هشام القيسي: تشغيل الدال والمآل في بنية النص الشعري قراءة في قصيدة (أويلي) على هذه البلاد للشاعر غزاي درع الطائي (ملف/6)

في خطابه الشعري يتعمد الشاعر غزاي درع الطائي السياق اليومي بنسيجه وظواهره كاتجاه مائز تترتب عليه قصائد حياتية ديناميكية بتوالي النبضات والمشهديات والتي تشكل تجربة حية حارة لا يعتريها الصدأ نتيجة موجهات رصنتها ، منها لغتها التي هي انعكاس بلا رتوش للحدث اليومي الراهن وهذا ما يضفي عليها واقعية معمدة بشعرية ، تدفقاتها آنية ومن نمط جاذب :

( الأفعى التي سرقت عشبة الخلود من كلكامش
مازالت تمارس نشاطها الخبيث
على ضفتي دجلة والفرات
( أويلي )
( أويلي) على هذه البلاد
هذه البلاد التي استوطنها الرماد
وتهاوت فيها العماد
وأشرأبت فيها رؤوس الفساد
واشتعل رأسها شيبا … ) فالأفعى ونشاطها الخبيث في بلاد الرافدين والمفردة الشعبية ( أويلي ) كناية عن هول الأمر وما تبعه من حزن وجزع عم العراق والذي بات بلا عمد استوطنته الحرائق والرماد هي صور لما آل إليه بمنهج الاحتلال وائتلاف الأعراب والأغراب والأذناب كذلك فان توالي المشاهد باتجاهاتها ومعانيها جعلت من الذاكرة اليومية والتجربة المعاشة من خلالها شاهرة لشعرية تكاملت فيها عدتها بقصدية ايقاظ الخطاب الحياتي واشهار السالب الفاجع :

( البلاد في دائرة الإختلاف
والسياسة في مربع التخالف لا التحالف
والاقتصاد في مثلث التخلف
والحرية في مكعب الحديد
والمجددون يؤكدون :
عقمت أرحام الوقت فما من جديد …)

وهكذا فان مفتتح نصوص الشاعر تمهد لمساراتها وتضعها في مدارها بوظيفة توجيهية واشهارية وفق اشعاعات تضيء القول في التعاطي مع المفردات الحاضنة للهموم والهواجس وفي التواصل والخروج من الذات الفردية ( الأنا ) الى الذات الجماعية ، وعليه فان لغته تجسم مرموزاته ولا تتجاوز أحاسيسه وبما يفعل خطابه الشعري في حدود الواقع الموضوعي ولهذا فهي تنمو نموا تتابعيا وبتلقائية دون تكلف أو تزويق :

( الوطنية انتقلت من الهندسة المستوية
الى هندسة المجسمات
ولا تصلح البلاد هذه البلاد
حتى يصلح العباد
منديلي منقع بدموع الثكالى والأرامل واليتامى
والبائسين والحائرين
وقلمي يرتعش بين أوراقي
مثل مصاب بالصرع في لحظة الانهيار
وقصائدي غير قادرة على حمل هموم الجميع .. ) .

قصيدة الشاعر تمارس انفعالاتها في حدود الذاكرة والحلم وعتمة الواقع ومن شأنها المقاربة مع التمني بطابع اشاري مرتبط برؤية الشاعر ، فالاتجاه نحو ادانة ومحاكمة الواقع جعلته يمتد ويتسع في التقاط المفردات الدالة بما يحافظ على بقائها في واقعها ضمن مشابهات الطرح اليومي والسياسي الذي يتعاطى وفق المسار المختلف :

( كنت أظن أن الإخوة لا يخونون
وخانوا
وان الماء لا يخون
وخان
وبعد أن خان الماء
هل من المجدي تقليب العتب مع النار
خانوا
وخان
ليس سوى الدخان … )

و

( يا كوكتي ) أين أختي ؟
ذهبت وبقي ظلها
( ياكوكتي ) أين أخي
خرج فابتلعته سيارة
مزدحمة بخمسة ملثمين
( يا كوكتي ) أين جاري ؟
جثته شوهدت منحدرة مع الماء الجاري
( يا كوكتي )
أين ولدي ؟
حي في مقبرة النبي دانيال في قرية ( العكر ).. )

وفي استكناه الشواهد والدلالات التي تتمحور حولها ، فان الشاعر ينزاح بمعانيه بوسائل متعددة منها التعالق والاستعارة والرمز بقصدية التعاطي استلهاما واستيحاء وصولا الى صلب الهموم
التي تعمل على تشعير وتثوير اتجاهات الارسال والتلقي في آن واحد :

( اشتعلت الصدور غيضا
فاشتعلت رؤوس النخيل شيبا
أعرف أن الموت يجيؤني
ولو كانت بيني وبينه سبعة أقفال
لا كلام لي مع الأعمى
كلامي مع الذي يتعامى
لا كلام لي مع ( أوباما )
كلامي مع العراقيين .. )

ان هذا الاسلوب من الكتابة الشعرية وتحديدا هذه القصيدة وتعبيراتها الدالة والموحية أملتها جملة عوامل متغيرة على صعيد الشارع الداخلي بما يتقاطع زمنيا مع زهو اجتماعي توج ابتهاجه بنسيج متين وأواصر نبيلة لأن الانتماء للأرض وللتاريخ هو هوية يتقاسمها الأبناء ضمن إطار الهوية الحضارية والثقافية وانشغالات الانسان فيها باهدافها ومقاصدها :

( أنا أحمل الجنسية العراقية
وأنت تحمل الجنسية العراقية
وأنتم تحملون الجنسية العراقية
إذن فنحن أخوة
وليس مثل الأخوة في الوطن من أخوة
هذه البلاد منخنقة
هذه البلاد موقوذة
هذه البلاد متردية
هذه البلاد نطيحة
ولذلك فإن لحمها حرام
حرام
حرام
حرام )…

وهنا سواء أكانت الهوية بذاتها أو بإنعكاساتها فهي ثابت قيمي يتجذر في بقائه باعتباره العنصر الرئيس للتعبير عن المكان ، وقد عمد الشاعر إلى تعميق الأحاسيس بغية تحقيق العصمة من الوقوع في المباشرة أو الحكم السريع الذي يأتي على القيمة الجمالية والفنية ، من هنا يأخذ الحس التاريخي بأبعاده الزمنية الثلاث مداه المنسجم في خطاب الشاعر وسواء تعلق الأمر بالدلالة المباشرة أو غيرها فهو جوهر النبض الذي يضفي على النص مغنطة تقود إلى التعاطي والأسر.
اذن نص الشاعر هو نص متكامل تأسس على تنوع المشاهد وعلى قوة تأثيرها في عملية السرد الشعري ، وهو يكشف دونما صعوبة ان الشاعر هو ظاهرة مائزة في الشعر العراقي المعاصر .

شاهد أيضاً

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

المرآة والعري قراءة في رواية (ذهاب الجُعَل الى بيته)
د. قيس كاظم الجنابي

-1- ولد الدكتور فرج ياسين، في مدينة تكريت (ولادته 1946م) ،ترك الشعر واتجه صوب القصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *