هذه المحاولة عملياً هي الأقرب إلى الرواية من أية محاولات سبقتها، وهي على أية حال محاولات محدودة كما رأينا. ولعل أهم ما يمكن أن يقال عنها تعلقاً بالذي حققته فنياً لتحتل هذه المكانة هو أنها قد انفصلت كلياً عن الأشكال القصصية العربية الموروثة، وبتقديمها لشخصيات تتحرك على أرضية مرسومة لعالم يستوعبها وتتفاعل فيه مع العناصر القصصية الأخرى، ومع وعي واضح من صاحبها لما يقدمه أو يسعى لتقديمه من فن هو غير الفنون والأشكال الأدبية التي كانت معروفة من قبل. يضاف إلى ذلك أن السيد قد رسّخ مكانته رائداً في الفن القصصي الحديث حين نشر في السنة التالية- 1922- مجموعته القصصية الأولــى “النكبات” ومحاولته الروائية الثانية “مصير الضعفاء”، لتتوفر جهوده الريادية بذلك على شرطين نرى أنهما يجب أن يتوفرا لكي يكتسب أي جهد صفته الريادية. هذان الشرطان: هما البدء أو الجدة أو السبق التاريخي أولاً، ثم الاستمرارية وتعزيز المحاولة والبداية بالمواصلة، وبما يُخرج العمل أو المحاولة الأولى من أن تكون عملاً فردياً مقطوعاً لا ينم عن إدراك ووعي لدى كاتبها ثانياً. فكل ذلك إنما يؤكد في النهاية امتلاك هذه العمل وصاحبه الوعي بالجديد وبطبيعته، وبما يقدمه هذه الجديد، مما لا تكون الجهود السابقة عليه قد قدمته(3). الواقع أن مثل هذه الجهود غير العادية للسيد في الوقت الذي أثبتت فيه وعي كاتبها واستمراره فيها وفي تطويرها، فإنها قد أثمرت أيضاً استمرارية أخرى تمثلت في محاولات قصصية من كُتّاب آخرين، لم يعد معها من شك في أن اللبنات الأولى لمسيرة القصة العراقية قد ثبتت فعلاً، وان بناءً أخذ يعلو فوقها. إن هذه المسيرة عكست بشكل واضح تأثر أصحابها بما كان يصلهم من أعمال قصصية وروائية مترجمة وملخصة وموضوعة عربياً من مصر والشام، خاصة من خلال الصحف والمجلات العربية والعراقية. وهكذا تكون فترة العشرينيات قد شهدت الريادة الأولى في مسيرة القصة، كونها المرحلة التأسيسية التي انطلقت منها هذه القصة في العراق، الأمر الذي يستحق معه كتابها القلائل أن نصفهم رواداً، وأبرزهم محمود أحمد السيد وأنور شاؤل.
ومع بطء المسيرة التي شهدتها القصة العراقية في السنوات الأولى من مسيرتها، فإن السنوات التالية وتحديداً نهاية العشرينيات ودخولاً في الثلاثينيات قد شهدت خطوات لها أهميتها النسبية، فقد حقق محمود أحمد السيد أولاً تميزاً واضحاً آنذاك في تجربته الروائية الثالثة “جلال خالد”-1928- التي جاءت بعد فترة صمت وشبه انقطاع عن الكتابة بدا واضحاً أنها كانت، في الواقع، فترة تثقيف ذاتي ومراجعة ونقد لكتاباته في المرحلة الأولى من تجربته الإبداعية. وتأتي أهمية هذه المغامرة الجديدة من دورها في إغناء المحاولات الأولى، ومما عكسته من مراجعة واكتساب تجربة ثقافية وفنية وإطلاع على ما كان يُنشر ويتيسر له الإطلاع عليه من أعمال قصصية أجنبية، ثم وتعلقاً بذلك كله، مما عكسته من محاولة تحديث في الأسلوب والأدوات الفنية الخاصة بالفن القصصي الحديث. وربما لا نبالغ إذا ما قلنا، بناءً على ذلك كله، إن “جلال خالد” هي المختبر الأول لمحاولات التحديث الفني الواعي التي جرت على القصة العراقية، التي نسعى إلى رصدها في هذه الورقة، خصوصاً أن هذه الجهد الذي قام به السيد قد عززته جهوده الأخرى في كتابة القصة القصيرة التي جسدت فعلاً وعيه الفني المبكر، وتَمثَّله في مجموعتيه “الطلائع”-1929- و”في ساع من الزمن”- 1935(4). ومما عزز مكانة السيد الفنية التأسيسية وعيه وإسهامه النقديين كما يمكن أن نراها ضمناً وصراحة في كتاباته. لقد “استطاعت كتابات محمود أحمد السيد أن تضع الأساس الأول لتقليد نقدي يحق لنا أن نفخر به، فقد كان السيد حريصاً على أن يعرض مفهوماً للفن القصصي يراقب في ضوئه ما يكتب وما يقرأ من القصص”(5).
لا يمكن للناقد أو المؤرخ الأدبي أن يتجاوز المرحلة التأسيسية الأولى في مسيرة القصة دون الالتفات إلى عملين قصصيين طويلين أو محاولتين روائيتين، لأنهما اكتسبتا أهمية استثنائية بما حققتاه من إنجاز فني متميز غير مسبوق إلا بحدود وفي أعمال قصصية قصيرة وطويلة معدودة جداً. هاتان المحاولتان هما: “الدكتور إبراهيم” لذي النون أيوب، و”مجنونان” لعبد الحق فاضل وكلاهما صدرا في سنة 1939. وإذا لم تحقق محاولة أيوب تحديثاً فنياً أو إضافة حقيقية عدا تجاوزها النسبي لكتاباته السابقة، فإن محاولة عبد الحق فاضل تأتي استثناءً فنياً حقيقياً فعلاً، وسبقاً في مسيرة هذا الأدب بشكل خاص. إن عبد الحق فاضل يقدم محاولته القصصية الطويلة أو الروائية يتمكن حِرفي واضح، سواء أكان ذلك في نسج سردها ولغتها وحوارها، أم في رسم شخصيتيها الرئيستين، أم في بنائها المتماسك. والأهم هنا أن ذلك كله، وبناءاً عليه في الوقت نفسه، شكّل واحدة من أهم خطوات التحديث التي خطاها الكتاب العراقيون لتطوير الكتابة القصصية، هي قد جاءت نتيجة ما تهيأ للقاص من أساليب فنية حديثة ربما لا نبالغ إذا ما قلنا إنها كانت ضمن أهم ما عرفته القصة الغربية حتى ذلك الوقت، الأمر الذي أوصل الكاتب إلى أن ينجز هذا العمل الرائد في جل مفرداته “الحبكة المحكمة، والسرد المتدفق، والتحليل النفسي العميق الذي ينفذ إلى داخل الأبطال، والنفس الطويل والحوار الذي يدار بمقدرة مسرحية باهرة… وفي بنائها، وكل ذلك قاده إلى أن يكتب عملاً روائياً بديعاً”(6).
إن أبرز ملامح التحديث التي تحققت على يد عبد الحق فاضل هي تجاوز كل الأطر والأساليب الساذجة القديمة التي كانت تعكس فهماً بدائياً- باستثناء جزئي لبعض المحاولات- للقصة على أنها حكاية متضمنة هدفاً أو مغزى، إصلاحيا غالياً، يأتي عادةً على حساب الجانب الفني. لقد انتبه عبد الحق فاضل إلى هذا الذي أهمله السالفون، وجاء الفن القصصي وهو واعٍ لأهم ما في هذا الشكل الأدبي الجديد، باعتبار أنه لا يمكن للقصة أن تمتلك جمالياتها الخاصة بدونه. يضاف إلى ذلك أن “مجنونان”، مع أنها لم تكن عملاً روائياً متكاملاً، قد انطوت على النَّفَس الطويل للعمل الروائي، مع تجاوز ضمني للفهم الخاطئ الذي عكسته بعض المحاولات السابقة من أن الرواية إنما هي إطالة أو طول مجرد. وتزداد أهمية هذا العمل واستثنائيته حين لا تقلّل من مكانته المتميزة في الأدب الروائي بالتحديد عطاءات الرواية العراقية عبر جلّ مسيرتها، الأمر الذي يسهم في أن يجعل منه مرحلة ريادية قائمة بذاتها في تاريخ هذا الفن، خصوصاً أن منهج عبد الحق فاضل أو أسلوبه هذا لم يتحقق لدى قاصين آخرين لما يقرب من عقدين كاملين.
**
جيل الخمسينات:
إذا كانت السنوات الأولى من الأربعينيات قد شهدت انحساراً واضحاً في مسيرة القصة العراقية فإن التالية، وبالتحديد النصف الثاني منها، قد شهدت بدايات نهضة كان من الواضح أن وعياً جديداً بالفن القصصي كان وراءها، وهو الوعي الذي كان قد أخذ فعلاً يعمل عمله ليحقق به قصاصون جددُ، سيُصطلح على تسميتهم بجيل الخمسينيات، بعضاً من أهم إنجازات القصة العراقية. وجاءت إنجازات هذه البداية الفنية الجديدة بأشكال قصص قصيرة فردية، ومجاميع قصصية، وقصص طويلة ظهرت في الفترة الممتدة بشكل خاص من نهاية الأربعينيات إلى نهاية الخمسينيات لعدد من القاصين أبرزهم: عبد الملك نوري، وشاكر خصباك، وفؤاد التكرلي، ونزار سليم، إضافة إلى عبد الحق فاضل. لقد عمل هؤلاء القصاصون بكد ووعي لإخراج القصة العراقية من أطرها التقليدية محققين في ذلك الكثير من النجاح. ولعل من أسرار نجاح هذه النخبة من الأدباء في تحقيق ما حققته فنياً أنها لم ترتض السير كتابةً وراء ما وجدته من تراث قصصي عراقي وعت جيداً تخلُّف معظمه، ولكن دون أن تنكر ما كان قد حققه أصحابه من تأسيس مهم وما بذلوه من محاولات تطوير، مستفيدة مما أتاحته أجواء ما بعد الحرب العالمية الثانية، يقول الدكتور محسن الموسوي: “إن آثار الحرب العالمية الثانية السياسية والاقتصادية حجّمت المنشور الثقافي، ولكنها عمّقت من الجانب الآخر الوعي الأدبي، وخلخلت النزعات المحافظة، في الكتابة والأذواق السائدة، بحيث أخذت التجمعات الأدبية الجديدة… تنمو على هامش المجالس الأدبية والصالونات المترفة أو المتنفذة نسبياً”(7). وهكذا ليس غريباً أن انطلقت هذه المجموعة من الأدباء متزودة بوعيها وثقافاتها واطلاعها الواسع نسبياً على أفق التطور والتحديثات التي كانت القصة العالمية قد أحاطت بها وصولاً إلى تأسيس مسارات فنية جديدة تبلورت في السنوات الأولى من الخمسينات عن صوره جديدة للقصة العراقية خرجت بها فعلاً عن أطرها التقليدية إلى أطر هي، وإلى حد لا بأس به، من أطر القصة الحديثة كما هي معروفة عالميا. ” لقد استطاعت الكتابات الخمسينية من تأصيل التقاليد القصصية وتجذيرها في الأدب العراقي، بحيث أصبحت تقترب من مستواها الفني من مستوى القصة العربية المعاصرة”(8). وفي هذا يكون أصحاب هذه الكتابات قد وضعوا أهم وأخطر أسس المسارات الصحيحة للقصة العراقية، الأمر الذي يبرر ويعلل لِمَ قُيّض لبعض القصص القصيرة، والقصيرة الطويلة، ولبعض المجاميع القصصية كاملةً، أن تحقق هذا الذي حققته من النجاح على مستوى النقد والقراءة، وأن تبقى، ونظنها ستبقى، حية لا تفقد من أهميتها ومكانتها حتى بين ما كُتب وما يكتب وسيكتب فيما بعد. ولكن يبقى، وكما هو معروف، لاثنين من هؤلاء الكُتاب بشكل خاص الدور الريادي الرئيسي في أحد أبرز حركتي تحديث فني في تاريخ القصة العراقية، نعني بهما عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي، دون أن يعنى هذا القول انفرادهما بهذا.
لقد أسهم هذان القاصان بشكل أساس، وضمن قصاصي الجيل الآخرين بشكل عام، في تفعيل ما اطلعا عليه عالمياً من أساليب وتقنيات القصة الحديثة، وصولاً إلى ترسيخ مسار جديد للقصة العراقية. لكننا لا ننسى أنْ قد سبقتهما إلى ذلك محاولات متواضعة لم تحقق في هذا الاتجاه إلا القليل فنياً، ولكنها محاولات اكتسبت، كما رأينا، أهمية من الناحية التاريخية أولاً، ومن ناحية أن أصحابها أسسوا لمن يأتي بعدهم لوضع هذه القصة في مسارها الفني الصحيح ثانياً. وهكذا جاءت إسهامات الخمسينيين عموماً المهمة عبر استخدام تقنيات وأساليب حديثة أطلعوا عليها واستوعبوها ووعوا أهميتها وبكونها الأدوات والوسائل المناسبة لانتشال القصة من واقعها، المتخلف في الكثير من جوانبه، الذي وجدوه قبلهم. فمع أن القاص الخمسيني لم ينكر أن تكون القصة ذات رسالة اجتماعية أو سياسية، فإنه بدأ “يعي الأبعاد الفنية التعبيرية للفن القصصي بإفادة كبيرة من تجربة الأدب القصصي العالمي ومن الثقافة الإنسانية بشكل عام. وقد وظّف القاص العراقي آنذاك تجربته الفنية الجديدة لاستيعاب التجربة الاجتماعية والهموم الجماعية والدفاع عن قيم التغير الاجتماعي بشيء كبير من الوعي وبمستوى فني متقدم.. وهكذا يمكن القول إن القاص العراقي قد استطاع أن يحقق درجة عالية من التوازن بين حاجات التغير الاجتماعي وبين النضج الداخلي للعمل القصصي وأدواته متجاوزاً بذلك التخلخل الذي كانت تتسم به تجربة جيل الرواد في القصة العراقية”(9). لقد عزّز الخمسينيون قدرة القصة، إذا ما فُهمت وكُتبت كما يجب، على استيعاب متطلبات الفن التي لم تعِها قصة الرواد- ما بين العشرينيات والأربعينيات– إلا بشكل محدود، إذا ما استثنينا تجربة عبد الحق فاضل التي أشرنا إلى أنها بقيت تجربة فردية لم تعززها تجارب قاصين آخرين. والواقع أن مسار القصة التحديثي المتمثل بقصص الخمسينيين قد قاد إلى تقديم نماذج ستبقى علامات مضيئة في مسار القصة العراقية عموماً، كما يتمثل ذلك بشكل خاص في مجموعتي “نشيد الأرض”-1954- لعبد الملك نوري، و”الوجه الآخر”- 1960- لفؤاد التكرلي، إضافة إلى مجاميع “فيض”- 1952- لنزار سليم، و”مولود آخر”- 1959- لغائب طعمة فرمان، و”حياة قاسية”- 1959- لشاكر خصباك، و”غضب المدينة”- 1960- لمهدي عيسى الصقر، وبعض قصص سافرة جميل حافظ، ومحمود الظاهر، ومحمود روزنامجي وآخرين.
إن جرأة هؤلاء الكتاب الشباب في خوض غمار التحديث الفني بكل ما يفرضه من أساليب وتقنيات ومفردات معمارية فنية لم تألفها القصة العراقية من قبل، ثم نجاحهم في تقديم مثل هذه النماذج على المستوى الفني وعلى مستوى قبول القراء لها، في الوقت نفسه، قد جعلت من تجربة جيل الخمسينات أهم تجربة وتجديد فني حقيقي في مسار القصة العراقية.
**
جيل الستينات:
أيّا كانت أسباب الانحسار غير الاعتيادي لنشاط جيل الخمسينات، وسواء أكانت على علاقة بثورة تموز 1958، أم لم تكن، فإن الحقيقة التي لا يمكن للدارس إلا أن يلمحها بسهولة هي أن هذا الجيل قد مال فعلاً وبسرعة نحو الصمت في أعقاب هذه الثورة ليترك فراغاً واضحاً قبل أن تبدأ بوادر مسار جديد بالظهور ببطء، نعني مسار ما سيصطلح على تسميته بجيل الستينيات. وإذا ما كانت بعض تسميات الأجيال قد حملت أسماء العقود بتكلف واصطناع، سواء أكان ذلك في الأدب العراقي أم في غيره، فإن لتسميتي جيل الخمسينيات وجيل الستينيات مبرراتهما، وذلك لارتباط عطاء جيلين متميزين من الكثير من النواحي بالعقدين الخمسيني والستيني، وعليه لا يكون ضرورياً رفض ذلك أو تجاوزه، ما دامت التسميتان مرتبطتين بدلالات ومبررات معقولة ليس من شأن هذه الورقة الخوض فيها.
إن أول شيء يلفت نظر الناقد والقارئ المتتبع لمسيرة القصة العراقية في كتابات الستينيين هو انفصالها التام والرافض، بل ربما المتطرف عن جل ما هو واقع. ولعل من أخطر ما قادهم إليه هذا الموقف على المستوى الفني والإنتاج الأدبي هو أنهم رفضوا كل وجدوه قد كُتب قبلهم من قصص باتجاهاتها ومعالجاتها وموضوعاتها وأشكالها والتزاماتها، ومع هذا هم لم يجرؤوا، على ما يبدو، على رفض كل أساليب وتقنيات تلك القصص التي كان جيل الخمسينات تحديداً قد تعرف عليها، كما رأينا، في ما أُتيح له الاطلاع عليها من القصص الغربية. إن الستينيين لم يستطيعوا في هذا الخصوص إلا أن يحاولوا التعامل مع هذه التقنيات تعاملاً جديداً، خاصة تقنيات تيار الوعي التي كان للخمسينيين فضل استخدامها في كتابة القصة العراقية بجرأة ووعي مدعومين بنضج فني امتلكوه أكثر من غيرهم. إن هذا الرفض والانفصال شبه الكلي وغير العقلاني فنياً قاد الرافضين غالباً إلى التيه والاضطراب في بحثهم عن البدائل. فكُتّاب هذا الجيل وضمن المسارات التي اختطوها لأنفسهم وعُرفوا بها، قد ولجوا مفازات غريبة بدا واضحاً أن أكثرها لا يؤدي ولا يوصل إلى إنجازات تعزز مسار القصة، بل هي أغلقت على الكثير من قصاصيها مجالات التطوير وتحقيق النماذج التي كانوا يحلمون بها، حتى وإن كان مبرر بعضهم الرغبة المخلصة فنياً في تحديث الأساليب والتجديد فيها وتحقيق نماذج قصصية أكثر استيعاباً واستجابةً لمتطلبات الخطاب الإبداعي الجديد، كما كانوا يرون أن الآداب الغربية تقدّمه. في الواقع “شكلت القصة الستينية- وبشكل خاص في منحاها التجريبي- تمرداً كاد يكون عبثياً- في بعض مظاهره- ضد كل القيم الاجتماعية والثقافية السائدة- كشكل من أشكال التمرد، وتعبيراً عن هاجس ذاتي- شبه نرجسي- لا يعبأ بحاجات التغير الاجتماعي”(10). ولا يقلل من سلبية هذا التوجه ومن نكوص العديد أصحابه، بحدود تعلّق الأمر بالكتابة القصصية، إلا قليلاً تحقيق بعض فرسان الجيل شيئاً من الخصوصية الفنية ومن اختراقٍ لصروح بعض المدارس والاتجاهات الفنية والفكرية والموضوعات التي لم تعرفها القصة قبلهم. ومن هنا ومن بين العشرات من القصاصين الذين اقتحموا، وربما تسيّدوا هذه المسارات الغريبة والتغريبية، لم يستطع أن يخرج بقصص يكتب لها البقاء متميزاً فنياً إلا قلائل مثل جليل القيسي محمد خضير وعبد الرحمن مجيد الربيعي وعبد الستار ناصر ولطفية الدليمي وغازي العبادي وجمعة اللامي وأحمد خلف وموفق خضر وموسى كريدي ويوسف الحيدري. كما كان من حظ بعض هؤلاء أنهم استطاعوا بما امتلكوه من مقدرة وحِرَفيّة ووعي بما يريدون، أن يثبتوا أسماءهم ضمن أعلام القصة العراقية حين تخطوا بأدواتهم هذه، مسارات هذا الجيل ورسموا لأنفسهم مسارات كادت تكون كل منها خاصة بواحد منهم مثل محمد خضير وعبد الرحمن مجيد الربيعي وجليل القيسي وعبد الستار ناصر. ومن أهم ما مثل إنجازات هؤلاء القصاصين المجاميع القصصية، “صهيل المارة حول العالم”-1968- لجليل القيسي، و”السيف والسفينة”-1966- و”الظل في الرأس”- 1968- لعبد الرحمن مجيد الربيعي، و”الرغبة في وقت متأخر”-1968- و”فوق الجسد البارد”- 1969 لعبد الستار ناصر، و”أصوات في المدينة”- 1968- و”خطوات المسافر نحو الموت”- 1970 لموسى كريدي، و”مرح في فردوس صغير”- 1968- و”ألق ما في يدك”- 1970- لموفق خضر، و”حين يجف البحر”- 1967- و”رجل تكرهه المدينة”- 1969- ليوسف الحيدري. بقي أن هناك كتاباً انعزلوا أصلاً عن تأثيرات هذا الجيل رغم معاصرتهم له إنتاجا، واختاروا أحد طريقين: الإخلاص لمسارات سابقة على مسارات الستينيين، أو شق مسارات هي، في الغالب، تطوير لتلك المسارات السابقة، مثل غائب طعمه فرمان ونزار سليم ومحمود جنداري وموفق خضر وموسى كريدي وعبد الرزاق المطلبي.
ولعل من المفيد القول هنا إن من حظ الرواية العراقية التي أسهمت جهود بعض هؤلاء الكتاب في إثرائها، أنها قد أفلتت، في مرحلة الريادة الفنية، من فخ الضلال الستيني الذي قاد القصة القصيرة، فابتعدت ابتعاداً كاملاً تقريباً، عن الدخول في تهويمات ذلك الضلال، مع استفادة البعض منها من فن الجيل، فكان أنْ صدرت في السنوات الممتدة من منتصف الستينيات إلى السنوات الأولى من السبعينيات روايات وروايات قصيرة وقصص اقتربت من أن تكون روايات ، كان لها شأن في مسيرة الرواية في العراق مثل: الروايتين الرائدتين “النخلة والجيران”-1966- و”خمسة أصوات”-1967- لغائب طعمة فرمان، و”الظامئون”-1967- لعبد الرزاق المطلبي، و”السفينة”-1970- لجبرا إبراهيم جبرا، و”كانت السماء زرقاء”-1970- لإسماعيل فهد إسماعيل، و”الوشم”-1972- لعبد الرحمن مجيد الربيعي، و”شقة في شارع أبى نواس”-1973- لبرهان الخطيب.. وغيرها.
وإذا كان من تقويم عام للإنجاز الستيني على مستوى التحديث والتجديد، فنقول مع كل ما يحسب لهذا الجيل من بذل جهد ومسعى في سبيل تحقيق مثل هذا، فإن مواجهتنا لذلك فعلياً تكشف لنا أن قصاصيه لم يحققوا الكثير مما ادّعوا أنهم حققوه على المستوى التطبيقي، نعني الكتابة القصصية ذاتها. بعبارة أخرى إذا كان من فضل لهذا الجيل على القصة العراقية فإنه قد جاء من خلال انفتاحه الجريء على وسائل وتيارات ومذاهب جديدة الذي قاد إلى تعريف الفرد العراقي، ولا نقول الكاتب، بهذا الجديد. وما نجده من أبناء ذلك الجيل وممن تطرف في الحماس لهم أنما هو مكابرة وادعاء بما نرى أن الكثير منه غير متحقق من إنجاز وتجديد وتحديث وتجاوز. ومرة أخرى إذا كان الجانب التطبيقي هو الذي نبني عليه تقييمنا لعطاء أي جيل أو تيار أو كاتب كونه الأهم، مع أهمية النظرية والتنظير بالطبع، فإن الستينيين لم يحققوا ما يرون أنهم حققوه ببحثهم الدائم عن الجديد، دون إنكار بعض ذلك الذي يدّعونه بالطبع. فإذا كانت ، فمن المفارقة أنهم في استهدافهم الخاطئ للمغايرة والتجديد لذاتهما، وبمعزل عن المبررات الموضوعية والفنية، قد فتحوا للأجيال أبواب التحديث والمغايرة والتجاوز والتجديد فعلاً، وشجعوا التالين لهم على ذلك. عدا ذلك أن “عملية الخروج عن المألوف والتقليد دون إيجاد البديل والاكتفاء بالبحث لا يمكن أن يدوم”(11).
**
قصاصو ما بعد الستينيات:
يعتقد البعض أن النقد الأدبي العراقي بشكل خاص، والعربي بشكل عام قد درج على إطلاق أسماء العقود على الأجيال الأدبية، وهذا يوقع الناقد في الخطأ وعدم الدقة. فإضافة إلى عدم تساوق الجيل، كما نعرف وكما يُفهم لغةً، مع العقد الزمني، يقول هذا البعض: إذا كنا نفهم الجيل أدبياً ونقدياً أن يشترك نتاج أدبائه بخصائص وتوجهات وربما اعتقادات فنية أو فكرية معينة تميزهم عمن سبقهم ومن يتلوهم، فليس من المعقول ولا المنطقي نتوقّعُ أن يتهيأ لنا مثل هذا الجيل في كل عقد زمني. لكن الذي يفوت هذا البعض أن مثل هذه الأجيال الأدبية قد صادف فعلياً أن تساوقت مع عقود بعينها، وهذا ما نجده تحديداً وبشكل دقيق إلى حد كبير في ما اعتدنا نقدياً في الأدب العراقي على تسميتهم بجيلي الخمسينات والستينات. أما ما عدا ذلك مما ورد فيه مثل هذه التسمية، مثل السبعينات والثمانينات، فلا نظنه قد جاء في خضم التناول النقدي إلا قليلاً، بل هو قد جاء غالباً في الصحافة، وللإشارة إلى أسماء كتاب بعينهم أو لتمييزهم عن جيلي الخمسينات والستينات. وانطلاقاً من هذا، وحرصاً على الدقة النقدية، فقد أطلقنا هنا على من جاء بعد الستينات من القصاصين تسمية (قصاصي ما بعد الستينات) دون أن يعني ذلك أنهم بالضرورة قد ظهروا أو أنتجوا كتاباتهم بعد انتهاء العقد الستيني مباشرةً، بل الذي نقصده أنهم ظهروا بعد الجيل الستيني الذي عُرف بأدبه الخاص، كما أنهم خرجوا على ذلك الأدب، حتى حين يُقر بأنهم استفادوا في تحديثاتهم من الجيل السابق. فمع ما سجلناه على القصة الستينية، فإن كُتّابها قد تجرؤوا بشجاعة ، كما رأينا، على تجريب كل أساليب التجديد والتحديث والأشكال التي لم تعرفها القصة العراقية. وإذا لم يتحقق للستينيين الكثير مما يطور هذه القصة، كما أشرنا ضمناً، فإنهم قد فتحوا آفاقاً تحديثية تهيأ لمن أتى بعدهم- قصاصو ما بعد الستينات- أن ينفتحوا عليها ويستفيدوا منها خصوصاً وقد أدرك هؤلاء القصاصون الجدد وشخصوا بنجاح، على ما يبدو لنا، متاهات الستينيين، وسعوا بوعي جديد إلى البحث عما يقودهم إلى مسارات أخرى مستفيدين في ذلك، أولاً، مما وجدوه ملائماً منها لتجاربهم وموضوعاتهم ومرحلتهم ووعيهم من جهة، وثانياً، من تجارب الذين سبقوهم من خمسينيين وستينيين من جهة ثانية. إن هذا قد مكن كُتّاب ما بعد الستينات، الذين قدموا نتاجاتهم خلال السبعينات والثمانينات بشكل خاص، من اكتساب هوّية وربما هويات استقلت إلى حد ما عن هوية السابقين، وإن لم تتحدد ملامحها مبكراً- عدا اختلافها عن هوية السابقين. ونجد أن أهم ما يمكن أن رصده من سمات يختلف بها هذا الجيل عن الجيل السابق بشكل خاص ما يأتي، مما تمثّل في قصص أبرزهم، ممن قد يُحسب بعضهم على الجيل السابق في الوقت نفسه، محمد خضير ومحمود جنداري عبد الخالق الركابي ولطفية الدليمي وعبد الستار ناصر وأحمد خلف وبثينة الناصري وعلي خيون وميسلون هادي ووارد بدر السالم وعبد الستار البيضاني وغيرهم:
أولاً: في انفتاحهم على مصادر التأثير الفني التي لم تكن معروفة سابقاً، وأبرزها أدب أمريكا اللاتينية المتمثل بشكل خاص بأدبيْ ماركيز وبورخس، ساعد قصصهم على الظهور في أشكال جديدة تستوعب الموضوعات المختلفة، ووفق رؤى جديدة، مع عدم التخلي عن بعض أطر التحديث الفني الأخرى مما كان القاص العراقي قد أخذ يلاحقها في مصادرها. ولعله من هنا بشكل خاص استلهم قصاصو الجيل وروائيوه توظيف التراث والفلكلور والأسطورة، ولكن لا بحكايتها التقليدية والظاهرية، بل بما تمتلكه من قوة ودلالة ومن أبعاد يفيد منها القاص وسيلة لفتح مغاليق يبدعها هو نفسه في خطابه القصصي لغايات جمالية وإيصالية مختلفة. وتعلقاً بذلك حدث أن كانت هناك عودة إلى الواقعية، ولكن مع عدم التسليم بكل ما عرف فيها من تقليد ووظيفة اجتماعية أو السياسية أو إصلاحية، ولا باعتمادها الواقع كما نراه يومياً، وكما عرفته فيما سبق القصة العراقية عموماً، بل بتبنّيها مداخل أخرى إليه لم يلجها واقعيو الأجيال السابقة وصولاً إلى ترصين رؤاهم ، مثل وعي الشخصية والأحلام والتهويمات غير المغرقة في لا معقوليتها، وهو ما قاد كُتّاباً منهم إلى كتابة ما سمّاه البعض بالواقعية الإيهامية.
ثانياً: وإذا ما بدا أن بعض كُتّاب ما بعد الستينيات أعادوا القصة في ذلك إلى وظيفتها التقليدية المتمثلة بمعالجة موضوعات الواقع وأزمان إنسانه، ولكن عبر رؤى ووسائل يتيحها الفن أو الإبداع الجديد، فإن هذا يعني أيضاً، ونتيجة لذلك، عودة القصة إلى الالتحام بين الشكل والمضمون الذي رأى البعض أن الستينيين قد هجروه. ولعل العودة إلى الواقع، والإمساك من جديد بالزمان والمكان، مع عدم التراجع عن الوسائل والصيغ والرؤى الحديثة التي كان للسابقين الفضل في تعريف القاص العراقي بأكثرها، قد هيأ الكثير من كتاب ما بعد الستينيات لأن يكونوا أكثر تمكناً واستيعاباً لمفردات الفن الروائي، الأمر الذي دفعهم إلى امتطاء صهوة المغامرة الروائية، بما يشبه الشغف، ولكن بتمكن ونضج غير هيّنين، خاصة أن كاتب هذا الجيل “هو ابن تراث روائي متنوع وشامل وغزير، وهو إضافة إلى ذلك يمتلك خبرة الرواية العربية والعالمية بكل تنوعاتها وتجاربها… وأصبح ممتلكاً لناصية اللغة والتقنية والخبرة والرؤيا، وامتحنته الحياة امتحاناً قاسياً”(12).
ثالثاً: إذا كان الستينيون هم أصحاب الفضل الأبرز في خطوات التجريب في القصة العراقية، فإن قصاصي مرحلة ما بعد الستينات، خاصة في نصفها الثاني، قد عزز مثل هذه الخطوات التي كانت وراء ملامح “اتجاه تجريبي جديد في القصة العراقية يذكرنا بالاتجاه التجريبي الذي ساد في القصة العراقية خلال فترة الستينات”(13)، وإن لم يصر بالحجم الذي تحقق لدى هؤلاء. “إن القاص بدأ يسعى، وبشكل قصدي لخلق صيغة تجريبية حداثية، إنه بكلمة أخرى راح يخلق خطابه القصصي الخاص عن طريق التركيز على الوظيفة الشعرية أو الأدبية للخطاب القصصي… إذ لم تعد الكتابة القصصية شفافة جداً لدرجة تعكس صورة العالم الواقعي خلفها فقط، بل أصبحت تكتسب كثافة أكثر وتركز على غايتها الذاتية الخاصة أيضاً. ولذا فقد راح القاص العراقي… يُعنى باللغة والبناء والثيمات ورسم الشخصيات بطريقة لم يسبق لها مثيل”(14). وحتى مع التفات كُتّاب المرحلة إلى الأحلام والتهويمات، ولأنهم لم يغرقوا أنفسهم في ذلك بلا معقولية مجردة، فإنهم هجروا التهويم أو الغموض حين يكون لأجل التهويم والغموض والعبث واللامعقول كما عرفها الستينيون.
رابعاً: موضوعاً كان من الطبيعي أن تحتل الحرب وتأثيراتها المختلفة المكانة الأولى بين موضوعات القصة خاصة في الثمانينيات، وبعد أن عرفتها القصة بالطبع قبل ذلك، وخاصة في أعقاب نكسة حزيران 1967، وحرب تشرين 1973، وكان ذلك بشكل خاص لدى كتاب الداخل وفي ظل تشجيع الدولة، وهو الأمر الذي دفع الكثيرين نقاداً ودارسين إلى ربط كتاب هذا الجيل بالحرب وتسميتهم أحياناً بجيل الحرب. وفي مقابل ذلك، وفي ظل وجود أعداد غير قليلة من الأدباء العراقيين في الخارج، نازحين عن الوطن تحت ضغوط القمع أو المعارضة أو المعاناة الاقتصادية، كان من الطبيعي أن تنعكس الغربة وما يرافقها من حنين إلى الوطن ومعارضة للنظام وأحاسيس بالغضب والاستياء والتذمر، على الكثير من كتابات هذا الجيل القصصية والروائية، لتظهر صريحة في كتابات الخارج، ومبطّنة أو رمزية أو عبر الإيماءة في كتابات الداخل.
**
الخاتمة:
كان لا بد لمثل هذه المعالجة أو اللمحات أن تقتصر عن تغطية مسيرة القصة العراقية، المتواضعة في جوانب ومراحل والغنية في جوانب ومراحل أخرى منها، ولكن حسبنا أننا سعينا إلى وضع اليد، ووفق رؤية وتتبع خاصين بالطبع، على أهم ما نراه من أفق الريادة والتحديث التي شهدتها ومن خلال أجيالها التي دخلت بعض الصراعات الحادة فيما بين بعضها والبعضالآخر، خاصة في ادعائها بالفضل في تلك الأفق، كما تجسد ذلك في ما أصبح مألوفاً بين قصاصي جيلي الخمسينات والستينات، آملين أن قد نجحنا في تخطي الادعاءات غير الموضوعية التي كثيرا ما سيّدت بعض قصاصي هذا الجيل أو ذاك، إعلامياً على الأقل، على الساحة الأدبية، وذلك من خلال ما سعينا إلى أن نحققه من رسم يتوفر على الموضوعية والدقة لصورة القصة العراقية عبر مسيرتها ووقوفاً في محطات أجيالها. ونزعم أن أهم ما استطاعت الورقة تحقيقه تعلقاً بذلك أنها تثير الانتباه إلى حقيقة أن أجيالاً أدبية عديدة قد أسهمت، كلٌ بشكل ما وبقدر ما، في تحديث القصة العراقية وتطويرها.
**
الهوامش:
(1) عبد الإله أحمد: نشأة القصة وتطورها في العراق 1908- 1939، مطبعة شفيق، بغداد، 1969، ص56.
(2) صدرت مقامات الآلوسي عن مطبعة حجرية في كربلاء، في سنة 1856؛ ونُشرت قصص الرؤيا، وأبرز كتّابها عطاء أمين، في صحف ومجلات مختلفة، في الأعوام 1909- 1921؛ أما الرواية الإيقاظية فصدرت عن مطبعة الحكومة في البصرة، في سنة 1919. انظر، حول هذه المحاولات، المصدر السابق، ص5-11، 34- 66، 327-359، 421، 438. وانظر د. نجم عبدالله كاظم: التجربة الروائية في العراق في نصف قرن، الموسوعة الصغيرة (263)، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1986.
(3) لعل أوضح مثال يمكن أن يجسد هذا الافتراق بين المحاولة الفردية المقطوعة التي لا تستتبع أعمالاً أخرى، وبين المحاولة التي تؤسس أو تبنى وتستدعي المواصلة، ما حدث لمدرسة تيار الوعي في الرواية والكتابة القصصية العالمية عموماً. فمع ما يقال من “أن الفضل في ابتداع هذا المنهج في القصص يرجع إلى الكاتب الفرنسي إدوارد دي غاردان (1861-1949)”، فإن التأسيس الحقيقي له قد كان على يد جيمس جويس (1882-1941) الذي ارتبط به فعلياً فصار هو رائدها. ومن هنا لم تكن المحاولات التي سبقت محمود أحمد السيد وظهرت في الصحف، من أهمية بحدود تعلق الأمر بالتأسيس للفن القصصي في العراق.
(4) لعل هذا يوضح حجم الخسارة الكبيرة التي خسرتها القصة العراقية والأدب العراقي الحديث بشكل عام بموت الكاتب محمود أحمد السيد المبكر في سنة 1937، وقبل أن يكمل الخامسة والثلاثين من عمره.
(5) عبد الجبار عباس: النقد القصصي، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1980، ص270.
(6) عبد الإله أحمد: مصدر سابق، ص310.
(7) د. محسن جاسم الموسوي: نزعة الحداثة في القصة العراقية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، المكتبة العالمية، بغداد، 1984، ص36.
(8) عبد الإله أحمد: مصدر سابق، ص 288.
(9) من المفيد والموضوعية الإشارة إلى عمل يخرج عن هذا المسار ولكنه يحقق فنياً، وإن كان ذلك بشكل محدود نسبياً، ما يوجب ذكره وهو “اليد والأرض والماء”-1948- لذي أنون أيوب.
(10) فاضل ثامر: الصوت الآخر.. الجوهر الحواري للخطاب الأدبي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1992، ص97.
(11) ريمون الاهو: حوار في الرواية الجديدة، ترجمة نزار صبري، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1988، ص73.
(12) فاضل ثامر: المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، 2004، ص138.
(13) فاضل ثامر: الصوت الآخر، مصدر سابق، ص94.
(14) المصدر السابق، ص 96. وانظر فاضل ثامر: مدارات نقدية في إشكالية النقد والحداثة والإبداع، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1987، ص 329.
**
المراجع:
• أحمد، عبد الإله: نشأة القصة وتطورها في العراق 1908- 1939، مطبعة شفيق، بغداد، 1969.
• ألاهو، ريمون: حوار في الرواية الجديدة، ترجمة نزار صبري، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1988.
• ثامر، فاضل: مدارات نقدية في إشكالية النقد والحداثة والإبداع، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1987.
1. الصوت الآخر.. الجوهر الحواري للخطاب الأدبي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1992.
2. المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، 2004.
• عباس، عبد الجباس: النقد القصصي، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1980.
• كاظم، د. نجم عبدالله: التجربة الروائية في العراق في نصف قرن، الموسوعة الصغيرة (263)، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1986.
• الموسوي، د. محسن جاسم: نزعة الحداثة في القصة العراقية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، المكتبة العالمية، بغداد، 1984.

د/ نجم عبدالله كاظم
كلية الآداب/ جامعة بغداد

شاهد أيضاً

الشاعر حسين عبد اللطيف في أمير من أور: تأثيث النص الشعري
مقداد مسعود (ملف/29)

(1) حين تكون ..(الكتابة : كدح) (2) ،فهذا يعني اننا نكون في حضرة ،تجربة مرموقة، …

الدكتور زهير ياسين شليبه*: ذكرياتي عن الشاعر الدنمركي الساخر بني اندرسن (ملف/3)

بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل الشاعر الدنمركي بني أندرسن 2018-1929** في السادس عشر من شهر آب …

أنا والشبيه (رواية كولادج)
بعض من سيرة الأديب صدام فهد الأسدي (2/1)
د. قصي الشيخ عسكر (ملف/4)

النشيد الأول: لا علاقة للشبيه بالشكل لاضرورة لأن يحمل السمات نفسها والقسمات ذاتها إنه يمكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *