ثامر الحاج أمين: (سوق الديوانية الكبير) .. ذاكرة المدينة التي شاخت

تشكل الأمكنة واحدة من العناصر الفاعلة في مرحلة اكتساب المدن  هويتها التاريخية والثقافية ، ان لم تكن ـ احيانا ـ  أساساً في قيام المدن ونشأتها و ظهورها كمراكز تعج بالحيوية والنشاط . ورغم تبدل وتغير معالم الكثير من هذه الامكنة نتيجة تأثرها بالتغيرات البيئية والحياتية ، الاّ أنها ظلت الذاكرة التي تحفظ للمدن جانبا من سيرتها وتاريخها .
و” سوق الديوانية الكبير ” واحد من المعالم التراثية المهمة في المدينة ، ويكتسب أهميته هذه لا من كونه يمثل المركز التجاري الرئيسي فحسب ، بل هو الشريان الذي يمتد في جسدها طولاً الى حيث قلبها النابض ذلك هو نهرها الجميل .
وتشير بعض المعالم التي ضمها السوق الى ان وجوده يمتد الى فترة تتجاوز القرن من الزمن، حيث يمكن الاستدلال من طريقة تشييد الجامع الصغير  ـ الذي يتوسط السوق ـ ذو الممر الطويل المفضي الى باحة كبيرة والذي اسسه الشيخ حمادي الرويلي عام 1868 الى ان السوق كان موجوداً قبل وجود الجامع  ، فضلا عن  ان السوق ومن جهة الشمال  ضم بناية ( التوراة ) التي ظلت قائمة حتى مطلع سبعينيات القرن الماضي و قبل ان تقوم سلطات النظام السابق بهدمها واقامة محال تجارية على أرضها .
لقد ظل هذا الأثر ـ السوق ـ والى وقت قريب يمثل صورة مصغرة لمكونات المدينة الاجتماعية حيث شغلت نشاطاته التجارية وجوه بارزة من رجالاتها فمنهم من امتهن  بيع الأقمشة  ومن بينهم الحاج امين البياتي ، محمود جمعه ، محمد اللبان ، حمدعبد العال ، مهدي الاطرقجي ، الحاج شعلان ، محمد جمعه ، علي العميشي ، الحاج فرمان ، عبد محيل ، حاتم مغامس ، الحاج ملاغي ، علي مهاوي ، محمد حطاب اضافة الى تجار من الأقلية اليهودية ومنهم سالم حسقيل و وناجي نوري عزرا الذي كان آخر اليهود الذبن غادروا المدينة الى بغداد حيث نقل نشاطه التجاري اليها بعد منتصف الستينيات ، كما ضم السوق مختلف الانشطة التجارية التي جعلت منه ممراً ومكانا تؤمه يومياً اعداد كبيرة من ابناء المدينة فتجد فيه المكتبات وابرزها مكتبة الجمهورية لحسين مشروطة ومكتبة مطرود ومكتبة سيد هاشم المكصوصي و الخياطون الذي برز من بينهم جاسم كرزول وعيدان عباده وعبد مظلوم واحمد سلطان الذي تخصص بخياطة التجهيزات الرياضية ، وكذلك الصاغة ومن بينهم الاخوين علي ومهدي الشمري و النجارون ، الحدادون ، وفرع الصفافير وبرز في هذه المهنة  آل الوحاش ومحمد علي صاحب والعطارون ومن بينهم الحاج ليو ورشيد الملا جوده وفيروز والحاج علق ، وكذلك الحمامات التركية اخذت حصة من قائمة هذا الاثر ،  وحتى علاوي الفواكه والخضر وجدت لها تحت سقفه ملاذا لعرض بضاعتها ومنها علوتي جلعاوي وعباس شامة ، كما انتشرت على طوله المقاهي العديدة وتميزت من بينها مقهى ” الحاج سعيد ” الذى كان يجمع ادباء المدينة صباحا حيث شهد هذا المقهى ولادة الكثير من الاعمال الابداعية والرؤى والافكار ودارت فيه نقاشات ادبية وكان من ابرز رواده كزار حنتوش ، زعيم الطائي ، ثامر الحاج امين ، سلام ابراهيم ، منير ياسين ، عبدالرحيم صالح الرحيم ويوسف محمد علي . كما جالت في هذا السوق باعة  الأكلات الشعبية  ابرزهم كاظم الحمرة الذي اشتهر بتحضير الدوندرمة وكذلك حنش سلام في طاطليه اللذيذ وجاسم ستاوي في لبنه الرائب والضرير ابو مسلم في مشروباته التي كان يقوم بتحضيرها بنفسه وكاوي في كرزاته الشهيرة وكان لكل من هؤلاء الباعة طريقة خاصة في المناداة والترويج لبضاعته .
لقد ظل السوق والى منتصف السبعينيات الذاكرة التي حفظت للمدينة جانبا واسعا من سيرتها وتاريخها ، ولكن هذه الذاكرة لم تعد تحتشد بكل هذه المعالم والشخصيات ، فقد تأثرت بعوامل التغيير التي نالت جانبا منها وجعلت من الباقي مهدداً بالزوال نتيجة الاهمال وغياب الحس بأهمية هذه المعالم وقيمتها التاريخية كثروة وطنية تمثل ماضي المدينة وارثها الثقافي الغالي .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

تعليق واحد

  1. مصطفى الهادي

    السلام عليكم اخ ثامر . اشلون الصحة اخي الفاضل .
    واقعا اجدت وابدعت حيث عادت بنا الذاكرة إلى تلك الايام الجميلة التي اعادها وصفك الجميل الرصين لهذا المعلم الحضاري في تاريخ وتراث هذه المدينة .
    كما اشكرك كثيرا على ذكرك لاخي يوسف ، الذي طالته يد التهميش وتنكر له اقرب الناس اليه من اصدقائه .
    ساستمر في متابعة روائعك اخي العزيز فأنت تشكل جزء من كياني ومعلم من معالم طفولتي التي صاغتها انواع العلاقات مع امثالكم الطيبين .
    اخوك مصطفى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.