مهدي شاكر العبيدي: مع الدكتور عبد الحسين شعبان في كتابه ( الجواهري / جدل الشعر والحياة )

قال العماد الكاتب : ( لا يكتبُ إنسانٌ كتابا ً في يومه إلا قال في غدهِ : لو غيره لكانَ أحسن ، ولو زيدَ كذا لكانَ يُستحسَن ، ولو قدِّم هذا لكانَ أفضل ، ولو ترك هذا لكانَ أجمل ، وهذا من أعظم العِبر ، وهو دليل على استيلاء النقص على البشر ) .

       وافتني نسخة من الطبعة الثالثة لكتاب ( الجواهري / جدل الشعر والحياة ) ، أصدرته دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد في العام 2010م ، لمؤلفه الدكتور عبد الحسين شعبان ، بعد أنْ سبقته طبعتان عن دار الكنوز ودار الآداب ببيروت ، في ما غبر من السنوات ، بعدما رحل الرجل المخصوص بالحديث المستفيض عن أهميته وخطورة شأنه وجهاده الموصول دون قيمه وابتغائه الحياة الكريمة وعيش الكفاف في الأقلِّ بلا تشكٍ من العوز والحرمان والفاقة لجمهور هذا البلد الزاخر بالخيرات والموارد ، وتحمَّل ما تحمَّل في سبيل ذلك من الإعنات والاضطهاد والتعسُّف وضيق صدور المسؤولينَ المتعاقبينَ في مختلف الأدوار والفترات ، وليسَتْ هذه الرغاب والأوطار التي تصطرع في ضميره وتختلج بوجدانه من قبيل المبادئ والعقائد المجانفة لما تلزم به الروحانيَّات من ملازمةٍ للزهد في طيِّبات الحياة ، فتكون بهذا المعيار ووفقا ً لهذه الشرعة أحكم صلة بالمادة وأحضَّ للإنسان أنْ يُسرف في شهواته ويجني من متعه ما يجني ، على نحو ما سمعنا وصُدِمنا به من الأضاليل والمُدَّعيات التي يهرف بها تجار الأديان والمذاهب والمرتبطونَ بالمتنفذينَ وأصحاب المقامات وذوي المراكز المزهوِّينَ باحتيازهم ثقة السواد وتأييد العامة لفرط ما يتفشـَّى في وسطها من الغفلة والجهل وعدم الوعي الصحيح بالحقائق ، طوال ما تعرَّضنا له من الأدوار والفترات كذلك .

 

الجواهري الكبير بين الدكتور شعبان وزوجته

فأنْ تصدر الطبعة الثالثة من سفر الدكتور عبد الحسين شعبان المكرَّس للإفاضة والتفصيل في صِدام الجواهري بالحاكمينَ والتقاليد والمواضعات الاجتماعية والحياتية ، وقراعه للمستعمرينَ والأجراء على اختلاف مسمَّياتهم ، ومن ثمَّ توقه للنظر في مصائر الأحرار والمستعبدينَ في الدنيا العربية ، ومن بعد استعراض ما انجرَّ له وارتكس فيه ــ في غير طور من حياته ــ من الافتتان والانسحار بعشق الغانيات ، وذلك من بدائه الأشياء وطبيعتها بالنسبة له هو الخارج من بيئة متزمِّتة ووسط محافظ ومعزول عمَّا يجري حوله في الدنى من متغيِّرات ، أو يصعق به من دواع ٍ ومقتضيات للتحوُّل والتجديد والانتقال في كلِّ شأن من الشؤون ، هو الإنسان ذو الطاقة المحدودة والقابلية النزرة على المغالبة وكبت الغرائز ؛ قلتُ : إذ تصدر هذه الطبعة ببغداد وبتبن ٍ من لدن جهة رسمية متمثلة بالاستجابة لرغبة موظفٍ مسؤول في مِلاك وزارة الثقافة ، فإنـِّي أرى في ذلك خبرا ً غير عادي ويستحق غير وقفةٍ منـَّا ، ذلك أنَّ المؤلف أبقى على سائر آرائه ومنطلقاته واستنتاجاته وتخريجاته مع إضافة زياداته ومحصَّلاته المعرفية التي تواتتْ له مؤخـَّرا ً بعد الطبعتين ِ السابقتين ِ ، ومنها ما قد يتعارض هو ومشارب مَن رُقِي إلى المسؤولية واعتلى المعالي بعد هذا النمط من التغيير في طبيعة الحُكم الذي لا مناص لنا من مماشاته والجري بوحيه وتكييف أحوالنا له ، ومن ثمَّ تصديقنا أنـَّه ما جاء إلا لمنفعتنا وبغية صلاح وضعنا وانتفاء كلّ معرَّةٍ وفساد منه ، بعدما ضِقنا ذرعا ً بجرائر حكامنا الملوي بهم والمُدال منهم ، وتواصَلتْ شكوانا إلى عِنان السماء من جسامة ما حلَّ بنا من الإرهاق والخسفِ ، غير أنَّ مَن يعتلي المنصب ، وقد لمس عن كثبٍ ما نزل بالأكثريَّاتِ من السغب والشقاء والذلِّ ، فتعاطف معها وبكى لأوجاعها ، سرعان ما يتناسى هذا الواقع الأليم ويغترُّ بالمكانة التي أوفى عليها بمساندة أولاء النفر المسحوقينَ ومؤازرتهم ، فتساور نفسه الريَبُ والشكوك بتوالي الأيَّام ومرورها بسرائرهم ودخائلهم ، فلا غرابة من نفرته وضِيقه بالرأي الآخر ، وصحَّ ما جاء في المثل القائل : ( معارض الأمس هو المنفرد والصائل بالحكم اليوم ) ، ومن هنا يبينُ رجحان قطيعة المثقف لأرباب التسلط وتباعده عنهم ، ففي غير موضع من هذا الكتاب البالغ قرابة تسعين وأربعمائة صفحة ، لا بُدَّ لك من أنْ تطالعاك تفسيراتٌ وأنظارٌ واقتناعاتٌ بخصوص ما ساقته الأيَّام للانغمار في جوِّه أو الاصطلاء في حمأته من مناكدات وأوصاب وخطوب ، قد لا تروق لمَن هو فوق هذا الموظف البسيط العف والراغب في طباعة هذا الأثر النفيس طبعة ثالثة ، يتيسَّر بموجبها للأدباء والمعنيينَ والمشغوفينَ باستقصاء السرِّ المكنون في ألمعيَّة الجواهري شخصا ً وشاعريَّة وإجماعا ً على تفرُّده ونبوغه واستطارة صيته ، وأجدني في غير حاجة لأنْ اقتتطع غير نتفةٍ من هذا الخبر أو ذاك أو عباراتٍ ضافية تزدانُ بها هاته الصفحة ورديفتها من الكتاب ، لأدلـِّل على صواب ما تحصَّل لديَّ واستنتجته من أنَّ تفكير المؤلف الدكتور عبد الحسين شعبان شيءٌ ، وتفكير المهيمنينَ على مقاليد الأمور وإليهم ينتهي تدبير مصائر الجمهور والنظر في معايشه وحرماته شيءٌ آخر .

       لذا أسجِّل لهذا الموظف المسؤول تخطيه وتجاوزه جميع المحظورات والممنوعات والتحفظات واستقباله له كما هو ، أو بما انطوى عليه من مجازفة في تعرية الواقع الشائه ومواجهةٍ للأنصاب ورموز الارتجاع والتخلف التي ما ونى الجواهري في صيالها ومنابذتها ، ليس ذلك من باب الإيمان بحرية الفكر ، أو دع الناس يفصحونَ عن مكامن وجدانهم أو لا يكظمونَ منها شيئا ً يستحيل بمرور الوقت ذريعة للاقتصاص والانتقام ، غير أنـَّني استشرف وأبتغي أنْ يكون رائده خالصا ً مجرَّدا ً ومنزَّها من أيِّ غرض دنيوي سوى اجتذاب شخص الدكتور شعبان وجها ً ثقافيا ً مقبولا ً ، ومُجمَعا ً على سعة أفقه وغزارة ثقافته ، ومواطنا ً لا يمَاري أحد في جهاديَّته دون مبادئه المُبتغِية مصلحة البلاد وإنعاش حياة أبنائها ، سواء وافقه عليها بمجموعها أو خالفه في جزئيَّات منها ، وذلك في عداد الجاري من العادة ومن طبيعة الأشياء .

      ولأقفو منوال الكاتب الجهبذ مصطفى علي في تصنيفه كتابه الأوَّل عن صديقه معروف الرصافي ، الذي صاول فيه وساجل الباحث المصريَّ الدكتور أحمد بدوي طبانة ، التدريسي بدار المعلمينَ العالية ــ كلية التربية / جامعة بغداد حاليا ً ــ حين ألفاه ممتلئا ً بالمفتريات والمختلقات والأراجيف المُهينة وغير اللائقة بمنزلة شاعره وسمعته ، وزاد الأمر سوءا ً وقبحا ً أنْ قدَّم له الشيخ محمد رضا الشبيبي ، زاعما ً أنـَّه كان في غير ظرفٍ مصطفا ً في مواقفه المعلنة من الهزَّات والتقلبات السياسية بجانب العثمانيينَ ومُشايعا ً لسلطتهم ، مع صديقه الوجداني وخصيمه الأدبي الشاعر جميل صدقي الزهاوي ، وحظي الاثنان بإغداقهم ، ورتعا في نعمائهم ، قبل أنْ يتحوَّلا ويضُنـَّا عليهم بالتأييد والثناء والرضا بخطتهم وأسلوب تعاملهم مع الآدميينَ المتعدِّدي الأجناس والعناصر والمتنوِّعي اللغات واللهجات ، وبعد ذلك لجأا إلى الهجو المقذع والتقريع الفاحش ؛ وكذا انصبَّ نقد الأستاذ مصطفى علي على ملاحظات كاتب المقدِّمة الشيخ الشبيبي متوقلا ً على أسلوبٍ ولغة مباينةٍ عن التي توسَّل بها في نقض فحاوى الكاتب الضيف وقتذاك ، وقد يكون الاستطرادُ لهذه القضية في عداد الزيادة والفضلة التي لا موجب لها وإنْ تعلمنا منها أنْ نقصد أو نستبعد في غير مقالةٍ كتبناها ونكتبها ما درج الكاتبونَ على الإسراف فيه من ذكر الصِفات والكنى والخصائص ممَّا يضفونه أو يجعلونه سابقا ً لأسماء الأعلام والشخصيات التي يستدلونَ بها في مباحثهم وكتاباتهم ، وتغدو مثار لدَدٍ ومحفز على المناقضة ، وذلك تفاديا ً أنْ يُدَاخِل التيه والاغترار نفوس أصحابها وينظرونَ لها بغير حجومها .

       ومن هذا المدخل نستهلُّ مقالتنا هذه ونخلص إلى مؤاخذتنا على مقدِّمة الطبعة الأولى التي كتبها الفاضل عبد اللطيف اطيمش ، قرأناها معنونة في الطبعة الثالثة التي بين يدينا بـ ( طائر العاصفة ) ؛ تجيءُ فيها هذه التعابير المشتملة أحكاما ً يحوجها المزيد من التدقيق والضبط ، وتفتقر إلى خصيصة وقوع الحافر على الحافر كما يقولونَ .

       * ومنها : ( وإذا كان العراقُ قد أنجب منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في أوائل العشرينيَّات من هذا القرن شعراء الرعيل الأوَّل الكِبار كالرصافي والزهاوي والكاظمي والشبيبي والشرقي والصافي النجفي والعمري والأخرس والبصير ، والذينَ كانوا أقرب إلى تيَّار المدرسة الإحيائية في الشعر ………. إلخ )  .

       قلتُ  : صحيحٌ إنَّ تأسيس الدولة العراقية توافق هو وبداية العشرينيات من القرن الماضي ، غير أنَّ معظم المذكورينَ عالجوا صياغة الشعر قبلها بسنين ربَّما يرجع عهدُ بعضهم بها إلى نهايات القرن التاسع عشر ، وبذلك تكون قرائح البقية طوال العقود التالية أو بالتحديد منذ التاريخ الذي يحِّده لسيرورتهم وانطلاقتهم واستحقاق البلد للتباهي والفخر بأنـَّه أنجبهم قد اعتورها الكلال والنضوب ، وأجبلتْ بالمرَّة سوى ما ابتعثته دواع ٍ وملهمات واستثارته في جوانحهم شجون ومآس ٍ ونوازل ومصيبات ، يعنو لها أحبابهم وبنو جلدتهم ، فلم يقووا على دفعها ومغالبتها إلا أنْ يرسلوا نفثتهم وبوحهم شعرا ً متـَّسِما ً بالفصاحة ومجانبا ً للتبذل والركاكة ، لكن أينَ منه شعرهم المحكم النسج والمترصِّن الديباجة في عهدهم الأوَّل المنطوي يوم انبروا لقِرَاع المستعمرينَ وأوغلوا في مناكفة أجرائهم المستبدِّينَ ؟ .

       ثمَّ إنَّ عبد الباقي العمري وعبد الغفار الأخرس معدودان على رأس قافلة شعراء القرن التاسع عشر زمن العثمانيينَ ، فقد كان الثاني معاصِرا ً لولاية داود باشا للعراق عام 1831م ، وبعده بعقود نبغ الموصلي عبد الباقي العمري في النجف وتأثر بأجوائها الفكرية يوم شغل فيها وظيفة قائم مقام ! .

       * ويمضي في سرده بعض الأخبار الموهومة والحقائق المفترضة ، قائلا ً بعدها : ( فقد ربطتْ بينهما صداقة طويلة امتدَّتْ إلى ما يزيد على ربع قرن من الزمان ، بدأتْ في النجف الأشرف ــ مسقط رأسيهما ــ وتطوَّرتْ في بغداد ثمَّ عبر المنافي بعد ذلك في براغ ……. إلخ ) .

       قلتُ : صحيح أنَّ كليهما ولد في النجف ، لكنَّ ذلك لا يستتبع تلاقيهما الشخصي في كنفها ، لاسِيَّما أنَّ المؤلف من مواليد عام 1945م ، والجواهري حتى عام 1952م لم يغشَ مسقط رأسه غير مرَّة واحدة حضر فيها مجلس الفاتحة المقام على روح ابن عمِّه الشيخ محمد باقر الجواهري ــ وكان من أعزِّ الناس عليه وألصقهم بقلبه ومن لداته في عهد الرضاعة ــ وهناك أنشد خريدته المشجية والمحتوية خطرات فلسفية في المصير الإنساني والمتأثرة بعض الشيء ، بلْ المستبقة للأزمات والوقائع الوشيكة التي ستحلُّ بالبلاد ، وكـان ذلـك يوم 6 / تـشرين الأوَّل عام 1952م ، حين كان المؤلف يجوز السنوات السبع من عمره ، ولا يؤهله ذلك الطور من العمر حتى أنْ يفطن لوجود الجواهري في عالم الأحياء ! .

       * وأرى أنَّ الأفضل من الشاهد الشعري المعزو للبياتي الذي ترنم به إثر المصالحة وتجاوز الجفاء والنبوة والتقاطع الحاصل نتيجة التبايُن والاختلاف بين طريقتيهما الشعريتين ِ ، وتوق الأخير للاستئثار بالتفرُّد والنبوغ مع التهالك على استلفات الأنظار وحيازة إعجاب الجميع على استحقاقه لذلك بتأهـُّل وأفـضلية وجـدارة ، هذا إلى ذِمَاءٍ من نحائز متبقية من أيَّام انخراطهما معا ً في براغ في لجنة الدفاع عن الشعب العراقي عام 1963م ، فترك ذلك ندوبا ً عميقة في وجدان الجواهري ، فكلُّ شيءٍ يتلاشى ويلتئم سوى التعدِّي بلا إثم ولا جريرة وما يستتبعه من حَوْط الشخص المتطلع لأنْ يُستدَلَّ بألمعيَّته ورجحانه بالشُلل والذيول والمتجرِّدينَ من مزاياهم وصفاتهم ومذوِّبيها في كيانات هزيلة لغيرهم ، فعنَّ للبياتي في وقتٍ متأخـِّر من عمره وقد جنح للمُسَالمة والتصافي إثر اعتزاله للوظيفة المرموقة في بلاد الأسبان وانفلاته من تقييدات الحاكم ، أنْ يستأنف تنديداته وتعريضاته بالقيم المنهارة وتفشِّي فساد الضمائر والأخلاق ، مع توطن الأمل في نفوس الجمهور في أنْ يظلهم العدل وتنقشع من أمام أبصارهم غاشية اليأس والخنوع ، كما يستجلي الدارس عبد اللطيف اطيمش في هذه الوصلة المنتزعة من إنشاد البياتي :

شِعرُكَ كانَ الزَادَ والمَاءَ فِي       عِـرَاقِـنا الطـَاعِـن فِي السِـنِّ
تـَعـَاقـَب الطـُغـَاة فِـي نـَفـيـِهِ       بينَ الغـَد المَجهول والأمس ِ
مَـاذا أسَمِّـيكَ وَأنـتَ الـمَـدَى       وطـَائِـرُ العـَاصِفـَةِ القـُدْسِـي

…………….

       قلتُ : إنَّ أروع وأبرع من هذا الأنموذج الشعري المُكرَّس لامتداح عبقرية الجواهري والإطناب في مزاياه وسجيَّاته ومواقفه الحديَّة من البغاة والآثمينَ ، ممَّا راق لمقدِّم الكتاب الدكتور اطيمش ، وضمَّن المؤلف نفسه موارد منه في غير فصل أو صفحة من كتابه ، وربَّما استهوى أيضا ً كاتب موضوعة ( أمالي الجواهري وتدوينات عبد الحسين شعبان ) ، والتي تسبق في موضعها منه تقديم اطيمش عينه ، وهو الأديب محمد مظلوم الذي حضر بعضا ً من ملتقيات الجواهري مع البياتي وما يتخللها من مجاملات ؛ تلك القصيدة الباذخة الرائعة التي صـدح بها قـبل ستين سـنة ــ بالتمام والكمال ــ شاعر من مدينة القطيف في المملكة العربية السعودية ، ويُدعى هذا الشاعر الشادي ( عبد الرسول الجشي ) ، كتبها لنفس الغرض والغاية ، إذ طبق يومها صيتُ الجواهري الكبير الدنيا العربية بأجمعها عام 1951م ، إثر استعار سخطه وتأجـُّج غضبه على الحاكمينَ ببغداد حينَ أغلقوا جريدة ( الأوقات البغدادية ) التي تولى رئاسة تحريرها بامتياز صاحبها ، وآثرَ مبارحة البلاد وتوطن مصر ، وشهُرَتْ عنه غرر قصائده ، منها : في رثاء عبد الحميد كرامي ، ورائعته الساخرة  ( تنويمة الجياع ) ، وفلذته في تحية الشعب المصري بمؤتمر الثقافة الذي تقيمه جامعة الدول العربية بين آونة وأخرى ، حيث تلقى دعوة خاصة لحضوره ممهورة بتوقيع طه حسين وزير المعارف ، وتكلـَّل بخطاب ارتجله عميد الأدب العربي مُشِـيدا ً فيه بشعره وبمآثر الشعب العراقي في احتضانه للثقافة منذ أقدم عهوده وبرعايته لها في مدارسها ومعاهدها المشهورة في البصرة والكوفة ، وذلك بمشهدٍ من حضور خصيم مُعرق ٍ في العثمانية وينطق العربية بتعثر ويرشِّحه الجاهلونَ بمنشأ الأجناس والعناصر داعية من دعاة القومية العربية ، فينتصف منه ويبكـِّته مستطيلا ً عليه ، فيقول :

أنا ضَيفُ مِصْرَ وَضَيفُ طه ضَيفهَا       مَـا بَـعـدَ ذلــكَ لِـلمُـفـَاخِر مَـفـخـَرُ
أنا ضَيفُ مِصْرَ ، فـَلـَنْ أثـَقـِّلَ فوقهَا       ظـِـلـِّي بـِـمَـألـُكـَةٍ تـُعـَـابُ وتـُنكـَرُ
فـَإذا عـَتـَبْـتُ فـَمِـثـلـَمَـا مَـسَّ الـثرى       غـَيـْـثٌ تـَخـَلـَّلـَهُ سَــحـَـابٌ أكـْـدَرُ
يَا مِصْرُ لاءَمَـتِ البَـصِـيـرَة شَمْلـَهَـا       فالكونُ أصغـَرُ والمَـسَـافة أقصَـرُ
وَتـَلاقـَتِ الــــدُنـيـَا فـَكـَـادَ مـُـشـَـرِّقٌ       مـِـن أهـــلِـهـَا بـِمُـغـَرِّبٍ يَـتـَعـثـَّرُ
وَيَـكـَادُ بَـيْـتٌ فِـي الـعِـرَاق ِ بـِجَـذوَةٍ       مـَضـرُومَـةٍ فـِـي تِـيـبَـتٍ يَـتـَنـَوَّرُ
وَهــُـنـَـا يـَـكــَـادُ يـَـسـألُ أهـلـُهـَـــــا       هـَلْ فِي العِـرَاق ِ أعـَاجـِمٌ أمْ بَرْبَرُ
وَيـَـكــَـادُ يَـجـهـَـلُ أنَّ بغدادا ً بــِهـَـا        كـَانـَتْ يَدُ الدنيا تـَطـُولُ وَتـَقصُـرُ
أو أنَّ كـُوفـَانـَا ً وَبـَـصـرَة مـِـنـهُـمـَا        كـَانـَتْ إلى الأمَـم ِ الحَيَاة تـُصَدِّرُ
أ يَـكـُونُ عُـذرُ الجَـهـلَ أنَّ عـُمَومة ً        أغـنـَى وأنَّ بـَنِـي أخِـيـهـَا أفقرُ ؟
أو أنْ تـَضِيقَ بـِخـنـصـريهَـا راحَة ٌ        إذ كانَ أصغـَرُ مَا تضُمُّ الخنصرُ
…………….

       نـُشِرَتْ القصيدة السالفة ــ قصيدة الجشي القطيفي ــ في مجلة ( الألواح )   ، التي أصدرها ببيروت صدر الدين شرف الدين صاحب جريدة ( الساعة ) البغدادية ، وهو لبناني الأصل ومن منطقة جبل عامل ، وعراقي بالتجنـُّس ، جُرِّد من جنسيته العراقية عُقيْبَ أحداث الوثبة ، بسبب مناهضته معاهدة ( بورتسموث ) ، وتـأليفه كتابا ً عنها بعنوان ( سحابة بورتسموث ) ، الصادر آنذاك عن دار العلم للملايين ، وكان كاتبا ً مرموقا ً وشديد الاعتزاز بمأثورات مصطفى صادق الرافعي ، ويترسَّمه ويحاكيه في بيانه وأسلوبه .

       واستثارَتْ كلُّ تلك الألوان والصنوف من المخاضات والدواهي والظروف الصعبة المحيطة بالشاعر والتي تفعم نفسه بالغصص والآلام آنا ً ، وتغدق عليها بالمسرَّات والمباهج آنا ً أخرى ، خصوصا ً أثناء حضوره مؤتمر المثقفينَ العالمي في وارشو على تعذر أنْ يلمَّ بها عراقيٌ آنذاك ، ومعايشته وألفته لأقطاب الثقافة وأساطينها المعروفينَ وعيشه في باريس ردحا ً من الزمن ، هو الموجوع بمصرع شقيقه على بلاط الجسر الخضيب قبلها بمدَّة وجيزة ؛ قلتُ : استثارت كلُّ هذه الماجريات والوقائع المتتابعة شاعرية ذلك الشاعر العربي من أبناء مدينة القطيف السعودية فتوفر على صوغها بأربعينَ بيتا ً من الشعر القوي المحكم الزاخر بالعاطفة والمجسد للحسِّ الإنساني المرهف ، وأهمُّ من هذه الميزات والخصائص ما تنبض به من الصدق الخالص المبرَّأ من التعمُّل والافتعال ، ووفق هذا النحو يسترسل في تصوير معاني أبياته في قصيدته التي عنونها ( الجواهري .. خصب الفراتين ِ ) ، والتي نختار منها قوله :

قـَدَّسْـتَ مَـهْـدَ الـنـَابـِغِـيـنَ صَـعِـيدَا       وَصَعـَدْتَ مَجدَا ً طـَارفـا ً وَتـَلِيدَا
هـذا الـفـَتـَى الـفـَذ ُّ الـذِي ألـهـَمْـتـَهُ       مِـنـكَ الـبَـيـَانَ البـِكرَ وَالـتـَغـريدَا
أيـَّامَ كــَـانَ وَلـِـلـقــَـوَافـِي هـَيـكـَـلٌ       رَحْـبٌ على الذكـَوَاتِ قـَامَ مَشِـيدَا
تـَقِـفُ الـعَـوَاطِـف خـُشَّعَا ً فِي بَابهِ       وَتـَكـَادُ أنْ تـَهـْـوي لـَدَيهِ سُـجـُودَا
فـَكـَأنـَّمـَـا الـقـُرآنُ مـِـن مـِـحـرَابـِهِ       يُـتـلـَى عـَلـَى سَمْع الزَمَان جَـدِيدَا
إيـهٍ فـَـتــَى الـنـَجــَـفِ الأبـَرَّ وإنـَّهُ       نـَسَـبٌ كـَمـَا شـَقَّ الصَـبَاح عََمُودَا
بـالله قــُـلْ لـِي حـِـيـنـَمـَـا وَدَّعـْـتـَهُ       والجَـفـنُ يـَنـتـَظِـم الدُمُوع عـُقـُودَا
مَـا حـَال قـَلـبـكَ والأحِـبَّة تـَلـْتـَقِـي       أكـْـبـَـادُهـُـم وَيـَـلـُـفُّ جـِيْـدٌ جـِيـدَا
وَخـُدُودُهُم كالوَردِ ضَرَّجَهَا الأسَى       أوَّاه ، كـَم أدمـَى الـوَدَاعُ خـُـدُودَا
أرْضَيْـتـَهُ لـَوْلا طـُمُـوحُـك مَشْهَدا ً       يُـلـقـِـي بـِقـَلـْبـِكَ لِـلـزَفِـيـر وُقـُودَا

…………….

       ويبدو أنـَّه من المتردِّدينَ على النجف ، بدليل أنـَّه يعي معنى الذكوات البيض ويعرِّف بها في هامش القصيدة ، إذ هـي مواضع تاريخية في النجف ذات شهرة قديمة ، ويعرف كذلك الجواهري أو سمع بمواقفه المشهودة في الأقلِّ .

       ونخلص الآن لتصفح الكتاب ، لنجتلي فيه بعض الهنات أو نسلط عليه بعض النظرات :

       * جاء في الصفحة الخامسة والأربعين بشأن استهداف الشاعر للمحاكمة في إحدى المرات : ( الجدير بالذكر أنَّ الحكومة العراقية أقامَتْ الدعوى وعلى المحامي عبد الرزاق الشيخلي المدير المسؤول لصحيفة الجريدة الشعبية التي نشرَتْ القصيدة وظلتْ الدعوة تنام وتستيقظ كما يقال ، حتى 17 / كانون الأوَّل ، حيثُ تمَّ الإفراج عن الشاعر والمدير المسؤول بعد أنْ تمَّ تحكيم ثلاثة شعراء عراقيينَ لتفسير القصيدة التي قيل أنَّ فيها تعريضا ً بالملك فيصل وحاشيته ، خلال زيارة لبعض المسؤولينَ إلى لندن ووجود الملك فيصل الثاني هناك ) .

       قلتُ : إنَّ القصيدة المعنونة في مؤتمر المحامينَ والملقاة بمؤتمرهم ببغداد يوم 29 / تشرين الثاني 1951م ، ونشِرَتْ فور إلقائها بجريدة ( الجبهة الشعبية ) في اليوم التالي ، ورد فيها المقطع الأخير بهذا الشكل الآتي :

أقـُولُ وَقـد لاحَ غـُولُ البَلاءِ       يُـنـَفـِّجُ عَن شِدقِه الكـَاشِر ِ
وخـَفَّ للندنَ شَرُّ اللصوص       يَلبَسُ ثوبَ الدُجَى العَاكـِر ِ
يَـحِـيْكُ بـِرَغم ِ أنوفِ البلاد        لِـبَـاسَ الهَلاك لهـَا الدَامِر ِ

…………….

       ممَّا حدا بأرباب الحكم أنْ يشخـِّصوا المقصود بـ ( شرّ اللصوص ) ، وهو رئيس الوزراء نوري السعيد ، فأقاموا عليه تهمة التعريض والطعن والنكاية ، وهذا عينُ الحقيقة ، على أنـَّه أجرى تعديلاته عليها بعد الإفراج عنه وإزماعه إصدار الجزء الثالث من ديوانه عام 1952م ، من ناحية تأنيث بعض الأفعال أو استبدال بها غيرها ؛ اكتتبْتُ هذا من الذاكرة قبل أنْ أتثبَّتْ منه وأستأنس بمراجعتي إيَّاه في الجزء الرابع من ديوان الشاعر ، طبعة وزارة الإعلام ببغداد في السبعينيات الفائتة ، لأستوثق أنَّ الجواهري عفَّ عن التعريض بالملك الذي لم يتوَّج بعد آنذاك ويتسلم سلطاته ، ولا أدنى صلة له بالوافدينَ على لندن للتمهيد لإبرام ما كان يُدعى أو يعرف بـ ( ميثاق الشرق الأوسط ) ، الذي تقدَّم على حلف بغداد بما ينوف على الأربع سنوات ، كان فيها الحاكمون ــ ببغداد وطهران وأنقرة ــ يخشوْنَ غضبَ شعوبهم ونقمتها ويتردَّدونَ في الإعلان عنه تفاديا ً لسخطها وثورتها .

       * يقول المؤلف في الصفحة الحادية والستين بشأن النفي والاغتراب عن الأوطان : ( ما أنْ تلقفتْ الغربة الجواهري واحتضنته حتى شهدَتْ المنافي في العام 1963م ، وما تلاه هجرة مبدعينَ عراقيينَ آخرينَ مثل الشاعر بلند الحيدري والشاعر عبد الوهاب البياتي والعالم الراحل عبد الجبار عبد الله والشاعر سعدي يوسف والشاعر مظفر النواب والروائي الراحل غائب طعمة فرمان ) .

       قلتُ : إنَّ الروائي المشهور غائب طعمة فرمان كان مقيما ً بالأساس ومن الأوَّل في موسكو ، ويعمل بالترجمة عن الروسية ، فتزوَّدَتْ المكتبة العربية بنفائس من الأدب الروسي ، وأصدر في عام 1964م ، روايته المعروفة ( النخلة والجيران ) عن دار الآداب ببيروت ، وتلته روايات أخـَر بعد ذلك ، وتوجـَّهَتْ إليه وزارة الإعلام العراقية بدعوة لحضور مؤتمر الأدباء العرب السابع المنعقد ببغداد في أوائل نيسان 1969م ، فلا علاقة للرجل بما جرى في عام 1963م ، مـن مـلاحقات لـلأدباء ، ومن ثمَّ تحوَّلتْ روايته المذكورة إلى عمل مسرحي استهوى الجمهور ، وندَبَتْ وزارة الإعلام ــ أو جهة رسمية أخرى أو شبه رسمية ــ خيرة الممثلينَ والممثلات لتأدية أدواره على المسرح ، وبمباركة السلطة للتدليل على انفتاحها وجنوحها لتفتيح عيون الشعب على حقيقة وضعه المعيشي زمن الحرب العالمية الثانية .

       أمَّا البياتي : فقد قلنا ــ يا ناس ــ عبر أكثر من مقالةٍ منشورةٍ ، أنـَّه نفى نفسه باختياره منذ أخريات عام 1959م ، رافضا ً التحاقه مدرِّسا ً في ثانوية ما بأمر صادر من وزارة المعارف يقصيه من وظيفته التي هي ملحق ثقافي في السفارة العراقية بموسكو .

       * وعن أكتوبة الدكتور شعبان بخصوص صديق تلمذته في متوسطة الخورنق بالنجف ، الشاعر عبد الأمير الحصيري ، يقول : ( من المفارقات أنـَّني التقيْتُ الحُصيري وإذا به يرتدي بدلة وربطة عنق وعلى غير العادة ، بدا حليقا ً نظيفا ً فحيَّاني مبتسِما ً مستبقا ً سؤالي عن السرِّ في هذا التبدُّل المفاجئ ، بالقول إنَّ الحكاية باختصار إنَّ السيد وزير الإعلام صلاح عمر العلي استدعاني وأحرجني بوظيفة استشارية في الوزارة براتب قدره ثمانون دينارا ً ) .

       قلتُ : الشائع أو المعروف إنَّ المرحوم عزيز السيد جاسم تولى معالجة وضع الحصيري المزري وشرح للوزير المذكور ظرفه السيِّئ ، فأنقذاه من التشرُّد والضياع ، وأحضر له الوزير بدلة جاهزة بكامل مواصفاتها ومرفقاتها ولواحقها ، وعيَّنه مصحِّحا ً لغويا ً في مجلة الإذاعة والتلفزيون ودورية أخرى ، أمَّا بشأن كونه يعتدُّ الجواهري رمزه الكبير ، فهذا الرأي يتناقـض هو ومعارضته لرائعته ( غريب الدار ) ، فقد نسج على غرارها قصيدة طبعها في ( دويوين ) ، لا أدري من أين استدان نفقاته ليدَّعي أنـَّها مجارية في موحياتها وبواعثها ( لقصيدة الشاعر المبدع محمد مهدي الجواهري ) كذا كتب فيه ، وكان يزعم عبر أحاديثه في المجالس والقهوات أنـَّه ( منافسه ويغار منه ) ، نبس بهذه اللفظة ذاتها معي فحوقلتُ وتعوذتُ ؛ لكن حسبه من إشفاق الأدباء وأرباب مهنة القلم عليه وأساهم لغيابه كلـَّما تذكروا مأساته وتدبَّروا قوله :

أنا الشَريدُ فمَا للناس تذعُرُ مِن وجهـ       ي وَتــَهـْـرُبُ مـِـن أقـْـدَامِـي الطـُرُقُ

…………….
 
       وسمعته منه بهذه الصيغة :

أنا الشَريدُ علامَ الناسُ تنفرُ مِن وجهـ       ي وَتـَهـْرُبُ مـِن أقـْـدَامِي الـطـُـرُقُ

…………….

       * جاءَ في الصفحة ( 152 ) عن زيارة الشاعر الكبير لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي كانتْ قائمة ، أنـَّها صادفتْ أوائل الثمانينيات ، في حين أنـَّها حصلتْ قبل انقضاء عام 1979م ، الذي حدث في منتصفه انتقال السلطات إلى صدام حسين ، وفضَّل أحمد حسن البكر لزوم دارته وتخليه عن مهمَّاته واعتزاله الحكم لسبب وآخر ، وأجرى الرئيس الجديد تبديلات في وزارته حيث أعفى بعضهم من منصبه وأقصاه ، ومنهم : المرحوم عصام عبد علي وزير التعليم العالي الأسبق ، والذي ذكر المؤلف أنـَّه شاهده هناك على رأس الوفد الرسمي لمؤتمر السلام المنعقد يومها في عدن ! ، واعترضَتْ الجماعة المتبنية من زمن بعيد قضية الدعوة للسلام والتآخي بين الأمم لدى رئيس مجلس السلام العالمي ( شاندرا ) على عدم ازدواجية التمثيل ، فمنـِّيَتْ بتهرُّبه وإحجامه عن البتِّ في الأمر ! .

        * يذكر الباحث الأستاذ الدكتور عبد الحسين شعبان في أكثر من مكان في كتابه : ( إنَّ قائد ثورة 14 تموز عبد الكريم قاسم قبل أنْ يركبه الغرور ، زار منزل الجواهري ، وهو المنزل الوحيد الذي زاره بعد الثورة ) .

       قلتُ : إنَّ أوَّل منزل دخله الزعيم قاسم بعد الثورة هو منزل رئيس الوزراء الأسبق في العهد الملكي الذي يؤتى به لرئاسة الحكم في البلاد كلـَّما التبسَتْ الأمور وادلهمَّتِ الخطوب ، فيصفي الأجواء ويسدل الستار على الماضي ، هو الداهية جميل المدفعي ، خال العقيدين ِ في الجيش والمعدومين ِ إبَّان عهدين ِ مختلفين ِ : رفعَتْ ومدحَتْ الحاج سري ! ، وما طرقه بابه إلا على سبيل المجاملة ومدارة شعور ألأوَّل خصوصا ً ، وكان هذا الخال ــ كما قيل يومها ــ يمـرُّ بأزمـةٍ مرضية وانتكاسة صحية ، ومن بعدُ كانتْ زيارته منزل الجواهري لتفقد أحواله إثر مرضه وملازمته الفراش ، فمدَّ الزائر يده مصافحا ً الجواهري الذي ارتجل بدوره :

شُـفِـيْـتُ برؤيَـاكَ يا سَـيِّدي       وَضَـمِّ يدٍ مِـنـكَ ضَمَّتْ يدِي

…………….

       ولم يفطن ِ الشاعر الكبير الجواهري إلى أنَّ الوزن الشعري اضطرَّه لاستخدام : ( رؤياك ) ، بدلا ً من : ( رؤيتك ) ! .
 
       * يردُ في استعمالات المؤلف للفعل الماضي: ( استلَّ ) ، عند ربطه بضمير الرفع ( نا المتكلمينَ ) ، فيكتبه على هذه الصورة : ( استلـَّيْنا ) ، وصوابه أنْ يكتبه بالصورة التالية : ( استللنا ) ، والنجفيونَ ــ قبلا ً وبعدا ً ــ أساتذة العالم في نحو العربية ! .

       * نقل الباحث في الصفحة ( 250 ) عن الجواهري قوله : إنَّ قصيدته الملقاة في رثاء المالكي بالملعب الرياضي بدمشق ، نشِرَتْ كاملة في جريدة ( الزمان ) لصاحبها الموصلي توفيق السمعاني ، نقلا ً عن دار الإذاعة السورية بجهد كادر صحفي متمرِّس ، غير أنـَّني أذكر جيدا ً قراءتي أشتاتا ً منها متفرِّقة في صحـيفتي : ( الزمان ) ، و ( الأخبار ) التي كان يحرِّرها جبران ملكون ، بعد أنْ تجنبتا وتحاشيتا الموارد المندِّدة بحلف بغداد منها ، فأمَّا الذي جرؤ على نشر قصيدته الثانية الملقاة في العام التالي بتمامها ، حيث احتفِل ثانية بذكرى مصرع المالكي ، والتي مطلعها :

ترنـَّحـَـتْ مِـن شَكاةٍ بَعـدَكَ الـدَارُ       وهـَبَّ بالغـَضَبِ الخـَلاق إعصَارُ

…………….

       فهو الصحفي المرحوم سلمان الصفواني وفي صحيفته ( اليقظة ) ، في ظرفٍ تزايد العداء بين بغداد والقاهرة أكثر ، واستفحَلتْ الحملات والمهارشات الإذاعية بينهما أيضا ً ، وذلك في صيف 1957م ، وفي مكان افتتاحية الصحيفة ، ناعتا ً إيَّاه بالشاعر العبقري ، ومتجاوزا ً في ذلك تنازعه وخلافه معه .

       * أخيرا ً كتب الباحث عن لسان الجواهري في تبيان حقيقة ظروفه المحفوفة بالتحرُّج حِيَال دعوته من قبل قيادة الجيش السوري للمشاركة في تأبين العقيد عدنان المالكي الذي اغتِيل غدرا ً في العام 1956م ، وحامَتْ الشبهات حول دور الحكومة العراقية في تدبير هذه الوقيعة لمجاهرته بمناوأته الحلف البغيض المبرم من لدن ساسة المنطقة الراهنينَ مستقبلهم بمدى ضلوعهم في مشايعة المستعمرينَ الذينَ طالما خوَّفوا شعوبها من الخطر السوفيتي ، فاستمسك الجواهري بغير مسوِّغ وتعلـَّة للحصول على جواز سفره ، كأنْ تسهم تلك المشاركة في نفي التهمة عنهم ، وتزيل الجفوة والتنابذ بين المسؤولينَ هنا وهناك ، وكأنْ حسب أنَّ مَن بيدهم الأمر وتسهيل مهمَّته بمنحه جواز السفر المطلوب من السذاجة بحيث تنطلي عليهم الحجة ، وفي الأخير سمحوا له لكن باشتراطاتٍ أخلَّ بها ونكل عنها ، بعد أنْ ضاق ذرعا ً بالمراقبة لبيته نتيجة تزيين صحيفة ( الرأي العام ) بقصائده ( التي تهزُّ الجماهير ) .

       قلتُ : إنَّ الجواهري أوقف صحيفته تلك عن الصدور من تلقاء نفسه بعد أنْ كانتْ تصدر قبلها في 1954م ، وحيث نشر فيها رائعته ( كفارة وندم ) التي أخذتْ طريقها إلى مجلة ( الآداب ) البيروتية ، لتغدو من مواد عددها الخاص بالشعر العربي الحديث في مطالع العام 1955م ، التي أطبقتْ فيه سياسة الإرهاب على البلاد العراقية ، تمهيدا ً لفرض ( حلف بغداد ) الاستعماري غصبا ً عنها ، فهجع النشطاء السياسيونَ من هذا الرعيل أو ذاك ، ومن هذه الفئة وقرينتها على بساط السكون ، وفي تلك الظروف الحالكة من كبتِ الأنفاس وموت الآمال لا بُدَّ للجواهري من أنْ يتكلـَّم ، لكن على نحو لم يقرُّه أصحابه عليه ويؤيِّدونه فيه ، فـقـد ظـلَّ يوافـي جـريدة ( الحرية ) البغدادية ــ لصاحبها قاسم حمودي ــ بقطعه الشعرية المُبَكـِّتة للجمهور على نكوصه وتخاذله واستسلامه للذلِّ والامتهان ، بعدما كان يغتلِي بالحماسة والإصرار ، فلامه أولئك الأصحاب والأصدقاء على ذينك التقريع والذمِّ ، دون تخريج عذر ومسوِّغ للشعب على استنامته وتفريطه بحقه ، وكان من بينهم الأستاذ محمد حسن الصوري ، صاحب جريدة ( الحضارة ) المتوقفة عن الصدور كذلك ، إلى أنْ تصافى وانسجم مع نفسه بمجرَّد اعتلائه منصَّة الملعب الرياضي بدمشق ، ليرثي عدنان المالكي ويصدح بتلك القصيدة العجيبة لما امتلأتْ به من تنبُّؤات وتوقعات مستقبلية ، والتي يقول في مطلعها :

خـَلـَّفـْتُ غـَاشِيَة الخـُنـُوع وَرَائِي       وأتـَيْـتُ أقـبـُسُ جَمرَة الشُهـَداءِ

…………….
       * ملاحظة : كلُّ الصور المرافقة لهذه المقالة هي من كتاب ( الجواهري / الليالي والكتب ) ، لمؤلفه الأستاذ صباح المندلاوي ، الطبعة الأولى بغداد 2009م ؛ عدا صورة الباحث الدكتور عبد الحسين شعبان ، منفردا ً . 

********

هامش:

[1] . يحتفظ الأستاذ الصديق عبد الهادي الفكيكي في مكتبته بمجلد ضخم بعض الشيء يضمُّ أعدادا ً متفرِّقة من مجلة ( الألواح ) ، محتوية مقالاتٍ وأبحاثا ً متنوعة لـ : محمد عِيتاني ، ومهدي المخزومي ، وإبراهيم العريض ، وغيرهم ؛ وهذه المجلة هي تحفة نادرة لا أمتلك منها غير عددٍ متهرِّئ محتو ٍ على قصيدة عبد الرسول الجشي التي استدللتُ بها في هذه المقالة . 

 

MahdiShakerAlobadi@Yahoo.Com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.