الدكتور زهير ياسين شليبه: ذكرياتي عن الروائي الراحل غائب طعمه فرمان (ملف/30)

إشارة :
تمرّ الذكرى الثلاثون على رحيل المبدع العراقي الكبير غائب طعمة فرمان بلا احتفاء يليق بقامته الروائية العظيمة . تفتتح أسرة الناقد العراقي هذا الملف كمساهمة في هذه الذكرى ، وتدعو الأخوة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بما لديهم من بحوث ودراسات ووثائق وذكريات عن الراحل الكبير .. وسيكون الملف مفتوحا من الناحية الزمنية حيث لا حدود زمنية للإبداع العظيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

فرحت للغاية عندما قرأت خبرَ وضع نصب صغير للكاتب العراقي الراحل غائب طعمه فرمان في مكتبة الآداب الأجنبية “إنَسترانكا” في العاصمة الروسية.
كنت أتمنى أن تتحول شقته في موسكو إلى متحف خاص به وطرحت هذه الفكرة وقتها على زميله الكاتب الراحل فؤاد التكرلي لينقلها الى المسؤولين، لكن يبدو أن هناك اموراً أهم من الثقافة تشغلهم كثيرا، ولا أدري هل تستلم أرملته إنا بيتروفنا تقاعدَه الخاص من الحكومة العراقية أم لا؟
أكثر من ثلاثة عقود مرت على دفاعي عن أطروحتي المكرسة لأعمال كاتبنا العراقي الراحل غائب طعمه فرمان، وأود اليوم في هذه المناسبة أن أكتب انطباعات جديدة لم اذكرها سابقا.
كنت متحمسا للكتابة عن غائب ط. فرمان بدافع حب الثقافة العراقية الوطنية وأيضا لأني أحببت “النخلة والجيران” التي قرأتها في بغداد حين إصدارها، رغم إنشغالنا بالروايات الأوروبية في ذلك الوقت، وأحسست أن هذه الرواية متميزة وأكثر تشويقية وسلاسة من الروايات العراقية الأخرى، وتعلقت فيما بعد بأعماله اللاحقة وبالذات “المخاض” و”خمسة أصوات”.

تمثال نصفي للراحل الكبير غائب طعمة فرمان في صالة المطالعة الرئيسة لمكتبة الأدب الأجنبي في العاصمة موسكو.

ولابد لي هنا من أن اذكر أن الصديقين العزيزين فائز الزبيدي وزوجته سميرة يوسف اللذين شجعاني على هذه الدراسة، وهما مِن اول مَن طرحت عليهما الفكرة بعد أستاذتي المشرفة الراحلة المستشرقة البروفيسورة فاليريا كيربيتشينكو حيث كنت أدرس في معهد الإستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفييتية.
قد يكون هذا “الولاء” أو هذا الإعجاب بأعمال غائب فرمان سببا أو حاجزا منعني من رؤية الجوانب السلبية أو مواطن الضعف في أعماله، كما عبر لي بود أحد المستشرقين المتخصصين بالأدب الأذربيجاني في معهد الإستشراق الأستاذ توفيق ولا اتذكر لقبه، وقال لي أيضا بأنك ستعي هذه المسألة بعد عقد من الزمان عندما تعيد قراءة أطروحتك.
طبعا تقبلت رأيه، انا فعلا كنت واعيا لهذا الأمر وحاولت قدر المستطاع أن أكتب عن غائب ط. فرمان بموضوعية مستئنسأً بآراء الآخرين وبالذات الأكاديميين المستشرقين مثل البروفيسور جيراسيموف المتخصص بالأدب الفارسي و مشرفتي وآخرين، وأعتقد أني توقفتُ عند الآراء التي انتقدت اعماله، مثل طريقته بالكتابة ب” الأسود والأبيض” على حد تعبير جبرا ابراهيم جبرا.
أنا فعلا كنت متحمسا للكتابة عن غ. ط. فرمان لكن هذه الحماسة لم تكن “حباً” أعمى، ولهذا لم تمنعني عن النظرة الأكاديمية الموضوعية لنتاجاته وفرز سلبياته عن إيجابياته وملاحظة الفرق الكبير بينها والأعمال الكبيرة التي ترجمها أو قرأها وإجراء مقارنات حقيقية قدر المستطاع.
وقد استنتجت وأدركت فيما بعد أني إزاء كاتب عراقي وطني، ملتزم حتى العظم بقضيته العراقية لكن بدون تهريج، غير متحمس للحزبية بمفاهيمها الدعائية، شبه منفي، مغترب، مقيم في عاصمة شيوعية، لكنها تتنفس يوميا بالأدب الكلاسيكي الروسي أكثر من الأدب السوفييتي، متزوج من إمرأة من هذه البلاد، إسم إبنه سمير، يحبه كثيرا، يتمنى لو يتكلم العربية، مرتبط ارتباطا حقيقيا ببيئته وتجاربه الحياتية الشخصية وانتماءاته الوطنية والفكرية والثقافية وذكرياته القديمة وأجوائها وطبيعتها وحتى نمط الكتابة والتفكير، إضافة إلى معاناته من “الإحباط” رغم رفضه له في “ظلال على النافذة”، الأمر الذي قد يكون منعه من الإنطلاق بفكره وتجسيده له بروايات ذات مغزى فكري وفلسفي أعمق وغير مقتصرة على نمذجة الشخصيات العراقية ووصف المكان.
أتذكر أننا تحدثنا فيما بعد عن هذه الأمور عندما سألتة عن مقدمته بالإشتراك مع محمود أمين العالم لمجموعة “قصص واقعية من العالم العربي”. كانت المقدمة خطابية ومتحمسة لأفكار الواقعية الإشتراكية بحيث إني كعادتي مازحته عنها، وتجاوب معي وكان أكثر وضوحاً وصراحة، فكان أقرب ألى أفكار بيلينسكي النقدية ودوبرلوبوف حيث أبدى لي اعجابه الشديد به، واعتقد أنه ذكر لي بأنه كان يترجم دراسة نقدية له.
وقبل أن أنشر كتابي عن غ. ط. فرمان بالعربية في التسعينات، أعدت قراءة اغلب القصص العراقية الطويلة الصادرة قبل “النخلة والجيران” ومع ذلك ثبت لي مرة أخرى أن الأخيرة فعلا هي الرواية العراقية الفنية وأن مؤلفها حقا برع في تصوير البيئة والزمكان العراقيين وأجاد النمذجة وتصوير الشخصيات من الداخل والخارج وأدخل المونولوج وأظهر قدرة فائقة في إدارة الحوارات واختيار أوقات وأماكن مناسبة لها حسب مغزى روايته، واستعمل لغة “الشارع والساعات” كما يقول باختين بطريقة لا نجدها في عمل سردي عراقي آخر قبله لا في مقامة “رسالة العشق” لأبي الثناء الآلوسي ولا في “الرواية الإيقاظية” لسليمان فيضي ولا في “في “جلال خالد” لمحمود أحمد السيد، ولا في “نهاية حب” و “أناهيد” لعبد الله نيازي ولا في “الدكتور ابراهيم” أو في “اليد والأرض والماء” لذنون أيوب ولا في نتاجات عبدالمجيد لطفي ولا في “مجنونان” 1938 لعبد الحق فاضل ولا في “أفول وشروق” خالد الدرة ولا رواية ليلى عبد القادر التي لم تنشر جزءهاالثاني، ولا حتى في “الوجه الآخر” 1957 لفؤاد التكرلي والتي صدرت بعدها بعقد من الزمان تقريبا.

الأديب الراحل غائب طعمه فرمان مع الدكتور زهير ياسين شليبه، موسكو، 1982

وفي الحقيقة قد أكد هذا الإعجاب أو الرأي أغلب الباحثين العراقيين مثل المرحومين الدكتور علي جواد الطاهر وعبدالإله أحمد والدكتور شجاع العاني والدكتور فاضل ثامر رغم “مآخذه” على تأثرها المباشر ب”زقاق المدق” لنجيب محفوظ إضافة إلى الدكتور نجم عبد الله كاظم في كتابه القيم عن الرواية العراقية.
هناك نتاجات قصصية طويلة عراقية كثيرة صدرت قبل “النخلة والجيران” وبعدها بفترات طويلة حتى التسعينات لم ترق كلها الى مستوى الكتابة الروائية الفنية الحديثة، ومن يدري ما الذي كان سيحدث لو لم يتأخر التكرلي في إصدار رائعته “الرجع البعيد”، التي اعتبرها أنا شخصيا الرواية العراقية الأرقى فنياً وحبكة ومضمونا وبناءً وأسلوباً، في فترة إصدارها طبعاً.
وأذكر أني أخبرت غائبا بإعجابي الكبير ب “الرجع البعيد” بعد أن استعرتها منه وأعدتها له، فوافقني وتجاوب مع إعجابي بها وقال لي بصدق وتلقائية وبإبتسامته المعهودة وبالحرف الواحد “فتح”، “كشف” في الرواية العراقية! لا اعتقد أن كاتبا عراقيا آخر سيبدي إعجابه برواية لزميل آخر مجايل له بنفس طريقة غ. فرمان العفوية.
ولعل هذا ما يؤكد استنتاجي بانه كان يريد أن يجدد اسلوبه ولهذا كتب “آلام السيد معروف” التي تختلف كثيرا عن أعماله السابقة. هذه الرغبة الشديدة في التجديد وجدناها عند محمود أحمد السيد الذي كان يريد أن يكتب روايات تحليلية كبيرة، أما غائب فكان يريد أن يكتب رواية واقعية باسلوب اكثر تجديدية وصنعة أدبية وتحليق لغوي انسيابي وانسجامي وبوليفوني ومتدفق.
قد يكون حقيقة أنه لم يعجب بفوكنر مثل صديقه ومجايله فؤاد التكرلي، لكني أعتقد انه لم يحب طريقته في رصد الأحداث، بل تمنى أن يتمكن من الكتابة بأسلوبه اللغوي لكن بلا تعقيدات تتطلب التركيز، وأن يمتلك ناصية اللغة ويتمكن منها، أحب آرثر ميلر بدون الإفصاح عن ذلك لكنه تأثر به كما هو واضح في “المخاض”، هذا هو همه ومعاناته وهدفه منذ قصصه الواقعية الأولى، وهو ما طرحه في روايته البوليفونية “خمسة أصوات”، وكان البطل يتألم لأن صديقه قال له ساخرا “أنت نسخة من غوركي”. أعتقد أن الترجمة وبيئته غير العربية وظروف أخرى أعاقته من الوصول إلى لغة التدفق الروائي الرحبة في كل نتاجاته. ولهذا السبب نلاحظ أنه يسمو و “يطلع” في بعض المقاطع بينما “يخفق” أخرى، وهذه تحتاج إلى دارسين يركزون على هذا الجانب بالذات الذي له علاقة بمشغله البوأيتيكي أو الإبداعي التأليفي وظروفه.
اخترت الكتابة عن غائب طعمه فرمان رغم إغراءات أخرى كثيرة، وأذكر هنا أن أحد المستشرقين نصحني أن أختار القصة او الرواية الخليجية او السعودية على الأقل لأنها ستتيح لي فرص عمل أفضل وأكثر في هذه البلدان، وعندما دافعت عن الأطروحة بقيت عاطلا عن العمل وبلا جواز سفر، ذكرني هذا المستشرق بنصيحته القديمة لي “هل يستطيع غائب أن يجد لك عملاً؟ المفروض أن يساعدك في الحصول على عمل!”
لم أفكر، لا أنا ولا غائب، بهذه الطريقة “الواقعية” او “المصلحية”، ولو كنت من هذا الصنف لسافرت الى العراق واستفدت من امتيازات أصحاب الكفاءات، لكننا لسنا من هذا النوع من البشر ولم أندم لحظة في حياتي على اختياري لهذه الموضوعة.
كان غائب متواضعا وساخراً ومخلصا وصادقا وعفويا وتلقائيا في حياته اليومية وكتاباته، ولأوضح ما ذكرته سابقا: أعتقد أن سوء صحته وانشغاله بالترجمة ومعاناته من الغربة وإقامته في بلد شمولي حزبي وأمور أخرى نعرفها صرفته عن التفرغ للكتابة بطريقة الروائيين المحترفين، التي من شأنها أن تجعله منتجاً محترفا غزيراً يتجاوز تجاربه الشخصية وأن يكون حرا في تفكيره بكل معنى الكلمة.
لقد نشرت كتابي عنه في بداية التسعينات على حسابي الخاص عن طريق دار الكنوز الأدبية ونفذ وكان اول اطروحة دكتوراه عن كل اعماله الصادرة من الأربعينات حتى منتصف الثمانينات، أي باستثناء “المرتجى والمؤجل” و “المركب”. وأشكر في هذه المناسبة زميلي الدكتور الفنان فؤاد الطائي الذي نفذ تصميم غلاف الكتاب, والدكتور الراحل احمد النعمان على مقاله عن اطروحتي في صحيفة الوطن الكويتية التي كان يعمل مراسلا لها.
ونشرتُ مقالاتٍ كثيرةً عن غ. ط. فرمان في الصحف والدوريات مثل الإغتراب الأدبي والزمان والقدس العربي والمواقع الأدبية العراقية، ولاحظت ان بعض “النقاد” وكتّاب الأنترنيت ينقلون من كتابي او مقالاتي عن غائب بدون الإشارة الى مصدرها، وقسم منهم يتحدثون عنه في محطات تلفزيونية، ومع ذلك أصبحت لا ابالي لأن المهم انهم يتذكرون هذا الكاتب الذي يجسد مصير أجيال مثقفين عراقيين كثر عانوا من الفاقة والحرمان والغربة والقهر السياسي.
اليوم يوجد أكثر من كتاب عنه، مثل كتاب الصحفي والفنان الراحل أحمد النعمان، الذي ساهمت به بعدة مقالات.
واحب أن اذكر هنا بأني بعثت مخطوطة كتابي عن غائب قبل نشرها إلى المرحوم أحمد النعمان عندما اخبرني عن مشروعه بتأليف كتاب عنه لثقتي العالية به وسعادتي لإهتمامه به.
وقرأت قبل فترة قصيرة مقالا للباحثة العراقية ميساء نبيل عبد الحميد تذكر فيه الدراسات المكرسة لأعمال غائب مثل اطروحة الدكتور علي ابراهيم، ودراسة الدكتورة فاطمه عيسى جاسم، ودراسة ماجستير لشازاد كريم إضافة إلى كتاب المرحوم أحمد النعمان وأطروحتي عنه، ونست أن تذكر كتاب الدكتور نجم عبدالله كاظم الذي أشرت اليه وكتابين آخرين عنه، وتنوي كتابة أطروحة دكتوراه مكرسة لموضوعة الغربة والإغتراب في أعمال غ. ط. فرمان باشراف الدكتور صالح الجميلي في جامعة صلاح الدين، واتمنى لها في هذه المناسبة التوفيق والنجاح.
تناولت في أطروحتي عنه، نشأةَ الروايةِ العراقية ومكانة “النخلة والجيران” في الأدب العراقي، وكل قصص غائب القصيرة ومقالاته الأدبية الأولى، التي لا يمكن الحصول عليها بسهولة حيث سافرت في الثمانينات إلى دمشق وبحثت في المجلات العربية القديمة عنها، ولا أنسى فضل موظف المكتبة الأستاذ الفاضل إبراهيم.
ثم درست عالمه الروائي. حللتُ كل رواياته الخمس وركزت على موضوعاتها وبالذات الناستولجيا او العودة الى الجذور، والإغتراب والمكان والزمان والهرونوتوب “الزمكان” والأشكال الأليجورية بالذات في القربان، والبوليفونيا كما هو الحال في “خمسة أصوات”، وأسلوب عودة البطل كما هو الحال في “المخاض”.
قصصه الأولى تتسم بالبساطة والبدائية بالذات مجموعته الأولى “حصيد الرحى” وفيها مقاطع متطابقة تقريبا مع قصص مكسيم غوركي ذكرتها في كتابي ومقالاتي.
رواياته تختلف كثيرا عن قصصه فهي أكثر فنية وتطورا من حيث انسيابية اللغة والمقومات الأخرى التي ذكرتها سابقا.
أما من حيث تأثره بالكتاب الآخرين، لم يرضَ غائب بفكرة تأثر “النخلة والجيران” ب “زقاق المدق” رافضا بذلك افكار الدكتور فاضل ثامر.
أما بخصوص تأثره بالصخب والعنف فقد ذكر لي واقعة، وهذه أول مرة أكتبها للتاريخ، بأن أحد الدارسين العراقيين جاء الى موسكو والتقاه طارحا عليه اسئلة لغرض اطروحة الدكتوراه وذكر لي اسمه لكنه طلب مني على طريقته المحببة بالنسبة لي ان اكتم الأمر وكأنه سر خطير، أذكر اني وقتها ابتسمت له وفعلا نسيت الموضوع.
قال لي غائب بأن هذا الباحث طرح مقارنات ومقاربات بين “الصخب والعنف” و”ظلال على النافذة”، واستطرد قائلا باللهجة العراقية، “قلت له فعلا أجر لك إذن”! كان يقصد الدكتور نجم عبدالله كاظم.
أنا شخصيا فهمت منه أنه فرح بهذه المقارنة لكنه رفضها فيما بعد، وطبعا هذا ماتأكد لي بعد ان حصلت على دراسة د. ن ع. كاظم عن الرواية العراقية.
قد يكون حقيقة أنه لم يعجب بفوكنر مثل صديقه ومجايله فؤاد التكرلي، لكني أعتقد انه لم يحب طريقته في رصد الأحداث، بل تمنى أن يتمكن من الكتابة بأسلوبه اللغوي بلا تعقيدات تتطلب التركيز، وأن يمتلك ناصية اللغة ويتمكن منها.
تأثر غائب. ط. فرمان بآرثر ميلر كما هو واضح في “المخاض”، التي تألق بها في وصف الإنسان الصغير، هذا هو هدفه وهمّه ومعاناته منذ قصصه الواقعية الأولى، وهو ما طرحه في روايته البوليفونية “خمسة أصوات”، حيث كان البطل يتألم لأن صديقه قال له ساخرا “أنت نسخة من غوركي”.
أي إنه كان يتأثر بالكتاب الواقعيين المنفتحين بحيث يظهر ذلك جليا على مستوى اللغة في كل الخطاب الروائي من الكلمة الأولى حتى نهايتها، وهذا ما عناه باختين بمفردة الرواية
أعتقد إن الترجمة وبيئته غير العربية وظروف أخرى أعاقته من الوصول إلى لغة التدفق الروائي الرحبة في كل نتاجاته. ولهذا السبب نلاحظ أنه يسمو و “يطلع” في بعض المقاطع بينما “يخفق” في أخرى، وهذه تحتاج إلى دارسين يركزون على هذا الجانب بالذات الذي له علاقة ب”حماسته” ومشغله البوأيتيكي أو الإبداعي التأليفي وظروفه.
كان غائب ط. فرمان ممتنا جداً عند مقارنة “النخلة والجيران” برواية “فونتامارا” للكاتب الإيطالي إينازيو سيلوني، التي ترجمها وفقدها في القاهرة.
وللتاريخ أيضاً أقول هنا إني شاهدت فيلم “فونتمارا” في سينما جامعة موسكو، وقررت أن أقرأ هذه الرواية، ثم قرأت على ظهر غلاف أحد الكتب العربية الموجودة في مكتبة غائب الشخصية إعلان عن ترجمته لهذه الرواية وترقب إصدارها، لكنها لم تنشر، بل صدرت فيما بعد باسم الشاعر الأردني عيسى الناعوري، الذي ترجمها من اللغة الإيطالية.
بعدها حدّثت مشرفتي عن هذه الرواية، وفي النهاية أخبرني غائب عنها في احدى الجلسات وكان فعلا معجبا ومتأثرا بها. وكما أشرت سابقا فإن هناك أوجه شبه واضحة بين “المخاض” و”موت بائع جوال” لآرثر ميلر، التي وجدتها في مكتبته، وهذه الحقائق مذكورة في كتابي وفي مقالي عن المؤثرات الأجنبية في أدب غائب طعمه فرمان.
أعتقد أن الكاتب الراحل الصديق فؤاد التكرلي من اكثر الكتاب رفضا لهذ هذه المقولات لكنه والحق يقال إنه كان متفتحا معي في الحديث عن هذه الأمور ويطلب من الأكاديمي أن يدعم آراءه ب”الأدلة والبراهين” على التأثر، وهنا لابد ان اذكر انه كان كريما فتح مكتبته لي.
موضوعة التأثر بالكتاب الآخرين تخلق حساسية عندهم لكن الأكاديمي غير معني بمشاعرهم إذا كان متأكدا من رأيه، وتعلمت وبالذات هنا في جامعة كوبنهاجن أنه ليس لمجرد أن يقرأ الروائي كتابا معينا لنقول إنه تأثر به، كما هو الحال عند بعض النقاد الصحفيين وليس الأكاديميين طبعا.
بالنسبة لكاتبنا العزيز الراحل غائب كان ايضا كريما معي وفتح مكتبته امامي، إلا أنه لم يكن يحتفظ باصداراته القديمة، حتى مجموعته القصصية الأولى “حصيد الرحى” لم تكن لديه، واعتقد “النخلة والجيران” أيضا لم تكن موجودة عنده وكنا نضحك كثيرا لهذا الأمر. واذكر حقا أنه كان مثلا يضع صحيفة منشور فيها مقابلة معه على المنضدة وكنا أنا وإياه نضع أكواب الشاي عليها!!
لابد لي وأن أقول إن غ. فرمان كان يذكر بعض اصدقائه مثل المرحومين أحمد النعمان ورشيد رشدي، الذي عرض علي تعاونه معي والدكتور ضياء نافع وآخرين.
ولابد لي من أن أشكر الروائي برهان الخطيب، الذي فتح لي مكتبته وأعارني بعض الكتب العراقية القديمة، كذلك بعض المستشرقين منهم فاليريا نيكولاييفنا وشاغال وجوكوف الذي كانت لديه أغلب القصص العراقية، وطبعا موظفي مكتبة معهد الإستشراق وآخرين لم تعد الذاكرة تحفظ أسماءهم.
أما بالنسبة الى آراء أصدقاء غ. فرمان عنه فلم استفد كثيرا منها واغلبها انطباعات شخصية، وأشير في هذه المناسبة أني فوجئت بأن أحد المقربين جدا منه كتب في ذكرى رحيل الكاتب، بأن زوجة الأخير إنا بيتروفنا ترجمت روايته “خمسة أصوات” رغم أني ذكرت في أطروحتي أن هذه الرواية ترجمتها المستشرقة لينا ستيبانوفنا.
كان المرحوم غائب يزورنا باستمرار في كل مرة ندعوه عندما كنا نقيم في موسكو، وآخر مرة دعوته لزيارتي في الدنمرك وفرح للأمر لكنه تمرض وغادرنا وتأثرنا بفقده كثيرا وبقي في قلوبنا ولم يغب عنا لحظة واحدة حتى الآن.

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *