روايات مترجمة: 2 ــ بلاد الثلوج (من الأدب الياباني)
ياسوناري كاواباتا
ترجمة: لطفية الدليمي
قراءة: ناطق خلوصي

كانت رواية ” بلاد الثلوج ” في طبعتها الأولى قد صدرت عام 1952أما طبعتها المترجمة في العراق فقد صدرت عن دار المأمون في العام 1986 .وهي للروائي الياباني ياسوناري كاوا باتا الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1968 ، نقلتها إلى العربية المبدعة لطفية الدليمي عن الطبعة الثالثة والثلاثين من هذه الرواية والصادرة باللغة الإنجليزية عام 1982و جاءت في 151 صفحة من القطع الكبير بضمنها المقدمة التي كتبتها المترجمة . وقد ورد فيها : ” عاش كاواباتا حياته وفارقها كحالة يابانية متميزة بكل تناقضات الشخصية اليابانية و تعقيداتها ودماثتها. ” وجاء في مكان آخر” لكاوابانا اسلوبه المميز الرصين الذي يعتمد على الإنطباعية اليابانية وينهل من موروث اليابان الكلاسيكي خاصة الشعر التقليدي ــ الهايكو ــ . يكتب كواباتا باقتصاد لا مثيل له، ويأناقة متفردة ، مع استخدام واعٍ للمفردة الموحية، حيث تنعكس شخصيته بجانبها الحسي والتأملي على مجمل إعماله الأدبية “. .
تنشطر الرواية إلى شطرين .شخصياتها الرئيسية محدودة ،وتكاد شخصية ” شيمامورا ” تنفرد ببطولة الرواية قبل أن تشاركها شخصية فتاة الجيشا “كوموكو” بدرجة أو أخرى في القسم الأول لكنها تكون ندّاً له في قسم الرواية الثاني وتغطي الحوارات الثنائية بينهما عدة صفحات من هذا القسم بما يوحي بأن كوموكو أصبحت على مستوى واحد معه في كونها شخصية رئيسية موازية لشخصيته .
تبدأ أحداث الرواية في عربة قطار حيث يظهر شيمامورا المهتم بالباليه والذي ورث ثروة وفرت له فرصة ممارسة حياة الترف فترك أسرته في طوكيو ، وهو في طريقه إلى منتجع جبلي يتوفر على نبع حار كان قد اعتاد على الذهاب إليه .ومن المشهد الاستهلالي يبدأ القاء الضوء على معاناة فتيات الجيشا من خلال شخصية فتاة الجيشا يوكو التي تصاحب رجلاً مريضاً عليها أن تبالغ في خدمته كما تملي عليها طبيعة عملها . وسيكون لهذه الشخصية حضور متواتر في أحداث الرواية . وسيتضح أن هذا المريض هو ابن معلمة الموسيقى التي أوقعها الشلل قبل رحيلها وكانت تتمنى أن تزوجه من فتاة الجيشسا الأخرى كوموكو التي تجدها مناسبة للتمرد على واقعها فترفض ذهابها إليه ساعة احتضاره ، ثم تتجلى حالة الرفض والتمرد في علاقتها بشيمامورا : ” لن يكون ثمة اختلاف في الأمر . فالنساء من طرازي يستطعن الحصول على عمل في أي مكان . لكن هذا السلوك الواضح الصريح المشحون بالاستقامة والمشاعر المباشرة غريب تماماً على شيمامورا المتبطل الذي آلت إليه ثروته بالوراثة ” ( ص 115 ) .
وتجد الطبيعة والمكان حضورهما الواضح والمؤثر في مفاصل الرواية ويتكرر حضور الثلج بدءاً من العنوان وامتداداً إلى كل مفاصل الرواية . يقول أدوارد جي. سيدنستكر في التقديم الذي جاء بعد مقدمة المترجمة : ” لا يعني تعبير ” بلاد الثلوج” ببساطة ذلك الافليم الذي تتساقط فيه الثلوج ، انما يعني على وجه التحديد ، ذلك الجزء من الجزيرة الرئيسية لليابان الواقع غربي سلسلة الجبال الوسطى الذي يوحي بشتاءات طويلة كئيبة ، وأنفاق تحت الثلج وبيوت معتمة بعوارض خشب سوّدها دخان نيران الشتاء” ( ص13 ) فيجد الناس ملاذاً في الينابيع الحارة التي تجري أحداث الرواية في أحدها . وتتجلى في الرواية القدرة العالية على الوصف الذي يضفي على المكان ما يزيده قدرة على التعبير عن نفسه : ” هبط الآن لون السماء فوق وادي الجبل الذي سرعان ما غمرته الظلال ، وفيما وراء الغسق كانت الجبال البعيدة ما تزال تعكس ضوء الشمس الغاربة وتبدو كأنها تزداد اقتراباً” ( (ص 63 ) و” لاحت الأرض كأنها تمتص الأفق الخابي لأصيل ذلك اليوم الشنائي بينما طرح القطار العتيق الهابط قوقعته اللامعة في النفق. ولم يكن ثمة ثلج على السفح الجنوبي ” ( ص 81 ) .
تتناول الرواية ظاهرة فتيات الجيشا الشائعة في المجتمع الياباني ومحورها فتيات يتم ندربيهن اجتماعباً وحتى ثقافياً ، للعناية بالرجل والاهتمام به ويتعلمن الرقص والغناء والعزف بهدف امتاعه ربما حتى جسدياً خارج إطار العلاقة المشروعة . ويتم ذلك لقاء أجر مادي لذلك تلاحقهن تهمة ممارسة البغاء ، وفي طبيعة العلاقة بين شيمامورا وكوموكو ما يشير إلى ذلك مع أن الروائي يعمد إلى التلميح دون التصريح للإيماء إلى هذه العلاقة الخفية أحياناً والمكشوفة على نحو واضح في أحيان أخرى .وحيث تتناول الرواية هذه الظاهرة فانما تنطلق في ذلك من موقع ادانتها مع انحياز واضح للمرأة . تشكو كوماكو لشيمامورا من طبيعة عملها كفناة جيشا فتقول : ” إنه عمل مضنٍ، ثلاثون منهم وثلاث منا . أما الأخريات ، فاثنتان منهما مسنتان جداً ومعظم الباقيات صغيرات السن جداً في هذه المدينة وهذا ما يجعل العمل في الحفلات مضنياً وشاقاً بالنسبة لي . انهم أناس بخلاء مقترون “(ص 114) . ويبدو كأن الروائي يقترح بديلاً لممارسات فتيات الجيشا من خلال الإشارة إلى عاملات النسيج ، ويختتم الرواية بحريق شب في صالة عرض ، وحيث بدأت الرواية بشخصية فتاة الجيشا يوكو وهي في كامل حيويتها في عربة القطار ، انتهت بهاً وهي تسقط ميتة من بناية الصالة التي كان قد شب فيها حريق ، وللحريق دلالته الموحية التي تشي بالنهاية المأساوية التي يمكن أن تنتهي به حياة هذا الصنف من الفتيات !

شاهد أيضاً

نــجــيب طــلال: مهرجان مَــسرح الهــواة : تأجيل أم إلــغاء ؟؟

الــــــــــــواو: إنه فاتحة ((وباء)) أو بالتأكيد تلك جائحة كورونية ؛ لاتهم التسمية ؛ مادام المرء …

شوقي كريم حسن: نزار الفدعم…. سردية اللقطة السينمائية.

*السينما، كما اعرفها ، مثول جمالي بين يدي الخرافة، ومحاولة توثيق سريات الوجود السردية، التي …

دور أدباء المنفى في صناعة مسوغات مجتمعاتهم الأصلية
رواية (رياح القدر) لمولود بن زادي أنموذجاً
أبو يونس معروفي عمر الطيب

لا يمكن تصنيف المثقفين بصفة عامة بما في ذلك المنفيين كطبقة واحدة أو وفقا لأسباب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *