كاظم حميد الزيدي: الأهمية الأشتغالية للسرد في رواية الإرسي لسلام إبراهيم (ملف/99)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراق

مثل الكثير من الروايات العراقية التي صدرت بعد  2003 تعرضت رواية الإرسي لسلام إبراهيم إلى موضوعة النظام الدكتاتوري الشمولي في العراق وأرخت لفترة ٍجحيمية أحس فيها الناس بأنهم يفقدون الحياة شيئا ًفشيئا ً،أو بكلام آخر إن الحياة ببساطتها هذه المنحة الإلهية قد غدت ملك للنظام بغيض سن لها الطرق المقززة التي أجبر الناس على سلوكها إذا أرادوا أن يسلموا من بطش النظام وقوته.لقد أصبح الوطن سجنا ًكبيرا ً،وأصبحت أبسط الأشياء حلما ًلا يمكن تحقيقه.هذه الرواية ببساطة محاولة لتحقيق حلم إنسان ،يريد أن يمارس إنسانيته،كالسير في الشوارع دون خوف،أو الاستيقاظ صباحا ًدون أن يضع في باله إنه سيكون في أي ساعة ٍنزيل أحد طوامير النظام بعيدا ًعن الضوء والحرية.أن يمارس الجنس دون أن يشعر بأنه بحاجة إلى تصريح من الحكومة.أن الواقعية المرة التي تعرضت لها الرواية غطت فترة زمنية معينة تقارب ثمانية أعوام ،هي أعوام الموت والجحيم والخوف المرعب من تهمة الخيانة.أعوام الحرب العراقية الإيرانية.التي راح ضحيتها مليون إنسان.،حرب بغيضة أحرقت الأخضر واليابس وراح ضحيتها الوطن وأبناءه وأنهار كل شيء بدءا ًمن اقتصاده وإنتهاءا ًباخلاقه.وبطل الرواية يرفض هذه الحرب ،وعلى هذا الأساس يبني موقفه الأيدلوجي.فيقول في ص80مخاطبا ًصديقه هاتف حسين(هو يعرف نيتي الدائمة وقلقي القديم وعدم قناعتي بطبيعة الصراع وأطرافه)

سلام إبراهيم بريشة الرسام عادل الهلالي

ثم يرى أن الوطن تحول الى ص85(مدينة منتهكة ،بجوامعها مخربة،ومآذنها المحطمة،وقباب الأضرحة المثقبة وابوبها المكسورة وحنفياتها المعطلة،بيوتها مهجورة متداعية الجدران مخسوفة الأسقف،كنت وحيدا ًوسط كل هذا الخراب.لهذا كله ترك الخراب محاولا ًترميم ما تبقى من حياته،فتحول بنظر السلطة إلى هارب من الخدمة العسكرية،وهي حسب النظام جنحة مخلة بالشرف،يعاقب عليها بالإعدام.ولكي يتقي شر ذلك،هرب وساح في المدن العراقية ومن بينها العاصمة بغداد،ثم من بعد هذا الطواف المرعب عاد إلى مدينته مشتاقا ً إلى الزوجة والولد، وأختار أن يتخذ من بيت العمة الأرملة مكانا يتدارى فيه عن عيون السلطة .وهنا في جحيم الأرسي تبدأ الرواية ولا تنتهي.لا يفصح الكاتب عن الفترة الزمنية التي بقى فيها بطلة أسيرا ًفي الارسي ولكنه يضجر بعد مرور الوقت فيشي بمكانه الذي لا يعلم به أحد سوى عمته،الى زوجته ويطلب منها تحضير الأمور وإعداد العدة لغرض هروبه الثاني إلى شمال العراق لكي يلتحق بالثوار هناك ويمارس فعل الثورة والتغيير هذا هو الخط العام للرواية.وهو خط موضوعه يشبه الكثير من الروايات العراقية التي صدرت بعد 2003على الأقل التي وقعت بيدي وقرأتها مثل رواية(خضر قد والعصر الزيتوني )لنصيف فلك،ورواية امرأة القارورة ل………ومقامة الكيروسين لطه شبيب وكلها اتخذت من عصر الدكتاتور والمتضمن الحرب العراقية الإيرانية خلفية لصراع البطل من أجل البحث عن الحياة التي تمنحه الحرية من أجل المواصلة والإبداع.يقسم الكاتب سلام إبراهيم روايته الى قسمين كبيرين ويطلق على كل قسم البرزخ،ونحن نعلم ما للبرزخ من دلالة لغوية، فالأول هو برزخ الإرسي ونفهم من الاسم إنها حياة تشبه حياة البرزخ في المصطلح الفقهي التي تفصل بين الحياة الدنيا والآخرة ،فيكون على ضوء ذلك ،إن الحياة في الإرسي هي حياة فاصلة بين الحياة الجحيمية التي عاشها البطل والحياة التي يريد ان يهرب اليها،وهي حياة الثوار في الجبال.وعلى هذا الأساس لا بد أن يكون القسم الثاني وهو برزخ الجبل متضمنا ً مغامرات البطل والحياة التي عاشها في الجبل ،والبرخ الأول يكون للحياة التي عاشها وهو سجين مختفيا عن الأنظار.ولكننا نتفاجيء إن الراوي ينتقل في الصفحة الرابعة أي بعد التأسيس الروائي للأحداث وتشخيص البنية المكانية والزمانية وضمن برزخ الإرسي إلى أحداث منطقة الجبال.بطريقة تداعي الأفكار أي فلاش باك فيقول(أركب جنح الموجة الصوتية المكتومة ،الآتية من أزمنة ٍسحيقة والذاهبة الى آماد ٍلا متناهية،أبحر في الحالك،الممتد بين لحظتي..لنغمة اصطدام الفتات بالأشياء الغاطة في العتمة ،نفس وقع ذلك التساقط الرتيب لنتف الثلج وأنا أسير في ذيل قافلة الرجال والبغال الخائضة في حلكة ليل الجبل الأخرس) وهذا قد يتعرض مع ما جاء في نهاية برزخ الإرسي حيث يقول في ص108وهو يتحدث عن معاناته في برزخ الأرسي إلى زوجته التي قرر أخيراً أن يطلعها عن مكان اختفائه(هل أدركت فداحة ما أنا فيه؟كل الذي سردته يكاد يتكرر يوميا، أما الأيام التي أقاوم فيها شهوة الخمر،فأكون في ضيافة هواجسي،رعبي في الصحو ،ورؤى كوابيس الهلع في النوم التي لا أستطيع سردها لك وقد لا أبوح بها إليك حتى لو وصلنا بسلام إلى الثوار في الجبل)وبذلك نفهم من طبيعة السرد والتداعي إن بطل الرواية قد ضاق عليه برزخ الإرسي بما حمله له من معانات وهو ينتظر بفارغ الصبر اللحظة التي يدبر فيها هروبه الى الجبل.ويترك برزخه الأول إلى برزخه الثاني.الذي أطلق عليه الكاتب برزخ الجبل.وإذا أسلمنا إن هذا ليس خطأ ً،في تكتيك القصة واشتغالها وإن البطل كان فعلا ًيمتلك تداعياته عن حياته في الجبل وهو في برزخ الأرسي.يعني إن برزخ الإرسي كان مرحلة ثانية أي جاء بعد خوض التجربة مع الثوار وهذا يتحتم بحصول هروب وتراجع عن تلك البيئة.بينما الرواية إنتهت والبطل يعالج من ضربة ٍكيمياوية في أعلى الربيه في حمام كيمياوي.بعد قصف الطائرات العراقية للجبل. فإذا كان الأمر كذلك،يكون من العبث إطلاق برزخ الجبل على القسم الثاني من الرواية.إن واقعية الرواية الشديدة ،والتي مرت أحداثها على أغلب العراقيين والتي كانت دكتاتورية النظام والحرب العراقية خلفية لها استحوذت على الكثير من الروايات التي صدرت بعد انهيار النظام. والكاتب في هذه الحالة يحتاج إلى مزيد من التفرد والتميز للارتقاء بروايته إلى مصاف الأعمال التي تعكس رؤية الكاتب للعالم من خلال الفن الروائي الخالد.واحسبه قد فعل من خلال سرد متميز شاعري أسطر الأشياء العادية وجعلها تحلق بعالم يميل أحيانا إلى رمزية عالية في الأداء كتلك المقاطع التي حلق بها مع نادية ليرى العالم الحقيقي وهو يسبح في شفافية عالية كشفت عما يريده الروائي من فضح لممارسات النظام والكشف الجري عما هو مكبوت في حياة الشخصيات.ففي ص93نقرأ:

الهي يدك….الهي الرحيمة يدك…المباركة يدك…الجليلة يدك…القادرة يدك ..الهي مدها وخلصني…من غور الرخام ومن سكون متاهاته..من صمت التحديقة الأبدية هذه.إنها لغة شاعرية وسحرية عالية الأداء مسترسلة العطاء فصيحة، ابتعدت عن كل ما يجعل بينها وبين القارئ برزخ أو حجاب،اللغة الطفولية قادت القارئ على أن يسافر مع البطل وتسحبه داخل تداعياته ولا تخرجه منا حتى ينتهي متسائلا أين البطل الآن وماذا يفعل.أن بدايات الكاتب القصصية كانت واضحة المعالم في عمله الأول هذا،فطبيعة السرد المطول،وقلة عدد الشخصيات، وقلة الحورات المتبادلة بين الشخصيات كلها من متطلبات القصة القصيرة.والكاتب أولى للسرد أهمية كبيرة وكان ذلك على حساب رسم الشخصيات ،فلم يرسم لنا شخصيات حية تستطيع أن تبقى في الذاكرة طويلا إلا شخصية أو اثنين لم تتعدى شخصية عمة البطل الأرملة وهي نموذج مستهلك للام العراقية وزوجت البطل الشهوانية والشعبية والمناضلة والمتهورة.أما بقية الشخصيات فكانت تسبح في ضبابية غير دقيقة في تشخيصها ورسمها.أما الجنس وهو كما معلوم أحد المحرمات في المجتمع العربي والعراقي على الخصوص ولكن الكاتب سلامة دخلة بجرأة عالية جدا ًتشبه إلى حد بعيد جرأة الكاتبة عالية ممدوح في روايتها الموسومة بالتشهي فلم يبق شيء من الجنس إلا وصفعوا به وجه القارئ وبذلك فقد الاثنان شريحة عريضة من القراء الذين يطلق عليه المحافظين ولا أحسب هذا سبق تغرد في الأعمال الروائية في الجرأة على كشف المخبوء والمسكوت عنه.

 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *