ناطق خلوصي: روايات مترجمة (1)العرس الوحشي (من الأدب الفرنسي)
يان كيفيلك
ترجمة: ميسون ضياء أبو الحب

كتبت ميسون ضياء أبو الحب في مقدمة ترجمتها لرواية ” العرس الوحشي ” للروائي الفرنسي ” يان كفيليك “: ” يتميز كفيليك باهتمامه بالمرضى النفسانيين والمجانين والمدمنين على الكحول والمخدرات وبالأطفال وبالعجزة والمعوقين …. فهو يبدع في وصفهم ،والأهم من ذلك انه يبدع في ابراز اختلافهم ، والاختلاف هنا ، هي الكلمة السر ، إذ ترى العالم يسيرفي اتجاه بينما يسير بطل روايته أو ابطال رواياته في اتجاه معاكس ” .وكانت هذه الرواية قد صدرت بالفرنسية عام 1985ونالت عند صدورها ، وباستحقاق ، جائزة غونكور، وهي أكبر جائزة للسرد في فرنسا . صدرت الرواية بترجمتها العربية عن دار المأمون عام 1990 وتحتسب للمترجمة كفاءتها وجرأنها في ترجمة رواية مثل هذه قائمة على التحليل النفسي . فهي كبيرة في أحداثها وشخصياتها وبنائها السردي وجاءت في 382صفحة من القطع المتوسط توزعت على تسعة عشر فصلاً ضمتها ثلاثة أجزاء قي كتاب واحد .
تستمد الرواية عنوانها من الحدث المأساوي الذي تعرضت له ” نيكول ” وهي ابنة صاحب مخبز وابنة خمسة عشر عاماً كانت قد خضعت لعملية اغتصاب من الأمريكي ” ويل ” العسكري الذي كان يذهب إلى مخبز أبيها للتزود بالخبز لمجموعة المعسكر الذي ينتمي إليه، فاغراها بزعم الرغبة في الزواج منها وقادها ، قبل يومين من عودته إلى بلاده ،إلى غرفته في المعسكر ” كان ويل هناك في سيارة الجيب ينظر إليها بخبث وهي تقترب … ولاحظت زجاجة بين ركبتيه ….. وعندما وصلا ، كانت الأرض الملتهبة ترتعش تحت وقع قطرات مطر تاهت عن عاصفة بعيدة . رفع حارس البوابة الحاجز وهو يضحك ” ( ص 21 ) .وأقام ويل على جسدها الغض وليمة بشعة دعا إليها أثنين من زملائه . كانت ثمرتها الفجة صبياً ثمة اعتقاد بأنه يعاني من خلل في الدماغ وسُمي” لودوفيك ” ويختصر إلى ” لودو ” الذي سيكون بطل الرواية دون منازع ويواصل حضوره في مجرى الأحداث على امتداد زمن الرواية التي اتسعت لتغطي سيرة حياته منذ ساعة ولادته إلى ساعة موته وقد مرت بأربعة مراحل في أربعة أمكنة .
غطت المرحلة الأولي السنوات التي امتدت من ساعة ولادته إلى سنوات طفولته الأولى كان يُنظر إليه فيها على أنه مبعث خزي وعار لعائلته وكانت جدته لأمه تتبنى هذا الموقف لذلك ظل محجوزاً في مخزن الغلال لبضع سنوات قبل أن ترتضي أمه بالسماح له بدخول البيت ليقوم بخدمتها . لكنها كانت تكره النظر في عينيه الخضراوين لأنهما تذكرانها بعيني ويل الذي اغتصبها . كان لودو هذا يحاول المستحيل لجذب انتباه أمه إليه : يغالي في خدمتها او يجذب انتباهها بسرقات صغيرة منها بفعل احساسه بالحرمان من عطفها وكانت هي في المقابل تعاني من الحرمان من الإحساس بالأمومة حيث لم يشعرها بأنها أمه في يوم من الأيام فأثار ذلك نقطة الضعف فيها وصارت تكرهه هي الأخرى ولا تطيق وجوده معها وتتمنى التخلص منه بأي شكل من الأشكال .
وجاءت المرحلة الثانية حين وجدت نيكول نفسها مضطرة للزواج من ” ميشو” وهو رجل متقدم في السن له ابن يدعى تاتاف من زوجته التي كانت قد غرقت في البحر . وربما كان يعتقد بأن نيكول ستكون أماً ثانية لإبنه وربما ظنت هي أنه سيكون أياً لإبنها لكن لا تاتاف وجد في نيكول أماً له ولا وجد لودو في ميشو أباً له على الرغم من أن هذا كان يولي عناية خاصة به أحياناً على العكس من ابنه الذي كان يعمل على استفزازه لأنه كان يراه منافساً في إبوة أبيه له . وضاقت نيكول ذرعاً بإبنها مرة أخرى واستجابت لاقتراح ميشو لإيوائه في مركز لرعاية الأطفال من الذكور والإناث، وحتى الكبار في السن من الذين يعانون من خلل عقلي والذين يدرجون في قائمة الأطفال ممن يعانون من مثل هذا الخلل .
وتمثلت المرحلة الثالثة لحياة لودو في مركز الايواء الذي تشرف عليه ممرضة تدعى الآنسة راكوف قريبة لميشو كانت عشيقة للكولونيل الذي كان قد أسس مركز الايواء في مبنى عائد له قبل رحيله . وتعد هذه المرحلة من أخطر المراحل التي مر بها . فقد نما جسدياً ودخل مرحلة المراهقة التي تركت بصمتها على سلوكه فصار عدوانياً وكان يستفز المسؤولة عن المركز وارتبط بعلاقة مع الفتاة ليز التي كان يلتقي بها في القبو المظلم . وزاد من معاناته أنه لم يكن يستقبل زواراً من أهله مثل الأطفال الآخرين لاسيما أمه التي كانت قد رفضت زيارته فزاد ذلك من شعوره بالنقص مثلما زاد من حجم عدوانيته وقد قاده ذلك إلى إحداث حريق في المركز وهربه منه بعد أن كانت المسؤولة عن المركز قد هددته بإرساله إلى مستشفى المجانين .
أما المرحلة الرايعة فقد عاش خلالها حياة التشرد هرباً من احتمال ارساله إلى مستشفى المجانين ، ووجد له مأوىً في بقايا سفينة على ساحل البحر ، لكنه ظل متشبثاً بذكرى أمه وكان قد واصل ارسال الرسائل إليها عندما كان في مركز الإيواء وكان يتسقط أخبارها من خلال ميشو الذي كان يزوره بين حين وآخر وعرف بأنها على وشك الطلاق منه والزواج من رجل آخر ، ليفاجأ بها وقد جاءت إلى حيث مأواه الجديد وظن أنها جاءت لتعيده إلى البيت ( وهو حلمه الكبير ) لكنه اكتشف بأنها انما جاءت لتقنعه للعودة إلى مركز الإبواء فبلغت أزمته النفسية ذروتها وقام بخنقها وأغرقها في البحر وأغرق نفسه معها في شكل من أشكال التطهير : ” عادت التعاسة إلى نفسه من جديد وراح يشعر بألم في قلبه وفي جميع أنحاء جسمه وأخذ يتنفس بصعوبة أكبر ويرتجف هلعاً وهو ينظرإلى الأمواج التي تلون الظلام أمامه باللون الأبيض . قال ” انني خائف”وطوق بذراعيه الاثنتين أمه ثم ترك نفسه يغوص في عمق التيار الذي يقود مباشرة إلى حيث الموجة العاتية ” ( ص 382 )، ظناً منه أنه سيكون قريباً منها الآن وإلى الأبد. يوحي الروائي أن بطل روايته يعاني من خلل عقلي هو حصيلة جريمة الاغتصاب البشعة ليمعن في إدانة هذه الجريمة . لكن في الإمكان القول أن ما كان يعاني منه الفتى فعلاً يتمثل في كونه ضحية اضطهاد أسري تتحمل أمه وجدته لإمه المسؤولية عنه . فقد كان على وعي بما يفعل وواصل كتابة الرسائل لأمه بانتظام وكان يجتازمرحلة مراهقة عنيفة تركت بصمتها على سلوكه كما كان يرفض العودة إلى مركز الإيواء يسبب خشيته من ادخاله إلى مستشفى المجانين وفي كل هذا، على ما نزعم ، ما يضعف احتمال كونه مصاباً بخلل في عقله , .
.

شاهد أيضاً

نــجــيب طــلال: مهرجان مَــسرح الهــواة : تأجيل أم إلــغاء ؟؟

الــــــــــــواو: إنه فاتحة ((وباء)) أو بالتأكيد تلك جائحة كورونية ؛ لاتهم التسمية ؛ مادام المرء …

شوقي كريم حسن: نزار الفدعم…. سردية اللقطة السينمائية.

*السينما، كما اعرفها ، مثول جمالي بين يدي الخرافة، ومحاولة توثيق سريات الوجود السردية، التي …

دور أدباء المنفى في صناعة مسوغات مجتمعاتهم الأصلية
رواية (رياح القدر) لمولود بن زادي أنموذجاً
أبو يونس معروفي عمر الطيب

لا يمكن تصنيف المثقفين بصفة عامة بما في ذلك المنفيين كطبقة واحدة أو وفقا لأسباب …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    احسنت التلخيص، انا الآن بفضلك أرضى به، لأني لم أقرأ الرواية. شكرا لك مضاعفاً. استاذي الكريم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *