صباح هرمز: مسرحيات جليل القيسي: الانتظار +الحلم +اليأس =الموت او الضياع
مسرحيتا زفير الصحراء وشفاه حزينة(ملف/28)

إشارة :
رحل المبدع الكبير “جليل القيسي” الرائد المجدّد والمحدث في فن القصة القصيرة وفن المسرح في العراق وهو في ذروة عطائه ونضج أدواته الفنية . ومع رحيله – وللأسف وكالعادة – أُسدل الستار على هذه التجربة الفنية التحديثية الهائلة. هذا الملف الذي تقدّمه أسرة موقع الناقد العراقي هو دعوة لإعادة دراسة تجربة الراحل الكبير الفذّة بصورة أكثر عمقاً وشمولاً. ندعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء الملف بالدراسات والمقالات والوثائق والصور.
أسرة موقع الناقد العراقي

زفير الصحراء

خرجت بعثة علمية مصرية للبحث عن النفط في احدى المناطق الصحراوية.. وأثر زوبعة رملية قوية، ضل الطيار طريقه، وأضطر أن يهبط بعد أن نفذ وقود الطائرة في مكان ما من الصحراء.. وعبثاً حاولت فرقة الانقاذ معرفة مكان البعثة التي مات طاقمها بعد أيام صعبة من المعاناة والعذاب والعطش والجوع.
قرأ المؤلف هذا الخبر في مجلة الف باء، ومنها استلهم مسرحيته هذه الموسومة (زفير الصحراء) المنشورة في مجلة الاقلام عام 1977، والممثلة من قبل فرقة المسرح الفني الحديث على مسرح بغداد عام 1978، وتتكون من ثلاث شخصيات هي:
1- عماد الأمباني: مهندس جيولوجي في الخامسة والثلاثين، يصفه المؤلف، انه شاب وسيم وهادئ، ويعاني بصمت.
2- محمد السعدني: طيار شاب في الثلاثين، يصفه هو الآخر، في كونه شابا وسيما وحيويا وجاداً ونشطا.
3- سعيد مجدي: شاب صحفي.
بحكم وقوع الحدث في الصحراء، ينزع المؤلف الى توظيف المفردات الموجودة في الصحراء، كالزوبعة الرملية، وغير الموجودة، وما هو بحاجة اليها شخصيات المسرحية، كالماء، والطائرة، والحلم، وقد جاء توظيف الماء وما يمثله في المعنى كالعطش، بحدود خمس وعشرين مرة، والزوبعة الرملية تسع مرات، والطائرة إحدى عشرة مرة، والحلم تسع مرات، مقرونة كل مفردة بمصادرها كالماء في البركة، والطائرة بهديرها، والزوبعة بصوتها، والحلم بالزوجة والمدينة والاطفال والماء والطعام والطائرة …
وتوظف هذه المفردات احيانا مع مصادرها فرادى، وأحيانا اخرى تتداخل مع بعضها الاخر، الا ان مفردة الحلم، تكاد أن تصبح العامل المشترك بينهما، وهي تقريبا موجودة وحاضرة في المفرات الثلاث، والمسرحية ضمن هذا الاطار، ما هي الا مجموعة أحلام وكوابيس وسط صحراء، لا منفذ للخروج منها الا عن طريق الطائرة التي تبحث عن طاقم البعثة الذي ينتظرها، ولا تأتي، شأنه شأن (جان) ابن روبرت وهيلينا في (الابناء الذين لن يعودوا) وشأن حافلة المصلحة في (غداً يجب ان ارحل).
ولعل قساوة جوع، الشخصيات الثلاث، جعل أحلامها أن لا تتوقف عند هذا الحد، وانما تمتد الى التفكير بـ (ماجلان) الذي تاه في يوم ما مثلها، وعندما جاع بحارته أكلوا جلود السفينة، بعد أن أتوا على جميع فئران السفينة، ومن ثم لتتوسع اكثر بعد شعورها بالعطش، لتصل الى السحالي، لأن وجودها قد يعني انهم على مقربة من قرية ، أو واحة، أو بادية.
ويدفع المؤلف هذه المفردات عن طريق شخصيتيه عماد وسعيد من الحوارات الاولى للمسرحية الى سطح الحدث على هذا النحو: الماء اولا، والرياح ثانيا والحلم ثالثا، والطائرة رابعا، وبنصيب ثلاثة احلام لـ عماد، وخمسة لـ سعيد، وحلما واحدا لـ محمد.
جاء الحلم الاول لعماد، بفعل قوة الرياح المسمومة التي تزيد حاجته لقطرات من الماء، وتجعله يحلم بها، وفي هذا الحلم يرى بركة فيها ماء نظيف، فيهرول نحوها، ولكنه ما ان يصل اليها، حتى يجد أسداً يعب منها: تسمرت في مكاني.. آه عندما كان الاسد يرفع رأسه كان خيط من الماء النظيف يتساقط من زاوية فمه.
وحلمه الثاني يأتي نتيجة الزوبعة ايضا، الا انه في هذه المرة يرى عشرات البدو والجمال والنساء، ثم واحة ساحرة: البدو يؤشرون لي ان أقترب منهم.. وهرول البعض منهم صوبي وحملوني الى الابار .. كنت رغم الامي، اردد خلاص ياسعيد، خلاص يا محمد أنقذنا أخيرا.. سنرجع الى البيت.
وبفعل العطش ايضا، يصرخ في الحلم الثالث بممرضة لأنها منعته من شرب الماء، وتحط طائرة في الصحراء، ثم تأخذهم وتقلع، وتسقط بعد قليل في مكان ما، ويجرون له عملية في الفخذ، واخرى في البطن: آه والغريب ياسعيد زوجتي كانت تتحول الى ممرضة وتؤشر لي بأصبعها وتقول لالا ماء.. مستحيل بعد العملية ماء… يارب، وأنا اصرخ (صمت) ماذا كنت تعمل؟
وبحكم عمل سعيد الصحافي الاقرب الى الادب والفن والثقافة عامة، فأن أحلامه تختلف عن احلام عماد، في كونها اكثر شاعرية من احلامه، اذ لمجرد سماعه صوت الطائرة، ينقلب الى هبوطها، وبالتالي الى تبادل العناق والقبلات مع أفراد طاقمها، وعندمايصل الى قناعة بأن هذا الحلم ما كان الا أكذوبة من أكاذيب الصحراء، يردد هذه الابيات من الشعر للشاعر الانكليزي ماكديارميد:
المرأة العاشقة ضوء
انها تشع على كل عظمة من عظامه
تتلوى كالأفعى وتتعرج كحبل الوريد
وتتوهج بسرعة ثم تختفي..
وفي سعي من المؤلف لتعزيزوتقوية معنويات عماد المنهارة، وهو يتحدث عن عدم السيطرة على الموت، يعمد ان يضعه سعيدا، في حلم جميل، لأعرابي ملثم، يدخل مع جمله، وينزل الاعرابي خرجا فيه حليب وعسل وخبز، ثم ينطلقون على ظهر الجمل الى قرى يسمعون فيها الى خوار الابقار ونباح الكلاب.
وفي الحلم الثالث يرى الاف الناس في الحدائق يشربون ويتغازلون ويجد نفسه في البيت يستنسخ مقالاته اليومية ويلعب مع سوسن وزوجته تتلصص بين حين وآخر لتتأكد فيما اذا انتهى من الكتابة، وهو يشم رائحة الاكل، ويرى زوجته في منامتها البيضاء، وكأنها فراشة كبيرة. وفي الحلم الرابع يكلم ابنته سوسن، ويتجول في حي الحسين، ويتمشى في الدقي، وفي الحلم الخامس، كالحلم الاول، يسمع صوت هدير الطائرة، ويحلف على انه كذلك، ويحتضن عماد، ويدور حول نفسه، ويلوح بيده، ومثل الاهبل يصيح: من كل الجهات.. من كل الجهات.. نعم اسمع بوضوح.. نعم نحن البعثة العلمية التي جاءت لتنقب عن النفط.. نعم أنا الصحفي سعيد مجدي (يسمع صوت سقوط ماء) الله لماذا ستسكبون الماء.. أقتصدوا بالماء.. نحن نأتي حالا.. حالا.. (الى عماد) يا صبر أيوب .. انهض بسرعة..
اما حلم محمد الأقرب الى الهلوسة فيأتي نتيجة تحطيمه جسديا، بعد رجوعه من بحثه الدؤوب في الصحراء عن الاتجاهات، وتخيله لسماع عواء الذئاب وصهيل الاحصنة، وثغاء الخرفان، وخوار الابقار،وطلبه من سعيد ان يسمعه كلمات حلوة، فيرى في حلمه آبارا كثيرة، واعرابيا وسيما يشبه عمر الشريف، واعرابية جميلة، وأطفالا كانوا يلوحون له بأيديهم يركضون والهواء ينفخ دشداشتهم: وأنا أتلوى من العطش، نمت يا يا سعيد، الاطفال اقتربوا وقطروا ماء في فمي، والاعرابية غسلت وجهي.
وعندما تصل الشخصيات الثلاث الى قناعة تامة، بأن لامفر لها في النجاة من قبضة الصحراء، تتحول احلامها الى هلوسة وجنون، ثم يموت الواحد تلو الآخر، متحدية الصحراء والموت، ومقترنة تحديها هذا بالوظائف التي تمارسها، فمحمد يموت كعسكري بطل، وعماد معتزا بشهادة الدكتوراه في اختصاصه، وسعيد في كونه صاحب قلم.
محمد: بوسعي ان أدير المعركة من جديد (يسقط ويعود فينهض) على قدميك حتى اللحظات الاخيرة.. مت كعسكري بطل… أتحدى هذه الصحراء الكلبة.
عماد: أنا عندي دكتوراه في اختصاصي وأعرف كيف اسمي الاشياء..
سعيد: ما فائدة الانسان الذي ليس لديه ما يخسر.. أنا قلم..
ان اليأس يلف أعطاف المسرحية، ويعتمل دواخل الشخصيات، ذلك ان المؤلف من البداية وضعها في مواجهة الموت المحقق، على الرغم من إدعاء عماد بأن والده قدعلمه الثقة بنفسه، وترك محمد زميليه وراح يبحث ويستعمل كل ما لدى الطيار الجيد من حس ومعرفة بالاتجاهات، وسعيد الصحافي يلقي القصائد على عماد ليرفع من معنوياته، ولعل إطلاق سعيد لعبارة: هل سنموت هنا؟ هي تمهيد وتوكيد لما يعنيه، والبداية الحقيقية لموتهم، هذا الموت يأخذ طابع الموت البطيء، ويمر بمحطات عديدة اذ تدنو أوانه كلما تقدمنا بصفحة في المسرحية، وهنا تكمن متعتها وتماسك بناء نسيجها الفني، في تكوين عناصرها، وبالتالي تجسيد الفعل الدرامي لها، هذا الفعل الغائب من معظم مسرحاته والحاضر في هذه المسرحية حصرا…

شفاه حزينة

لان مسرحيات جليل القيسي، تتسم بالواقعية وتطرح هموم ومعاناة المواطن العراقي وعلاقته بالمجتمع، فأنها قد تترك إنطباعا لدى المتلقي بجنوحها نحو الفوتوغرافية في تصوير هذا الواقع ان لم يذهب به الظن اكثر في أنها تعاني من التفكك وعدم التلاحم بين وحداتها الثلاث.
لا أخفي القاريء سراً، اذا قلت ان هذا المتلقي ما كان الا أنا، اذ تركت مسرحية (شفاه حزينة) هذا الانطباع، بعد انتهائي من قراءتها الاولى، ولكن في القراءة الثانية، اكتشفت انها بالعكس ليست مسرحية سهلة، لا بل يلفها قدراً من الغموض، شأن مسرحية (غداً يجب ان ارحل) لتعامل المؤلف معها بلغة الرموز، سيما في وحداتها الثلاث، تحديدا في المقدمة: (الزوج يحتسي العرق) والوسط في الحوار الدائر بين الزوج والزوجة حول ضياع (طفل جيرانهما)، وعمليات (التزوير) التي اكتشفها الزوج في دائرته دائرة التقاعد، والنهاية (بأقتحام الشاب خلوة الزوجين)، اذ لم أجد الخيط المشترك بين هذه الوحدات، وتبين لي فيما بعد وجو علاقة وشيجة بينها وبين عدم إنجابهما.
لقد راقتني هذه المسرحية، وأحببتها كثيرا، لسبب قد لا يتوقعه القارئ، وهو أن شخصية المؤلف واضحة فيها بكل تفاصيلها… بطبيعتها وهدوئها وكلامها المعسول وأسلوب مغازلتها وطريقة رشفتها للعرق بعذوبة، ومضغها للطعام بهدوء، وحتى ارسالها للقبل، واذا كان هذا هو السبب الاول في اعجابي بها وحبي لها، فأن السبب الثاني يكمن في الطقس الاسري الجميل الذي استطاع ان يرسمه، بالجمع بين الزوج والزوجة في جو إحتفالي مترع بقناني العرق والكؤوس ومواعين الزلاطة.
ان هذه المسرحية كثيرة الشبه بمسرحيته الاخرى الموسومة (فراشات ملونة)، وان كان كل منهما يعالج مسألة تختلف عن الاخرى.

صورة نادرة من الأخ الاستاذ جلال رفعت يظهر فيها المبدع الراحل جليل القيسي في مدينة شيكاغو الأمريكية في عام 1959 مع الفنان الراحل جعفر السعدي وصديقهما أنور قادر.

اذ شخصيتيه في كلا المسرحيتين في حالة انتظار، ففي (فراشات ملونة) ينتظر الزوج والزوجة قدوم أبنتهما من البصرة، وفي هذه المسرحية، رغم بلوغهما الاربعين، يحلمان بأنجاب طفل. كما ان اشتراك كلا الزوجين في صفة واحدة، وهي اقبالهما على الكحول، تجعلني هذه الصفة ان أجد في الحوار الدائر بين الزوجين في هذه المسرحية حول طعم العرق الشبيه بحامض الكبريتيك أكثر انسجاما مع مسرحية (فراشات ملونة) ذلك ان الزوج يموت فها نتيجة سهو في تناوله مادة سامة بدلا من العرق الذي لم يأت نتيجة تصعيد الفعل داخل بنية النص، وانما جاء من خارجه، وبشكل مفاجيء وغير متوقع وميلودرامي.
ومع هذا فأن ورود هذه الجملة في المسرحية لها ما يبررها، لارتباطها بالحالة النفسية التي يمر بها هو وزوجته، بعدم إنجابهما للاطفال، وبالحالة النفسية التي تعم خارج البيت، أي في الشارع، حيث السكارى يغنون ويبكون ويتأوهون….
اي ان حامض الكبريتيك الحارق الذي يعبه العراقيون لايعبونه، بسبب طعمه اللذيذ،وانما لطرح همومهم ونسيان معاناتهم، ولو بشكل مؤقت، ما يعني ان عدم الانجاب ليس المشكلة الحقيقة، وانما هو رمز وواجهة لمسألة اخرى أكبر وأوسع ووأشمل، وهذه المسألة لا تهم فردا واحدا او اسرة واحدة، وانما افراد المجتمع برمته، بدليل ان الزوج ليس هو الشخص الوحيد الذي يعب هذه المادة الحارقة، وانما هناك من يمارسون هذه العادة مثله وفي الشارع.
الزوج: (بفرح) أتعرفين بماذا اشبه العرق؟
الزوجة: لونه؟ ام ذاقه؟
الزوج: (يأخذ رشفة ويتلمظ) مذاقه طبعا.. بحامض الكبريتيك الزوجة: .. (بتقزز) الزوجة : اتعجب كيف تضع هذه النار في جوفك..؟
الزوج: (يأخذ رشفة اخرى) أريد أن أصحى… (وقفة، يمرسكير وهو يدندن بأغنية بغدادية حزينة..)
الزوجة: (بمزح) هو الاخر يصحو.. (تتنهد) بعد الساعة، او ربما اكثر ينشرون مثل الزنابير في الشوارع، يغنون ويبكون ويتأوهون .. (وقفة) أسالك.. كيف تفسر بكاء ذلك السكير ليلة البارحة على الرصيف وهو يتقيء ويصرخ بين حين وآخر، أنه م يشرب كثيراً، أنه متألم فقط، لأن صديقه اسمعه كلمات جارحة.
الزوج: رغم كل شيء كان سعيدا..
الزوجة: (بتعجب).. سعيداً؟ يالتلك السعادة البائسة…
ان العرق وعدم الانجاب هنا يغدوان صفة ملازمة لبعضهما ورمزا للعذاب والهدم والدمار والقتل، وعدم تطور المجتمع، ومراوحته في مكانه، بكافة مرافقه الحياتية، ابتداءً من وسائل النقل، ومروراً بترية ابناء هذا الجيل، وانتهاءً بالفسد الاداري للدولة.
وها هي زوجته تجد نفسها مرهقة من الانتظار لحافلة المصلحة يوميا لثلاثة ارباع الساعة، الى ان تصل الى عملها، وهذا الانتظار اللعين يتعبها أكثر من عملها، فالحافلة هنا، رمز لتأخر العراق وعدم تطوره، كما ان الشاب الصعلوك الذي يزعج الزوج يوميا برفع صوت جهاز تسجيل الموسيقى، هو رمز للجيل الفاسد الذي نشأ في عهد الحكم البائد، وقول زوجته، ان نادية، اي ام الشاب (لا تملك سواه، لذا لا تضغط عليه) اشارة واضحة على فلتان هذا الجيل، الا ان الزوجة تبدي عطفها نحوه، هي تصف شعره بالأشقر، وتشبه وجهه بالقطة، وهذا العطف والوصف هما رمزان لحلم ولادة، وبناء جيل جديد بهذه المواصفات، والرجال الثلاثة الذين زور أولهم دفتر تقاعد وظل يستلم راتبا محترما لسنوات، وثانيهم الذي زوَّرَ توقيع المدير العام، والشخص الثالث المحامي الذي كسب قضية الرجل الاعرج ولم يعط له حقه، ما هي الا نماذج للفساد الاداري المستشري في ادارة الدولة.وبينما الزوجان، ينتقلان في أحدايثهما من موضوع الى آخر، فجأة يتناهى الى أسماعهما اصواتا مختلفة ووقع أحذية سريعة، فأذا بها جارتهما، وهي تبكي، لانها لاتعرف اين ذهب طفلها، وهي إشارة الى مقولة ماركس الشهيرة: (غزارة في الانتاج وسوء في التوزيع) بتعليق الزوجة، ان لجارتهم خمسة اطفال.. كل شهر يضيع أحدهم، وإضافة الزوج قائلا بحزن: ونحن نحلم بطفل واحد.. فقط.. ويغني بصوت جميل وشجي:
دللو لول لول
ياولد يا بني دلول
لول لول ياقمر
ها، تعيش وتكبر.
والحوارات التي جاءت بعد هذه الاغنية، وإن بدت في ظاهرها حديثا اعتياديا وعن حبهما عندما كانا شبابا قبل الزواج، الا انها في باطنها ما هي الا استذكارا لنضالهما السري ورموزا له.
فقولها: لماذا لم تع تغني كما كنت… صوتك ما زال جميلا) اشارة الى تشجيعه على العمل النضالي، وما زال قادرا عليه. وجملة: (أتعرف عندما تغني اتذكر ايام حبنا) ايماءة الى الاعتزاز بنضالهما.
و: (ويالذاك الشبه اللامعقول.. ويا لخوفي)…
ايحاء الى رجال الامن.
وقول الزوج: (انتظار، قلق، مطاردات، ارشادات، رسائل، هدايا..) رمزا لأدوات النضال..
ولعل تعزيز الزوج والزوجة هذه الحوارات بجملتين تمنحان نفس معنى هذه الدلالات، كأطلاق الزوجة جملة (التعاسة تفتح المخ أحيانا) والزوج : (التعاسة تمنح القوة)، دليل واضح على ان المسرحية تنحو منحى رمزيا باتجاه ادانة الحكم البائد، والرغبة في ممارسة العمل النضالي من اجل تغييره، ويتضح مفهوم المسرحية بشكل اوسع وأشمل، تعزيزها بشخصية الشاب المتهم بالجنون، والرامز على تمرد الشباب المثقف على العهد البائد، مخفيا إياه النظام وراء قناع المجنون الهارب من المستشفى، بينما هو سياسي فار من السجن.
الشاب: هل تريد أن تعرف اين والدي؟
الزوج: غير مهم.. يهمني فقط أن تكلم في الشئ الذي ترتاح أنت له…
الشاب: يروح في تأمل طويل) أنا أريد أن اعرف اين هو.. اين هو ..
الزوج والزوجة: (معا) ماذا ؟ لاتعرف اين هو؟
مايعني، أنه يجهل مصيره، ولعل توقفه عند الخارطة والقاء نظره طويلة اليها، وهو يقول: اتعرف ماذا يعني التصميم الصارم؟
إذ بالرغم من ان هذه الجملة توحي التخطيط لتربية الاطفال والشباب، الا ان عدم انجذاب الكلمتين للاخر، (التربية والصرامة) ما يؤكد بأن الشاب يريد ان يقول، بأن النظام قتل والده عبر التعذيب الصارم، وليس التخطيط الصارم..
كما ان قول الشاب: اين مرة اخرى الى تلك الغرفة.. الى تلك المقصلة. والزوج: اقسم انه لم يكن مجنونا. والزوجة: شيء غريب. كلها ايماءات تشير الى نفس المعنى.
بأختصار.. ان مسرحية (شفاه حزينة)، لانفتاحها على النص، يمكن قراءتها وتأويلها في كلا النفسين، التربوي والسياسي، الا انني اميل الى انها مكتوبة بالنفس الثاني وبالرموز والدلالات الموحية، وليس بشكل مباشر…

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *