حوارية الضرير
بقلم د ميسون حنا / الأردن

قال الضرير لصديقه المبصر: أنت تقود خطواتي لأنك لم تفقد نعمة النظر مثلي، وعليك تقع عاقبة زللي، فاعلم إذن آن حملك ثقيل.
قال المبصر: أنا ملازم لك طوعا، ولكنك يا صديقي تذكرني بهذه العبارة كل يوم وهذا مما يبعث الملل في نفسي.
قال الضرير: ألمس في حديثك تراجعا وندما .
قال المبصر: لا، ولكني ألفت انتباهك حتى لا يصيبني هذا.
قال الضرير: بدأت تتذمر إذن. ( تنهد المبصر وكبت غيظه)
قال الضرير: زفيرك سهم يتغلغل أعماقي….
قال المبصر مداريا: الجو رائق اليوم ، والسماء صافية….
قال الضرير: أنت تراها فتقول.
قال المبصر: ولكنك تشعر دفء أشعة الشمس وتتنسم الهواء، أليس كذلك؟
قال الضرير بحقد: أشعر ولا أرى .
قال المبصر: أنت ترى بعين قلبك، أليست هذه كلماتك فيما مضى؟
قال الضرير: كنت أكابر وآكذب كي أسرِّي عن نفسي، وأيضا لأوهمك أنك لست الأقوى.
قال المبصر: وأنا لست كذلك، وكم من عينين مفتوحتين ولا تريان إلِا ظاهر الأمور.
قال الضرير: ولكنك لست ممن يرون الأمور بظاهرها، والدليل أنك تداريني الآن، وتزين لي علتي حتى لا أحقد عليك.
قال المبصر: ولا أظنك حاقدا وأنا رفيقك وصديقك.
قال الضرير بتحد: لماذا تصر على ملازمتي برغم تجريحي لك؟
قال المبصر: سأفترض أن ما بدر منك اليوم كان لاعتلال مزاجك وآنا غافر لك.
قال الضرير: أنت تستفزني بقولك هذا ، لأنك في الحقيقة تطمع في أجرك عند الله والوسيلة أنا.
قال المبصر، وقد ضاق صدره: حيرتني يا هذا، ماذا تريد مني؟
قال الضرير: إعلم إذن أني أكره المتسلقين أمثالك.
قال المبصر: حديثك جارح وكريه. قال هذا ثم توقف عن الكلام وكبت غيظه واستعاذ بالله في سره، بينما قال الضرير في محاولة لاستفزازه : لماذا سكت؟ واصل حديثك.
قال المبصر: وماذا أقول؟ لقد انغلقت الكلمات آمامي.
قال الضرير: أما آنا فالكلام نهر ينساب مني ويتدفق ليصب في خانتك ويحاصرك لتظهر على السطح مكنوناتك التي أحرص بدوري على إظهارها لتعرف نفسك ولا يصيبك الغرور وتتوهم أنك محسن رحيم بلا غاية ولا هدف.
قال المبصر منفعلا: ما انتظرت منك ردا لجميل صنعته لك.
قال الضرير: وها أنت تقودني وتذكرني أنك المتجمل علي.
قال المبصر: ظننتك سعيدا بملازمتي لك ، ولكنك تضيق بي على ما يبدو…
قال الضرير: ما قلته الآن يعكس شعورك فقط لأنك أنت الذي بدأت تضيق بي.
قال المبصر: أنت تصر على تفجير غضبي، وأنا لم أعد حريصا على كبته، فانتبه.
ضحك الضرير بشماتة، وقال: نتائج مبهرة تنبش مساوئك وما تضمره في صدرك من خبث.
قال المبصر: من أين لك القدرة على تزوير الوقائع يا هذا؟
قال الضرير: بل هي قدرة على تعرية الحقائق وفضحها.
قال المبصر: أنت لا تطاق.
صرخ الضرير: تقول هذا ولا تبرح.
قال المبصر: أوف منك، والله لو قلت كلمة أخرى تركتك في عرض الطريق.
ضحك الضرير ضحكة غل وشماتة وفجور.، وقال: هذه نيتك أيها الخبيث، تقودني إلى هنا ثم تتركني وحيدا لأكتشف أن لا غنى لي عنك، فأتشبث بك، لتعرف إذن أن لي من الأصدقاء غيرك الكثيرين، لذا سأستبدلك بمن يخلص لي ولا يضمر السوء في قلبه مثلك، إذهب، إذهب ولا تسمعني صوتك الكريه بعد الآن.
قال المبصر: نعم، سأذهب، ولكن تذكر أنك أنت الذي دفعتني لهجرك.
ذهب المبصر، وترك الضرير يضحك بهستيرية. ثم بعد قليل خبت ضحكاته وجلس على قارعة الطريق حزينا إلى أن وافاه آحدهم وأمسك بذراعه، فقال الضرير له: إسمع أيها المحسن، أنت تبرعت لتقود خطواتي لأنك لم تفقد نعمة النظر مثلي، وعليك تقع عاقبة زللي، فاعلم أن حملك ثقيل.
ابتسم المحسن الذي كان هو نفس الصديق المبصر، وصمت لئلا يعرفه الضرير من صوته، وقاده. وسارا معا حتى اختفيا عن أنظارنا.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *