حسين عيد: الروائي محمود سعيد …رحلة بين الرغبة والتحقق، حنين عراقي يفيض في زقاق مغربي

**إشارة** :

لو كتب التاريخ السردي للرواية العراقية فمن المؤكد أن رواية ” زنقة بن بركة ” للمبدع ” محمود سعيد ” ستمثل علامة فارقة كبيرة في هذا التاريخ .. بعد تسعة وثلاثين عاما يعود الناقد المصري ( حسين عيد ) لقرلءتها وتقديم هذه الرؤية النقدية الجديدة عنها ..

يتوضح من هذا المفتتح، عدد من النقاط: أولها، أنّ هناك (حدثا) أكثر أهمية من المعتاد، قد حدث للراوي، المدرس العراقي المغترب، “سي العربي” في تلك العطلة، وذلك في أيام مضت وانقضت، بما يثير اهتمام القارئ. وسرعان ما يسفر عن كنه هذا الحدث، في نهاية المفتتح، معبرا عنه بأنه “تجربة العمر المثيرة، التي تزوّق أحلام كل شاب”، بما يثير شغف القارئ أيضا، ويؤطر (حبكة) الرواية، التي تشكل (الصدفة) عنصرا حاسما في تضفير تيارها، وذلك في مكان وزمان محددين، هما المحمدية “فضالة” بالمغرب، خلال عام 1965.
والآن، إذا تحركنا مع المسار الروائي، الذي شكلت تلك الافتتاحية مفتتحا له، فان أول ما يلفت الانتباه، هو أن (الصدفة) تلعب دورا حاكما في بدايات الأحداث وتطوراتها، وللمثال حدث تعارف بطل الرواية “سي الشرقي” مع الشخصيات الثلاث الرئيسية الأخري بالصدفة: مع “سي الحبيب” بالصدفة، في مكتبة المدرسة خلال زيارته لأمينها، ومع “سي إدريس” في قاعة قمار بالصدفة، ومع “رقية” بالصدفة أيضا حين قابلها في مقهي “سي صابر” بصحبة “سي الحبيب”، الذي طلب منه أن يوصلها إلي شقة “سي الجزائري” الخالية، حيث ستقيم خلال تواجدها في فضالة، فكان هذا اللقاء مدخلا إلي العلاقة التي ربطت بينهما، وكونت عصب الرواية الرئيسي، في ذات الوقت.

وإذا كان بطل الرواية، قد عثر في “رقية” أجمل الجميلات، وأكثرهن غني وتحررا، علي فتاته وحلم حياته، فإنها قد عرفت، منذ البداية، بحكم خبراتها أنه يريدها بجماع رغبته، لذا راحت تمارس عليه لعبتها المفضلة، فتدللت، ودعته إلي أن يظلا صديقين، ليزداد اشتعالا ويتبعها صاغرا، آملا أن تتحقق رغبته، وأن ينال المراد في نهاية المطاف!
ورغم أن (الصدفة) أتاحت لـ”سي الشرقي” عديدا من الفرص، تهافتت عليه فيها شابات مغربيات جميلات، لكنه ظل صامدا، وفيا لمحبوب، صابرا في انتظار أن يتحقق أمل عمره مع “رقية”!
شخصيات متقابلة ومتوازية:
لنتوقف، هنا، قليلا أمام شخصيات الرواية الرئيسية، التي رسمها محمود سعيد تارة متقابلة (سي الحبيب وسي إدريس)، (قب ورقية)، وتارة أخري متوازية (الراوي وسي الحبيب)، (سي إدريس ورقية).
“سي الحبيب”: شخصية وطنية لعبت دورا أسياسيا هاما في تاريخ المغرب، حيث “كان النضال الشاق ضد الفرنسيين قبل الاستقلال، وضد الجمود والخصوم المتناحرين بعده قد حنكه، وأوصله من ثم إلي مرتبة من المجد لم يصل إليها بجهوده إلا القليل من الشخصيات المرموقة في قليل من البلدان”، ثم “أجبر علي الإقامة في المحمودية في اثر الأحداث العاصفة التي طحنت البلد في أوائل الستينات، وكان هاربا في طريقه إلي الشرق حينما ألقي القبض عليه، ولم ينقذه من حبل المشنقة سوي الجلطة القلبية الشديدة التي طرحته وقتا طويلا معلقا بين الحياة والموت في سجن المستشفي، في عناية أطباء وممرضين يخفون عطفهم بقناع متجهم من تأدية الواجب، وحين انتهت الأزمة بسلام وأحيط بإهمال المسؤولين البالغ، مارس لعبة العيش بعدها مضعضع القلب، بوصايا مشددة تحذره من أي إجهاد أو نشاط أو صدمات تؤدي به إلي الهلاك”
“سي إدريس”: هو الشخص (المقابل) لسي الحبيب. وقد حكي عن نفسه للراوي، فقال “كنت فقيرا بائسا حافيا مستعدا لعمل أيّ شيء. سي الحبيب أنقذني.. أرسلني إلي فرنسا.. اشتغلت بكل الأمور.. لم أكن أشمئز من عمل شيء شريف أو غير شريف.. حتي عثرت علي نفسي في ألمانيا”، وهناك حقق كل ما كانت تصبو إليه نفسه، وصار ثريا، ثم اشتري مزرعة في المغرب من معمر فرنسي، ووفر فيها كل المتع من طعام وشراب ونساء، ولم يكن يخشي المزارعين بعد أن ضاعف أجورهم، واشتري لهم أحذية من مكاسب القمار. لكنه ظلّ يكره النساء، ويضايقه أن سي الحبيب يحتقره.
الشخصيتان المتقابلتان الأخريان، هما: “قب”: أحد أبناء الشعب المحرومين، يعمل في مقهي صابر، وهو عملاق صامت، يمسك دائما عصا سوداء أنيقة، تخفي بداخلها نصلا حادا، كما انه قوي “يستطيع أن يكسر رقبة أي رجل بضغطة واحدة كالفأر”. لكنه مخلص، يحبّ سي الحبيب، الذي أوجد له – أيضا – عملا في فرنسا، لذلك يستعد للرحيل.
أمّا “رقية”، فهي الشخصية (المقابلة) له. أنثي من الطبقة العالية، شديدة الثراء، شديدة الجمال، شديدة التحرر، لا حدود لحرية حركتها أو اندفاعها.
وكان بطل الرواية “سي الشرقي” يتشابه ويتوازي مع “سي الحبيب”، لذلك يقول “في الأشهر الثلاثة التي أعقبت تعارفنا، نمت بيني وبين سي الحبيب ألفة هادئة استحالت جذرا قويا لشجرة باسقة تكبر بهدوء ولكن بثقة”
كما كانت شخصية “رقية” تتشابه تتوازي مع “سي إدريس”، من زاوية مساحة حرية حركتهما، التي لا تحدها ضوابط أو كوابح، وقد بدا ذلك في موقفها أمام سي الشرقي، حين تحدته أن يراهن علي أنها تستطيع أن تجعل سي الحبيب، الرجل الذي ليس له أي نشاط نسائي، يقع في حبائلها. وهو ذات الموقف، الذي وقفه سي إدريس، حين تحدي الراوي – أيضا – أن يراهنه أن يسقط محبوبته رقية!
صراعات محتدمة:
وعلي الرغم من أننا نتابع كقراء، هذا الصراع المحتدم المتوتر، الذي يعانيه سي الشرقي، لاهثا وراء محبوبته رقية، إلا أننا سنكتشف قرب نهاية الرواية، أنّ هناك صراعين آخرين دارا في (الظل): أحدهما صراع رقية للإيقاع بسي الحبيب في هواها، وهو ما سبق أن راهنت “سي الشرقي” علي حدوثه، والثاني صراع “سي إدريس” للإيقاع بـ”رقية”، وهو ما راهن “سي الشرقي” علي حدوثه!
كانت تلك هي محاور الصراع الثلاثة الرئيسية، التي صنعت (حبكة) الرواية. فكيف وفق محمود سعيد في تضفيرها؟
كان محمود سعيد (محكوما) بمنظور السرد من زاوية “سي الشرقي”، بطل الرواية وراويتها، فكان منطقيا أن يحتل مقدمة مسرح الرواية، وأن تحتل بالتالي علاقته مع رقية وصولاته وجولاته الأخري فضاء السرد الروائي، وهو ما كان القارئ يتابعه ويتعرف عليه أثناء القراءة. ولكن ماذا عن محوري الصراع الآخرين: (رقية وسي الحبيب)، (سي إدريس ورقية)، اللذان يصنعان مع المحور الأول (حبكة) الرواية، ويدفعان بالأحداث إلي ذروة الختام الأخيرة؟!
لعل ذلك بدا (كإشكالية) أمام محمود سعيد، وذلك لسببين: الأول ضرورة توفير (الزمن) اللازم لتطوير تلكما العلاقتين، والثاني أن تلك الشخصيات تدور في فلك بعيد عن الراوي، وبالتالي لن يتسني للراوي أن يعرف تطورات ما حدث لهم.
وربّما وجد محمود سعيد حلا لإشكالية توفير الفترة الزمنية اللازمة لنمو وتطوير هاتين العلاقتين، أولا أمام رقية حتي تتفرغ للإيقاع بـ”سي الحبيب” بعيدا عن رقابة “سي الشرقي” أو تواجده أو احتمال ظهوره، بما قد يفشل مخططها، وذلك حين جعل (الراوي) “سي الشرقي” ينزلق بفعل (الصدفة) علي قشرة موز في مسكنه، لتكون النتيجة مكوثه مجبرا في المستشفي لأكثر من شهر يعالج فيه ساقه التي كسرت. وهو ما أتاح فترة زمنية مناسبة أمام “سي إدريس” أيضا ليوقع رقية بعيدا عن عيني “سي الشرقي”، حين دعي بعض الأصدقاء “سي الشرقي” للذهاب إلي طنجة لمدة ثلاثة عشر يوما، بعيدا عن رقية، فوافق وذهب معهم فعلا!
أما الإشكالية الثانية، حول دوران تلك الشخصيات بعيدا عن فلك الراوي، فكان الحل أن تجمع بينهم جميعا ذروة جامعة، تضيء ما خفي أو (غمض) من تلك الأحداث، وقد تم ذلك حين تسلل “سي الشرقي” إلي الشقة، التي تقيم فيها “رقية”، بمفتاح إضافي كان قد اصطنعه (؟!)، ليكتشف وجودها مع رجل، لم يستطع أن يعرف من هو، بينما يشاهد “قب” تسلله(؟!)، ليفاجأ بعد ذلك بسقوط “سي الحبيب” مصابا بأزمة قلبية تقوده إلي غيبوبة دائمة، وسرعان ما يفاجأ بمقتل “سي إدريس”، الرجل الذي كان مع “رقية”، ويفسّر “قب” لـ”سي الشرقي” ما خفي من الأمر، بان “سي الحبيب” كان سيخطب رقية، وان ما شاهده عجّل بإصابته بالأزمة القلبية.
هذه الذروة الجامعة، جعلت القارئ يفطن إلي ما خفي من أحداث، أو يخمنها وفق ما تحقق من نتائج، ليصل إلي أن “رقية” نجحت في رهانها وأوقعت “سي الحبيب” في حبالها، وان “سي إدريس” نجح أيضا في مسعاه وأوقع “رقية”، وان القاتل المحتمل هو “قب” لإخلاصه لـ”سي الحبيب”!
خاتمة عقلانية:
لعل أول سؤال يطرحه القارئ علي نفسه، إزاء ذروة الختام الأخيرة، هو لماذا أقبلت “رقية” علي “سي الشرقي” بعد طول إعراض؟
قد يرجع الأمر إلي ظنّها بأنه قتل “سي إدريس”، لأنه يحبها، وهو ما عبّرت عنه بقولها “أعلم أنّ حبك ليس له حدود، ومنذ مراهقتي كان الرجال يخضعون لي ويبدون استعدادهم للتضحية، غير أن ما فعلته في سبيلي لن يحدث سوي مرة واحدة لكل مليون فتاة. الآن عرفت قيمتك”
أما هو فحاول أن يوضح لها أنه لم يقتل، وانتهي إلي رفض الارتباط معها بأيّة رابطة، معللا ذلك لنفسه “لأني كنت أعرف القليل عن نفسي، ومن هذا القليل أعرف نقطة ضعف كبيرة – عبودية اللذة – وكان ارتباطي بها لا يعني سوي فقدان حريتي”، و”كنت تحت ووطأة فكرة أن لا أقبل ثمرة تضحية لم أقم بها تقودني إلي العبودية”
هنا، لم (يعرف) بطل الرواية، نقطة ضعفه الكبيرة، من ذلك القليل، الذي يعرفه عن نفسه (؟!)، وان انتهي إلي توضيح ما ترتب عليها من نتائج (مؤكدة) بأنها (عبودية)، وذلك بتكرارها مرتين، ثم أضاف إليها (فقدان) حريته، ولم يقبل نتاج فعل لم يقم به.
نحن، هنا، إزاء

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. عايدة الربيعي : الامتداد الإبداعي والطلاقة والمرونة عند الفنان التشكيلي العراقي مهرجان كلاويز الدولي 2022.

يرى البعض من النقاد ان فن التصوير (الرسم الملون) هو فن حسي اكثر مما هو …

| د. فاضل حسن شريف : الهجرة القسرية واللجوء في القرآن الكريم.

صادف خلال شهر يونيو حزيران اليوم العالمي للاجئين. كلمة لجوء مصدرها لجأ، واللجوء تأتي بمعنى الالتجاء. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.