صباح هرمز: مسرحيات جليل القيسي: الانتظار + الحلم + اليأس = الموت او الضياع (ملف/27)

إشارة :
رحل المبدع الكبير “جليل القيسي” الرائد المجدّد والمحدث في فن القصة القصيرة وفن المسرح في العراق وهو في ذروة عطائه ونضج أدواته الفنية . ومع رحيله – وللأسف وكالعادة – أُسدل الستار على هذه التجربة الفنية التحديثية الهائلة. هذا الملف الذي تقدّمه أسرة موقع الناقد العراقي هو دعوة لإعادة دراسة تجربة الراحل الكبير الفذّة بصورة أكثر عمقاً وشمولاً. ندعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء الملف بالدراسات والمقالات والوثائق والصور.
أسرة موقع الناقد العراق

عودة الأبناء الذين لن يعودوا

على الرغم من ان نص مسرحية (في عودة الابناء الذين لن يعودوا الى الوطن) يأتي ضمن اعمال جليل القيسي المبكرة. حيث نشر عام 1971 في مجلة السينما والمسرح ولم يسبقه سوى نص مسرحي واحد وهو (هي حرب طروادة اخرى) المنشورة في مجلة الاداب البيروتية عام 1969 الا انه يعد الخطوة الاولى لنجاح نصوصه اللاحقة. ولعل ارتفاع عدد المسرحيات التي كتبها على مدى ربع قرن اعتبارا من نهاية الستينيات الى بداية التسعينيات للقرن الماضي الى خمس وعشرين مسرحية اي بمعدل مسرحية واحدة لكل عام دليل على ان بداياته كانت اساسا لبروزه كواحد من المع كتاب المسرح العراقي والعربي الى جانب : محي الدين زنكنه ، عادل كاظم ، يوسف العاني ، الفريد فرج، الطيب صديقي ،يوسف ادريس ،وسعدالله ونوس .
قد يتبادر الى الذهن وللوهلة الاولى ان هذا النص يسعى الى التصدي للحرب التي خاضتها امريكا ضد الشعب الفيتنامي بهدف ابراز هزيمتها عبر انزال جنودها الجرحى على ارض المطار وهم في حالة يرثى لها. واهلهم بانتظار اللقاء بهم بعد سبع سنوات من الاسر.
بينما في الحقيقة ان هذا النص لاعلاقة له بالحرب بقدر ماله علاقة بتصوير المشاعر الانسانية النبيلة للام وهي بانتظار اعز شخص لها في المطار بعد غياب طويل وعاش احلك الظروف ولاتتعدى علاقة الحرب به الا في حدود استخدامها كوسيلة مكان حيث الانتظار لأشاعة مايمكن اشاعته من عنصر الملل.
ولأبثاث مثل هذه المشاعر لايلجأ المؤلف الى تقديم اللعب المسرحية المتوفرة والمتاحة لديه كلها دفعة واحدة وانما يستخدم طريقة: ((step by step لتفجير الحدث وتثويره على نار هادئة باتجاه تحفيز عنصر المفارقة الهادف الى الضحك والبكاء في آن لاثارة الفجوة القائمة بينهما . ولفت الانتباه الى مغزاها الكامن بالاجابة عن سبب عدم وجود (جان) وهو ابن روبرت وزوجته هيلينا ضمن الوجبة الاخيرة لاسرى الجنود الامريكيين مما يعني انه قد لقي حتفه وذلك من خلال توظيف العناصر المسرحية الدرامية كالقلق والانتظار والتوتر والتشويق والمزاح.
مباشرة ودون مقدمات يطرح المؤلف من البداية وبجمل برقية وموحية الخلاف القائم بين الزوج وزوجته (روبرت هيلينا) وهو خلاف ناجم عن معرفة الزوج بالحقيقة ، حقيقة استشهاد نجله في الحرب وعدم معرفة زوجته بها وعلى ضوء هاتين الحقيقتين ينطلق المؤلف في رسم حوار شخصيتيه المبني على السخرية والتهكم من جانب الزوج والجدية من جانب الزوجة.
يستهله هذا الخلاف باللجوء الى ابراز توتر الام في اول جملة تطلقها للكشف عن مدى توقها اللقاء بابنها او كما لو انها تريد اللقاء به في حضور والده وليس بغيابه لتتضاعف فرحة اللقاء او لأنه بهذه الصيغة سيكون أجمل.
هيلينا : روبرت اين ذهبت الهي انه يسير مثل المذهول تماما .
انه بدأ يشرد هذه الايام ويتركني.
يرد عليها ببرود وهو يتامل ساحة المطار : انا هنا ياهيلين..
لماذا تصرخين مثل الباعة المفلسين…
وجملة (الباعة المفلسين)، وان لم تنتبه اليها هيلينا والمقصود منها كونها تعيش لحظات نادرة فمعناها واضح هو عدم جدوى انتظارها وبالتالي مجيئها الى المطار ويعزز عدم انتباه الام الى هذه الجملة تأكيدها عن سبب تركه لها وقلقها على حضورهما بشكل متأخر وتأخر وصول الطائرة واعتقاد الاب بعكس ماتذهب اليه بانهما قد جاءا مبكرين، ممايدل على عدم اهتمامه بهذا الموضوع.
هيلينا: (بتافف) اوه.. انت هنا.. لماذا تتركني؟
روبرت: كنت افكر باننا جئنا مبكرين..
هيلينا: بالعكس ياعزيزي .. اعتقد تاخرنا (تقترب منه وتلتصق به) لا اعرف سببا لهذا التاخير السخيف.. (بضجر)، بعد كل هذا الضجر الطويل لاشي يظهر لا في السماء ولا في الارض ..
(باستفسار) ألم ينزلوا بعد؟
وهذا التوتر يتكرر ثانية قبل ان يشرف النص على نهايته بصفحة واحدة عبر ارتياب الأم ومباغتتها للكل بعدم قراءة اسم جان وأجابة المرأة العجوز عليها بخوف شديد ولا اسم حفيدي والفتاة بخوف اشد ولا اسم خطيبي.
والعنصر الثاني الموظف في هذا النص هو عنصر الملل من خلال انتظار الطائرة وجاء توظيفه مرتين وفي كليهما تمهيداً لتبليغ الزوج زوجته بحقيقة الامر وذلك عبر تداخل الجد باللاجد وتوظيف احدى قصائد الشاعر الامريكي لورنس فيرلنكيتي في المرة الاولى بهدف تقريب صورة الجندي الامريكي القادم من الحرب اكثر الى زوجته والمرة الثانية بغية ان يوضح لها ولكن من خلال توظيف مسرحية (في انتظار غودو) لبيكيت ان ابنها لاياتي كغودو.
المرة الاولى:
روبرت: (يردد برفق هذه الابيات):
اظنني نسيت شيئاً
في هذه القصة
ربما ثمة خطأ مطبعي
هي هذه الورقة
ارفعوا القبعات..
المرة الثانية :
المرآة العجوز : وهل هو مع الوجبة الاخيرة ؟
هيلينا :نعم ..نعم..اوه بالتاكيد
روبرت: (مازحا) انه مع وجبة غودو
المرأة العجوز: غودو! وهل تسمي الوجبة الاخيرة من الاسرى بوجبة غودو.. .
روبرت :(ضاحكا) :وهل جاء غودو حقا؟

ان هذا النص من بدايته الى نهايته ينحو منحى التراجيكوميدي ،بهدف اثارة عنصر المفارقة ولكن اكثر المشاهد اثارة لهذا العنصر هو مشهد الزوج والزوجة في الحوار الدائر بينهما حول الوسام.
هيلينا :(بسذاجة) وهل سينال جان وساما؟!
روبرت: لقد نال وسامه في عنقه
هيلينا: وهل ثمة اوسمة توضع في العنق؟
روبرت: (بسخرية كاوية) واخرى توضع في القلب ،وفي البطن..
هيلينا: اهي من ذهب ؟
روبرت: كلا من الرصاص المصهور.. وعليها صورة رئيس الجمهورية.
هيلينا: اوه جان العزيز .. ترى ماشكل وسامه ؟
روبرت: انه من نوع غريب..
هيلينا: اي نوع قل لي
روبرت: (بحيرة) من نوع الانتظار الطويل .. والابدي.
هيلينا: (بسذاجة) لا افهم..
والعنصر الثالث الذي يوظفه المؤلف بهذا الاتجاه هو عنصر الحلم ، من خلال استعادة الام ذكرياتها مع ابنها جان في طفولته وشبابه اذ سيخبرها بعد اللقاء به عن كل شئ وسوف تسمع نكاته وتتمتع بمزاحه ولاتنسى ان تتذكر نكتته الاولى وهو في الرابعة من عمره والبرد الذي اصاب ظهره.
ويتكرر هذا الحلم مثل العنصرين الاخرين ولكنه لن يدوم طويلاً اذ سرعان ما ينقلب الى وهم ويعيد النساء الثلاث الى وضعهن الطبيعي.
هيلينا: (بفرح) روبرت.. الطائرة دخلت اجواء المدينة الهي انها مسأله دقائق.
روبرت: (يقدم الفتاة لزوجته) انظري ياهيلينا هذه الجميلة تنتظر خطيبها..
هيلينا: اوه رائع..رائع.. انه مع وجبة جان اذن.
الفتاة: آمل.. لااعرف.
المراة العجوز: الدقائق الاخيرة في الانتظار تطول ، تطول ،وكأنها ساعات.
الفتاة: لاننا نفكر فيها بعمق.
هيلينا: الم اقل لك ياروبرت ؟
المراة العجوز: سأرى بيتر اخيراً ..
هيلينا: انظر ياروبرت كل واحد هنا سعيد ويفرح الآن.
روبرت: ان هذه الطائرة ياهيلينا فيها احزان كثيرة للبعض.
قد يبدو الاب رجلا قاسياً وهو يحاور زوجته بسخرية ولكنه كذلك رغما عنه لانه اكثر واقعية منها ولربما لانه يعرف الحقيقة وتكتمل في دواخله عذابات قد تكون اشد من عذاباتها الا انه يتصرف ازاءها بهدوء وحكمة وهاهو في حواره مع الفتاة يفصح عن هذه العذابات.
روبرت: عيناك تفضيان بالحب والتوتر والانتظار
الفتاة: الذي يسمعك يعتقد دونما اي شك انك تغازلني..
روبرت: انا شيخ ايتها الحلوة.. شيخ معذب (يربت على ظهرها) ان رؤية وجه جميل وسعيد مثل وجهك يخفف الكثير من الاحزان.
الفتاة : للمناسبة، الاتنتظر احداً ؟
روبرت : انتظر من مثلا
الفتاة : في سنك.. اوه .. ابنك مثلا.. او حفيدك..
روبرت :انني لا انتظر احداً
الفتاة : لاحتما تنتظر .. لايمكن
روبرت: (مازحا) صدقيني جئت لاتفرج على هذه الهزيمة..
الفتاة: هل حقا لاتنتظر احداُ ؟
روبرت: كنت انتظر.. لم اعد بعد الان.
الفتاة: هل مات؟
روبرت: اتبلعته مدينة حي سانة.
واذا كان المؤلف من البداية قد اعلن على لسان الاب عبر العناصر الموظفة في النص عن وفاة ابنه سواء في حواراته مع زوجته او مع الشخصيات الأخرى فمن غير الضروري اعادة صياغة عبارات تمنح نفس المعنى عندما يكلم مع نفسه في حوار داخلي (مونولوج) وهو يقول : منذ سنين استلمت خبر موته.
ذلك ان هذه المعلومة ليست جديدة على المتلقي كما انها لاتضيف شيئا جديداُ على الحدث.
اقرب جنس ادبي الى مسرحية ذات الفصل الواحد هو القصة القصيرة لاشتراكهما في بناء الحدث من وجهتين لنفس المنظور تتمثل الوجهة الاولى بعدم تكراره اكثر من مرة والثانية باستخدامه في ادنى حد من التفاصيل والحوارات الا ان ما ينأيهما عن بعضهما ويحدد نهج كل منهما هو الاختلاف في طريقة بناء هذا الحدث لاعتماد بنائه في القصة القصيرة على السرد ومسرحية ذات الفصل الواحد على الفعل الدرامي هذه الاشكالية القائمة بينهما لتبعية مسرحية ذات الفصل الواحد الى القصة القصيرة تجعل السرد في معظم مسرحيات من هذا النوع وليس مسرحيات جليل القيسي فقط عنصرا دخيلا عليها وبالتالي ازاحة الفعل الدرامي منها.
ولعل مثل هذه الاشكالية في مسرحيات جليل القيسي تظهر اكثر في معالجتها الدرامية اذ انها غالبا ماتنتهي بالوعظ والحكمة او بابيات من قصيدة كما في هذه المسرحية التي انتهت ببيت من احدى القصائد الا ان هذا المثلب وغيرها من المثالب التي سناتي عليها لاحقا لاتقلل من شان مسرحيات جليل القيسي لان تجليات مسرحياته والمكانة التي تحتلها في المسرحين العراقي والعربي لم تستمدها من اجتماع العناصر الدرامية حسب وانما نتيجة تعزيزها بمفردات مبتكرة اخرى اضفت عليها جمالاً والقا فريدين كالمكان واللغة الشعرية التي يسكبها في حواراته وعوالمه الوهمية والمتخيلة والاهتمام بالمشهد واغناء الشخصيات الرئيسية بالثانوية الى جانب مفردات وعناصر اخرى…

غدا يجب أن أرحل

ومسرحية (غداً يجب ان ارحل) كمعظم مسرحيات جليل القيسي يدور الحدث فيها في مكان ما من امكنة الانتظار كالمطار في (الابناء الذين لن يعودوا) والصحراء في (زفير الصحراء) والدار في (خريف مبكر) و منطقة حافلة المصلحة في هذه المسرحية التي تبدو لي من انضج مسرحياته رغم انها من مسرحياته المبكرة حيث نشرت في مجلة الاديب المعاصر عام 1975 وذلك لانفتاح النص فيها وقابلية تأويله وتفسيره واختلاف صنعتها عن بقية مسرحياته اذ هي المسرحية الوحيدة التي تتخذ من عنصر التوتر النفسي لحالات الجو والطقس وقوعا تحت تاثيرات مسرحيات تشيكوف نهجا لتقنيتها ربطا بالثيمة وهي كمسرحيات تشيكوف يلفها الغموض ومن الصعب فهمها في القراءة الاولى لعدم وجود خيط مشترك يشد الشخصيات الخمس لبعضها، وهي تتناوب الانتظار في منطقة حافلة المصلحة اذ في النهاية يعرف المتلقي وعبر الجملة التي تطلقها المراة بان الرجل الذي كان بانتظار الباص رقم(6) هو زوجها.
المرأة: (تبكي بحرقة…. بصوت مخنوق) ! الهي واخيرا أتحت بعد هذه المدة الطويلة ان ارى زوجي ..دعني احبه مثلما احبك يا الهي حتى لحظاتي الاخيرة.
تبدا المسرحية بوقوف امرأة في حوالي الستين من عمرها في منطقة حافلة المصلحة لوحدها وهي ترتدي معطفا أسود وتحمل حقيبة سوداء وتضع نظارات سوداء وعلى رأسها منديل اسود وبعد قليل ياتي صبي يرتجف وينفخ باطن يديه بلهاث ويقول لها: هل مر الباص رقم (4) ثم يجري حوارا قصيرا بينهما ويعقبه رجل اخر يطرح عليها نفس السؤال وهكذا ايضا بالنسبة للشابة.
كما اشرت ان العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة لاتتضح الى ان تعلنها المرأة في النهاية وبهذا الاعلان تنكشف كل خيوط المسرحية ولعبتها الحاذقة فالمراة وهي تعرف مسبقا ان الرجل الواقف في منطقة حافلة المصلحة زوجها عن طريق مراقبته في هذا المكان فانها وكمن تعيش في حلم وذلك بالربط بين زوجها والطفل الذي حرمت منه تجعل من الصبي الذي ينتظر الحافلة ابنها هذا الابن الذي اخذه منها والده الواقف الان بجانبها في انتظار الحافلة وهو في الشهر العاشر من عمره.
وياتي توظيف هذا التصور ، تصور المراة للصبي في كونه ابنها عبر عنصرين وهما الصمت الذي يعتمد على الاشارة والكلام الذي يعتمد على اللغة وباستخدام مفردة (خالي).
المراة : وهل جئت الى المدينة لشراء ثلاث نوبات في هذا البرد؟
الصبي : جئت لازور خالي.
المراة : (تبتسم له بحنان) شاطر .. هل تذهب الى المدرسة.
الصبي: (يهز رأسه) في الصف الخامس الابتدائي .
المرأة : (تتأمله بحنان اكثر) ..عال .. اسمع.. ان امك يجب الا تسمح لك بالنزول الى المدينة لأشياء بسيطة.
الصبي : انها لاتوافق على النزول ابداً … انني احب خالي ..احب ان ازوره.
المرأة: حسنا.. اعتقد من الاحسن ان تاخذ واحدة من سيارات الصاروخ من امام زق السماكة هيا اذهب البرد شديد.
الصبي: (وهو يرتجف) ساذهب.. (يتبادل نظرات طويلة وقلقة مع المرأة) …… سأذهب …(يذهب)…
ولو اعدنا قراءة الحوارات الدائرة بين الصبي والمراة لتبين لنا ان مفردة (خالي) ترد مرتين على لسان الصبي وتبتسم المراة له بجنان مرة واحدة وتتامله كذلك بحنان مرة واحدة وبالاضافة الى ذلك فانه اي الصبي قبل ان يغادر منطقة الحافلة يبادلها نظرات طويلة وقلقة..
ان ورود مفردة (خالي) على لسان الصبي مرتين لها اكثر من مدلول لامن وجهة نظر الصبي وانما من وجهة نظر المراة التي تنظر الى الصبي باعتباره ابنها فالخال هو اقرب الى الأم منه الى الاب وهو بذلك يحبها هي الاخرى ايضا وعندما تعرف انه في الخامس الابتدائي تتذكر ابنها الذي لاتدري بأنه الان يدرس في الاتحاد السوفيتي لنيل شهادة الدكتوراه وتتصوره بعمر هذا الصبي وقد مر بنفس المرحلة وتتعجب من ان امه قد بعثته في هذا البرد لشراء اشياء بسيطة وربما طرحت على نفسها هذا السؤال وهي تتامله بحنان لو كانت مكانها ترى. هل كانت تتصرف مثلها؟!
اما لو اعدنا قراءة الحوارات الدائرة بين المراة والرجل والشابة والرجل لاصطدمنا عشرين مرة بالتمام والكمال في مفردة (البرد).
وعلاقة الشاب والشابة بالحدث، هي نفس علاقة الصبي بالحدث من حيث وجهة نظر المرأة التي أعتبرت الصبي أبنها، فأنها ترى في الشابة نفسها هي، عندما كانت في هذا السن، وفي الشاب زوجها ومسوغي في هذا التأويل، يأتي من خلال ربط تأخر الشاب عن موعد اللقاء بالشابة، موازيا لطلاق هذه المرأة من زوجها، سيما والشابة ذهبت مع الشاب، ولم تردعه على تأخره، أو تلغي هذا اللقاء، مثلها ضحية نزواته كأبن وحيد ومدلل، لذا فأن الحوارات الدائرة بين الشاب والشابة، هي الحوارات الدائرة بين المرأة والرجل في شبابهما.
الشاب: آه جداً آسف يا عزيزتي.. ان هذا البرد يعمي الواحد من الغضب (يمسك من يدها) سعيد لأنني وجدتك.. أعتذر.. يا الهي أي برد لعين.. هل كنت تنتظرين من مدة ؟
الشابة: فكرت أن أخذ الباص واذهب.. كان يجب ان تأتي في الموعد.
الشاب: أعتذر لنذهب.
الشابة: وهل تعتقد ان الجو يساعد على
الشاب: جدا.. جدا.. تحركي
الشابة: لكن ..
الشاب: (بغضب) ماذا مرة اخرى… مادخل الجو .. لنذهب .. هيا .. تحركي …
ليس المقصود من البرد الحالة الناجمة من التغيرات الجوية في المناخ والطقس وإنما يأتي هنا كرمز ودلالة موحية الى العلاقة الزوجية المبتورة بين الرجل والمرأة، ولكن رغم مرور ثلاثين سنة على انقطاع هذه العلاقة بينهما، فأنهما يحبان بعضهما، بدليل أنه حاول إرجاعها، ولكن محاولته هذه فشلت، لأن اهلها رفضوا مواجهته، واقسم الا يراها، أو يدعها ان ترى ابنها، أو ابنه، لا فرق، وهجر هذه المدينة مع أخته الوحيدة الى بغداد.
وها هي زوجته الان تقف الى جانبه، ملاطفة اياه، وتتأمله بأمعان، وتدعوه الى الحفاظ والحرص على صحته من البرد بتدثره بشكل جيد، ذلك لأنه ، أي ان هذا البرد، الدال الى العلاقة المبتورة بينهما، قد منعه أن يفتح فمه، ويحرك يديه، متحولاً الى انسان أخرس وشبه مشلول، ويلجأ المؤلف في حوارات الرجل والمرأة، اضافة عنصر آخر من عناصر التوتر النفسي الى جانب البرد، الا وهو المطر، بأعتباره رمزا للخير، والوسيلة الوحيدة لأذابة البرد، اي اعادة العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة، وادخال الابن، ابنهما، كعنصر ثالث، للجمع بينهما، بعد ان ترد المرأة على زوجها بلطف تعقيبا على قوله: المطر.. المطر.. وحده فقط بوسعه ان يذيب هذا البرد الثلجي الذي يلفنا، (هل هذه من كلمات ابنك؟)
وفحوى المسرحية موجز بهذه العبارة، ذلك ان الرجل يأبى ان يدخل ابنهما كطرف لأعادة علاقتهما على سابق عهدها، ويؤاثر عليه المطر الذي لا يهطل، او غودو الذي لا يأتي بالاجابة عليها…. لا.. لا.. البرد عندنا كما تعرفين لا يقتله سوى المطر …
وهذه المسرحية كسابقتها، تتسم معالجتها الدرامية بالقتامة والسوداوية، مثل شخصيتها الرئيسية، وهي بمعطفها وحقيبتها ونظارتها ومنديلها…. وليس فيها من بصيص أمل، سوى السماء الداكنة السوداء التي تلقيان اليها المرأة والشابة نظرة سريعة.. علها.. تمطر..
وأدناه الحوارات المقرونة بـ مفردة (البرد):
*المرأة: وهل جئت من التسعين الى المدينة لشراء ثلاث نوبات في هذا البرد؟
*المرأة : حسنا .. اعتقد من الاحسن أن تأخذ واحدة من سيارات الصاروخ من أمام زق السماكة.. هيا.. اذهب.. البرد شديد.
*الرجل (بغضب): من ساعات وهذا البرد يدق عظامي مثل الهاون
*الرجل: برد وبش .. وبش .. وحشي..
*الرجل: انظر ياسيدتي ماذا يعمل بنا هذا البرد السكين؟
الرجل: كنت من شدة البرد أحرف عليها بغضب جمل هائج
*الشابة: أي رد هذا؟
*الشابة: أوه ايها العم وماذا بوسع الشباب ان يعمل امام هذا البرد؟
*الشابة: ياليت. لكنه برد لعين.
*الرجل: يحتاج الواحد الى اثارة اعصاب، الى غضب، ليسكن وجع هذا البرد الويش..
*الرجل:ربما .. ليث المطر يجئ.. بسرعة ليخفف من وهج هذا البرد الوحشي السيبيري..
*الشابة: آه ايها العم. تقول نصف السيبيري، اعتقد لايوجد فرق كبير بين برد مدينتنا وبرد سيبيريا
*الرجل: كلا أبني يدرس الجيولوجيا في الاتحاد السوفيتي ويشتكي من البرد كثيرا..
*الشاب: ان هذا البرد يعمي الواحد من الغب
*المرأة: آه .. شاب ويشتكي من البرد
*الرجل: يكتب لي ما ان تمس موجة البرد الأذن حتى تطرش
*الرجل: تأملي أي برد هناك
*الرجل: المطر وحده فقط بوسعه ان يذيب هذا البرد الثلجي.
*الرجل: لديه رسائلي، ثم قليلا من الفودكا الذي يقول عنه انه وحده يؤدب البرد.
*الرجل: … اما اذا كنت تأملين ان يخف هذا البرد فبالعكس يصبح اكثر وحشية وسعارا..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *