عذابات سريالية كافكوية في ترانيم أرابخا
قراءة:أياد أحمد حمدي

مدخل:
بدءاً أنا لست ناقداً..صحيح إنَّ لي قراءات متواضعة في النقد ألأدبي حيث قرأت ألتوسر وجورج لوكاش وغيرهم كثير، ألا أني وجدت نفسي مضطراً أن أقدم هذا التحليل المتواضع لبعض قصائد الشاعر محمد خضر أثر أهداءه لي مجموعته الرائعة ترانيم ارابخا..
عند قراءتي ألأولى لها لخصتها في جملة الفرنسي الوجودي “سارتر”ولقد ألقينا في قاعٍ مظلم”..ألاّ أني سرعان ما أكتشفت خطأي عند قراءتي لها مرة أخرى فرحت أصنف ألقصائد من حيث المبدأ واللوحات وما يتداخل فيها من عذابات سريالية وكافكوية وألم كل ألأدباء والشعراء الذين قرأت لهم ولم أنسَ حتى ت.س.أليوت .
الحمد لله اني تعرفت على هذا المكان الصغير(1) الذي يضم ثورة شعرية مسجونة في ذلك الزقاق الضيق..
نعود للقصائد ففي “حلم شاعر” نجد القلعة ذلك الوطن المُعذَّب الذي يستوعب كل شيء حتى العصافير ولكن كل شيء هنا يموت ..ألم..خرائب ، وغربة هذا ألألم في تلك اللوحة الرهيبة
كطير خرافي “جمري القلب”
بصقيع شتاء كركوك
حاملاً وعاء الرب
وحيداً قرب القلعة
ما أروع هذه الصورة “جمري القلب” أنها لوحة فوقية حتى في جنون بيكاسو في فترة “التكعيبية” هذه الكلمات تفلتْ من الجمال الى فوق الجمال لذا أؤكد من وجه نظر متواضعة انه ظلم أن يقبع كاتب هذه القصائد في هذا المكان..(2)
أكمل قراءة ألأبيات المدهشة ثم أسرد وجه نظري لأني من النوع الذي لايستطيع أن يقدم دراسة( لأن القصائد تستحق دراسة)..
في القصيدة التالية:
ازدهرت القذارة
صار القيح شعاراً
وتتصاعد رهبة الكلمات عند
أنتظر ختم الدخول
هناك لأرقد
رقدتي ألخيرة
وفي بويب (من أين لكَ هذا)
هنا يموت السمك
فاقداً وعيه
بخمر الخاصة
مرة أخرى أخطأتُ عندما كان المأخذ الوحيد على القصائد لحد الآن هو أني لم أجد تطور الثورة الداخلية أثر تعب وألم شديد وخراب داخلي ,ألأمل ضعيف وألأستسلام تام ألا أن ما ينقذ الطرح هو ذلك ألأيمان .. فلو ننظر لنصب الحرية لجواد سليم فأننا نرى رغم ألألم والسياط والدمار تنمو الثورة وتتطور وتنكسر القضبان وينطلق حصان ..كان من المفروض لحد الان ان تكون هناك ولادة جديدة وكل ولادة تحمل نموذج جديد وصولاً الى النقاء ألبشري سنى الحل في القصائد التالية إن وجد!
في “فتيان”
تاهتْ حوافر خيلها
كبرت فيافيها
صرنا دوما للهزيمة
هنا يضيع قانون الحركة وتصور انه عند ضياع أي قانون عليك أن تكتب رواية كاملة عن ذلك المقطع من فتيان..
في أضرحة
عاقرة نجوم بلدتنا لا تلد
ألاّ حزن الأرامل
سأستمر في القراءة وعيناي على النجوم عسى أن تلد ! وأنا متأكد من ذلك
في عيون الحوم و”تلك القلعة الوطن”ثم”وكل قبر فيه أنا” وأخيراً
وعيوني أنفجرت نجوما أثرية
تزدهر فوق القلعة … تضيء وتموت
هنا قتل شاعرنا “كافي” كفى ليكون الان هذا الدهليز “النفق” المظلم لابدَ أن يكون له مخرج وال فضاء عندها سنرى النور وهذا رائع لقد بدأتْ الولادة !…
في “جسد” أنوجود ألأنا شيء مهم ولابدَ منه ألأنا هنا هو البطل الذي يقع تحت تأثير الزمن ومبرر أن ينتصر .. أو لا المهم حركة الزمن فأن كلكامش لم ولن
يحصل على مايريد لكنه بطل ضمن مكان وزمان ومرتبط روحياً وله ظلٌ آخر أنكيدو
وعليه ختم بني جهل ثم
زادتْ حدائق السياط
هذه أضافات ألألم للشعر العراقي الحديث.. أنا مرتاح هنا جداً لأن تطور ألألم يعني “وجود بطل” “قوي” “مازال الجسد كما هو” في وطن محطم وتلك الروح المتعبة ألا أن المهم أن الحركة بدأتْ تتطور وتزداد في ترانيم أرابخا
أنا الوحيد الماسك .. بمرآة وجهي
بدأ البحث هنا عن حل وظهر أصرار في فهم طبيعة ألأشياء وبدأت معادلات القصائد متزنة تبحث عن حل رغم رعب الليل والخراب..
في “عناكب النبي” تتطور اللغة وتزداد روعة كما هي في كل بيت وهذه الصوفية التي أفرحتني على قدر فهمي لها
اليوم لدينا ضيوف
ورؤوس القمح فارغة “ألله..ألله..ألله”
وتستمر الروعة ثم
كثرت خيوط العناكب
هذه الصورة تحتاج الى رسام وعالم نفساني وأديب فهم ألأجدر بخلق كتاب كامل عن هذا البيت الرائع..
أستمرار طرح الواقع المر ألأسود في ترانيم ارآبخا وتصل ذروتها
هنا الكلاب نهاراً تنبح
أخيراً أصبحنا أمام لوحة كلوحة “العشاء ألأخير” منسجمة ومتطورة وأخذتْ تبحث عن حل وهذا جميل “ولقد دمعتْ عيناي في رغيف نفط”
وأخيراً وجتُ في النهاية ما يأتي: أنا..حركة .. ألم .. مكان .. زمان .. تطور..
وهذا شيْ رائع يا محمد خضر وأعذرني عن عدم التماسك في الطرح لأن سلفادور دالي أثر عليّ سريالياً .. وكان كافكا وبطله المعوق يعوّق دائما طرحي..

الهوامش:
(1) المكان هو ملتقى الزمن للثقافة والفنون الواقع في الزقاق الثاني لشارع سينما الحمراء
(2) المكان نفسه

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صادق المخزومي  : قصيدة الرصيف للشاعر صباح أمين – قراءة أنثروبولوجية.

مقدمة من مضمار مشروعنا ” انثروبولوجيا الأدب الشعبي في النجف: وجوه وأصوات في عوالم التراجيديا” …

| خالد جواد شبيل  : وقفة من داخل “إرسي” سلام إبراهيم.

منذ أن أسقط الدكتاتور وتنفس الشعب العراقي الصعداء، حدث أن اكتسح سيل من الروايات المكتبات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *