طيفٌ موكبُ الهُجَناء عابر … !
فلاح حكمت*

جاءني صوت صديقي ، المهندس البغدادي ، عبر جهاز الهاتف النقّال متثاقلاً كسيراً ينبئ عن روح متعبة ، سألته عن هذا الإنكسار في صوته فقال أنه لم ينل قسطاً كافياً من النوم لثلاثة أيام متتاليات بسبب أعمال صبّ الخرسانة التي تبدأ قبل انبلاج الفجر وتستمرّ ساعات طويلة ، ويسبقها جلبة عمّال البناء وصراخهم قبل البدء بعملية الصب ، ثم أردف : كلّ هذا الضجيج المتواصل الذي لايكاد ينقطع لايعدّ شيئاً جوهرياً بالقياس إلى حالة التشويه البصري والوظيفي الذي طال نسيج الحاضرة البغدادية ، ويبدو أنّ صديقي قد تحسّب أن لا أكون قد فهمت بالضبط مايريد قوله ؛ فقال أنه سيُرسل لي لاحقاً عبر الشبكة الألكترونية صوراً تحكي عمّا يعنيه ، وحصل بالفعل أن أرسل لي بعض الصور التي ما أن نظرت إليها حتى أدركت حجم المصيبة التي ترزح بغدادُنا المنكوبة تحت وطأتها .
بغداد ، أيها السادة ، هي في طريقها لتكون مدينة مستطيلات مجسمة صندوقية أشبه بعلب السردين ، وإذا كنّا قبل بضع سنوات نقول أن بغداد صارت مرحاضاً بجانب مرحاض بعد شيوع عادة بناء المرافق الصحية الخارجية قريباً من الباب الخارجي للمنزل تبعاً للمتطلبات الاجتماعية التي تفرضها القيم الوافدة إلى الحاضرة المدينية ؛ فإن بغداد اليوم ماعادت تحوي أغلب منازلها فسحة من الأرض تكفي حتى لبناء ذلك المرحاض الخارجي القبيح الذي يخصّص للزوار في العادة ، وصارت ثمة إستباحة متوحشة للأرض بحيث ماعاد الناس يتورّعون عن تشييد منزل بثلاثة طوابق وأربعة على أرض لاتتجاوز الخمسين متراً ، ولنا أن نتصوّر عشيرة مصغّرة مكوّنة من ثلاث عوائل أو أربع تسكن كلّ منها في طابق من ذلك المنزل الذي هو أقرب إلى علبة ( شخّاط ) متطاولة نحو عنان السماء ، وماسينشأ عن تلك الحالة من ضجيج وصخب وضغط على الخدمات البلدية المتهالكة ومصادر الماء والكهرباء التي هي أصلاً شحيحة ، بالإضافة إلى التلوث البيئي وانتشار الأوساخ وشيوع القيم المتريّفة ، ولسنا نخجل أو نتحفّظ من القول هنا أنّ أغلب هؤلاء الساكنين الجدد هم ممّن لم ينالوا تعليماً جيداً لكنهم أثروا ثراء فاحشاً في هذا الزمان العراقي البائس الذي أتيحت فيه فرص الثراء أمام كلّ من امتلك سطوة العشيرة والحزب والطائفة .
عجيبٌ أمر هؤلاء الأثرياء الجدد !! ألم يقرأوا في ( رسالة الحقوق ) للإمام جعفر الصادق أنّ حجز الهواء ونور الشمس عن الجار هو فعل مقترن بمثلبة أخلاقياتية عظمى تستحق الإدانة والعقاب ؟ ومن فوّضهم أمر البناء العشوائي الذي شوّه استمرارية الأفق البصري في بغداد وجعلها أقرب لمدينة صندوقية يكاد يختنق بها المرء ؟ وكيف صار مسموحاً بناء غرفة نوم على رصيف أمام المنزل هو ليس ملكية لصاحب المنزل ؟
بالطبع يوجد قدر من الذنب لابدّ من توجيهه نحو كلّ من يفعل تلك الأفاعيل المكروهة ؛ ولكن كيف يمكن لهؤلاء أن يفعلوا مايفعلون من غير إجازة بناء ؟ كيف تقبل أمانة بغداد بهذه التجاوزات الجمالية والوظيفية على حرمة بغداد ؟ واضحٌ أن السبب في غياب القانون ( أو تغييبه المتعمّد ) هو أنّ الحكومة – أية حكومة كانت – التي تفشل في برامجها التنموية إنّما تلجأ لمثل هذه الأفاعيل التي هي بمثابة رشوة مُقنّعة تسترضي بها الناس وتوظّفها في حملاتها الانتخابية التي ماجاءت إلا بالخراب .
لكن تبقى بغدادنا هي بغدادنا الجميلة التي نعرف حتى وإن تكالبت عليها صروف الدهر وأفاعيل المخرّبين ، وسنظلّ نردّد ( بغداد قلعتُنا ، وطيفٌ موكب الهُجناء عابر …. ) .

* كاتب ومهندس عراقي

شاهد أيضاً

جابر خمدن: تأملات في مجموعة “أهرب من ظله” للقاصة “شيماء الوطني”

” كنا نرى في عينيه عجزه عن انقاذنا..ورغم ذلك بقينا نحكي له” ، هكذا نلج …

(سَلام صبري)..سَأَكْتُبُ عَنْكَ دَوْمًا وَلَنْ يَجِفَّ حِبْرِي.
موشي بولص موشي/ كركوك

يَسْتَقْبِلُ الْعَوَامَ وَالْأُدَبَاءَ وَيُنْجِزُ مُعَامَلَاتِ مُرَاجِعِي دَوَائِرِ الدَّوْلَةِ وَيُتَرْجِمُ الْأَبْحَاثَ فِيْ مَكْتَبَتِهِ الصَّغِيرَةِ الْمُسَمَّاةِ بِـ(الْمَكْتَبَةُ …

(عَبد العزيز سمين البيّاتِي)، عَالَمُ زَاخِرٌ بَالْمُنْجَزَاتِ.
موشي بولص موشي/ كركوك

نَجْمٌ آخَرٌ مِنْ نُجُومِ كَرْكُوكَ أَفَلَ قَبْلَ بِضْعِ سَنَوَاتٍ، احْتَضَنَ ثَـقَافَاتِ الْمَدِينَةِ وَتَوَاصَلَ مَعَهَا. زُرْنَاهُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *