اصدار قصصي جديد بعنوان”باصات أبو غريب” للكاتب العراقي بولص آدم

صدر حديثاً عن دارنينوى للنشر والتوزيع،مجموعة قصصية جديدة للقاص بولص آدم بعنوان”باصات أبو غريب”وهي الكتاب الثالث من ضمن مشروعه الأدبي الذي اطلق عليه مفهوم”الواقعية الوحشية” ، والكتاب عبارة عن 86 صفحة من القطع المتوسط. وقد ازدان الغلاف بواحدة من لوحات الفنان العراقي الراحل لوثر إيشو. جدير بالاشارة ان هذا الاصدار يأتي بعد ثلاثين عاما من أطلاق سراحه بعفو عام من سجن ابي غريب.
في مقدمة الكتاب،دراسة نقدية معمقة بعنوان”فأر الوجود”بقلم الناقد والباحث العراقي القدير د. حسين سرمك حسن،الذي أشترك في المشروع ودعمه وكتب مقدمته بعد نقاشات مستفيضة مع المؤلف، فالدكتور حسين سرمك حسن،هو مؤلف كتاب”من أدب السجون العراقي”وجرى بينهما حوار حول أهمية الكتابة والمعالجة الفنية الأبداعية عن الحالة الوجودية لذلك العالم. يقول في دراسته النقدية المهمة:”حين وصلت القصة الأولى من هذه المجموعة وكانت بعنوان باصات ابوغريب – والتي سوف تحمل عنوان المجموعة – من القاصّ بولص آدم إلى موقع الناقد العراقي الذي أُشرفُ عليه،كان الأمر بالنسبة إليّ يحمل معنى البشارة، فقد كنتُ قد كتبتُ وتحدثتُ كثيراً عن النقص الفادح الذي يعاني منه الأدب العراقي في حقل أدب السجون فكتبتُ هذه الإشارة التقديمية للقصة عند نشرها:بالرغم من أن وطننا صار في مراحل كثيرة من تاريخه سجناً كبيراً،وبالرغم من أن كثيراً من المبدعين العراقيين قد تعرّضوا لتجارب مريرة من السجن والتعذيب،إلا أن ما كُتب عن أدب السجون العراقي كان قليلاً جداً بصورة تثير الكثير من الغرابة والتساؤلات.التفاتة الأديب الأستاذ بولص آدم في هذه السلسلة من القصص القصيرة من أدب السجون العراقي المطبوعة بحرارة التجربة الذاتية،التفاتة مهمة تسدّ نقصاً كبيراً في المكتبة السرديّة العراقية في هذا المجال.”
يُختَتَم هذا الاصدار بكلمة للناقد العراقي مروان ياسين الدليمي جاء فيها:” يضعنا القاص بولص آدم في هذه التجربة القصصية امام شخصيات تبدو كما لو ان رساما تعبيريا قد خطط ملامحها،بمعنى ان القارىء لن يكون بحاجة الى ان يبحث في هذه الملاح عن البعد الاخلاقي او الفكري،بقدر ما سيكون موزعا في قراءته مابين الاحساس بجمالية الاسلوب الرشيق في بنية السرد القصصي وبين حماقة العالم الخارجي الذي يحيط به كانسان – وليس كمتلقي للعمل الفني – لانه قد تواطىء بصمته على استمرار هذه القسوة.ما يُحسب لبولص هنا،ان مخيلته الفنية قد استحضرت تفاصيل صغيرة وهامشية في حياة السجناء،واعاد خلقها من جديد دون رتوش تقليدية مبتذلةٍ عادةً ما ينساق اليها من يتصدى لمثل هذه الشخصيات،ولهذا نجدها قد تركت لدينا انطباعا – سواء على المستوى النفسي او التقني – اختلطت فيه خفة الكوميديا مع قسوة التراجيديا. هذا الاستدعاء السردي الجميل،لعالم انساني موحش يقبع منزويا في المعتقلات،نادرا ما كُنَّا على تواصل معه عبر نصوص سردية تتفاعل مع واقعيته الحافلة بحيوات لم نصادفها في حياتنا اليومية،ربما لانها تنتمي الى قاع المجتمع،وحتى في ما لو صادفناها لن نلتفت اليها،لان بصيرتنا اصابها العمى،فنحن في هذه القصص امام شخصيات ليست سيئة،ولكنها كائنات افتقدت الى من يلمس امنياتها البسيطة ويصغي الى انينها.من الصعب على اي واحد منَّا ان يلتقط الجوهر الانساني لهذه المخلوقات المنفية خارج الحياة،فقط من يملك في داخله فيضا من المحبة لاحدود لها، وبولص آدم لو لم يكن يحمل مثل هذا الحب لما حافظ على توازنه طيلة الفترة التي عاش فيها هذه التجربة القاسية،وهو بهذا الرصد السردي، لكائنات لم نكلِّف انفسنا عناء الاصغاء اليها او الاقتراب من حافات عوالمها الحاشدة بكل مايجمعنا معها كبشر،من امنيات واحزان ومشاعر،يعيدنا الى انفسنا لنتصالح معها. لاشك في ان هناك الكثير ممن يمارسون الكتابة القصصية،إلاَّ ان قلِّة منهم يمتلكون مخيلة نظيفة عندما يعيدون بناء شظايا هذا العالم المتناثر،بكل قساوته ووحشته والامه المدفونة في صدور الرجال.لسبب جوهري اسعدني جدا ان اطلع على هذه المجموعة القصصية،ذلك لان شخوصها وزمكانية احداثها،مستوحات من بيئةٍ مازالت خام -ان صح التعبير- لم يقترب منها السرد العراقي بما يكفي او بما تستحقه من اهتمام، فبقيت مجهولة بقدر كبير لايتناسب مع تركيبتها المعقدة بمستويات اشكالها الانسانية وامتداداتها مع البيئة الاجتماعية في الخارج،اي مع الحياة الطبيعة بعيدا عن السجن،رغم ان المعتقلات كانت ومازالت تمثل زمنا موازيا للزمن الذي يعيشه العراقيون خارج اقبيتها واسوارها،وغالبا مايتداخل هذا الزمن بشكليه ليؤلف لنا تفاصيل مختلفة داخل اطار لوحة واحدة،كما في هذه القصص التي تحرَّك فيها الزمن السردي مابين الداخل والخارج،وبات من الصعب فك الاشتباك بينهما،فكان الجميع سجناء خطوط رسمت لهم حدود حياتهم وعدد نبضات قلوبهم،وماهو مسموح لهم به من احلام او من شهيق وزفير،ومع ذلك بقي هذا الزمن بكل كثافته محبوسا في عتمة السجن وفي زوايا ذاكرة من ذاق قسوة هذه التجربة،ولم يلامسه ضياء السرد وينفض عنه الغبار،رغم ما تخبئه هذه المادة الخام – العراقية بامتياز – من قصص تزخر بمحتواها الانساني،وما تكشف عنه من تنوع باشكال الصراعات القائمة التي يواجهها الانسان،والتي غالبا ما تتداخل فيها سرديات نستجها عقائد وايدلوجيات وتصورات وخيالات وخرافات،الى الحد الذي سيكون متاحا امام القاص اذا ما اقترب من هذا العالم فرصة ان يكتشف ممكنات فنية جديدة،قد تدفعه الى ان يتجاوز بمخياله ماهو مرئي ومحدود،ليدخل في رحلة تتيح له ان يقدم لنا شخصيات واقعية بغاية الغرابة ربما لن نعثرعلى ما يشبهها في الواقع وهنا تكمن المفارقة،وهذا ما اتاحته لنا هذه القصص.
أُتيحت لي في اوقات سابقة أن أقرأ كل مانشره بولص من نصوص قصصية وكتابات سردية عن تجربته في سجن ابي غريب،سواء في كتابه المذهل” ضراوة الحياة اللامتوقعة” او ” اللون يؤدي اليه ” او قصص هذه المجموعة،واستطيع ان اسجل دهشتي واعجابي بما يمتلكه من مخيلة جامحة،وادوات تقنية يتفرد بها في سرد حكاياته،وقدرة لغوية مشبعة بالايحاء،تمنح بنيته القصصية متعة وسلاسة وتشويقا وحبكة تدفع البناء الى ان يكون متماسكاً ومشدوداً،بالشكل الذي لاينفرط اهتمام القارىء ويضعف في متابعة السّرد . مجمل ماكَتَبه القاص بولص آدم عن تجربة السجن،يُعد من وجهة نظري، من انضج ما انتَجه السرد العراقي بهذا الموضوع من الناحية الفنية،حيث توفرت فيه أهم ما ينبغي ان تكون عليه بنية السرد،ومايتوجب ان يتوفر فيها من عناصر مثل الايجاز والابتعاد عن الثرثرة،والاهتمام بالمحتوى الانساني،واقصاء تام لاي تخريجات ايدلوجية مسبّقة في الحكم على الشخصيات والاحداث والفترة التاريخية،هذا اضافة الى ارتقاء المعالجة الفنية من حيث اللغة وزاويا الرؤية للمبنى الحكائي وانصهار جميع العناصر في هيكل تخييلي واحد،اضافة الى وضوح مايودُّ ايصاله في خطابه الفني الى القارىء من افكار،والأهم في هذا انه يرصد من خلال شخصيات هامشية وعادية مشهداً عاما كانت البلاد تختنق بين تفاصيله، وتكتسب عناوينها من دلالات الخنادق والملاجىء وقوافل القتلى الذين كانوا يَصِلون عتباتها يوميا من ساحة الحرب العراقية الايرانية،في مقابل ذلك كان السجناء يختنقون بامنياتهم واوجاعهم في زنزاناتهم،من غير ان يسمع او ينتبه اليهم العالم باسره خارج اسوار السجن .من خلال قصص هذه المجموعة شعرت بالمرارة التي كان عليها بولص وهو يقبعُ سجينا لايام وليالي في دائرة ضيقة،محيطها تفاصيل موحشة،وشخصيات اقصي عنها النور والشمس والهواء .
لطالمت تساءلتُ وانا اقرأ هذه المجموعة القصصية:
كيف تمكَّن من الصمود ! ؟
كيف حافظ على هذه الذاكرة من الخراب !؟
كم تحمَّل من الأسى ازاء هذه الكائنات وهو يعيدها بقالب فني رصد من خلاله لحظات ضعفها وقسوتها وانهيارها وسذاجتها ! ،والحياة لم تنصف الانسان الذي أعاد خلقَهُ،مع ان اي واحد من شخصياته،في الواقع الحياتي،كان بامس الحاجة الى القليل من العدل حتى لاتنطفىء ايامه في عتمة السجن ” .

شاهد أيضاً

“مسدس صغير” مجموعة قصصية جديدة للمبدع “حنون مجيد”

عن دار امل الجديدة بدمشق صدر للروائي حنون مجيد كتاب (مسدس صغير) يقع في 147 …

إصدار جديد للباحث الدكتور عصام كوسى

صدر عن الهيئة العامة للكتاب ــ وزارة الثقافة السورية ــ بدمشق ضمن سلسلة قضايا لغوية …

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني: مؤلفاتي المنشورة ورقيا او الكترونيا او المتعاقد على طبعها ونشرها ورقيا
(الشـــعـرالعــربـــي بـيـن الحــــداثـــة والـمـعــــاصــــرة)

إشارة : أمام هذا النشاط الدؤوب والعطاء الإبداعي الغزير والثر للمبدع الشاعر والناقد والباحث العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *