مقدمة كتاب “قصيدة وطن”: صالح الطائي ومن معه:
بـ”قصيدة وطن” صار “الوطن قصيدة” سيردّدها التاريخ
حسين سرمك حسن (ملف/12)

إشارة:
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” التي قامت أسرة الموقع بإرسالها إلى المئات من القراء والنقاد داخل العراق وخارجه. ويهمها أن تؤكد على أن راعي مشروع قصيدة وطن ومنجزه الأصيل ومَنْ قدح شرارته في الوجدانات والضمائر هو المبدع الأستاذ صالح الطائي. وما قام به الناقد حسين سرمك حسن هو توصيل المشروع إلى أكبر عدد من القراء والنقاد. كما ستقوم أسرة الموقع بنشر كتاب القصيدة على حلقات. ندعو الأحبة الكتاب والقراء إلى إغناء الملف بمساهماتهم.
أسرة موقع الناقد العراقي

حين عاد رسول حمزاتوف الطفل إلى قريته ذات مرة هجمت عليه كلاب ضخمة تحرس القطعان في السهوب فصاح عليه الرعاة بأنْ يتمدد على الأرض ويتظاهر بأنه ميت ريثما يصلون إليه ليخلّصوه. تمدّد رسول وبدأت الكلاب تتشمّمه وحين وصل الرعاة رفعوه من ياقته وسألوه ما الذي جاء به إلى هذه المنطقة الخطرة فأجابهم بأن أباه أرسله إلى قرية مجاورة كي يسمع الشعر من شيخ يحفظ آلاف الأبيات. وعندما سألوه عن الغاية من ذلك قال لهم: لأنني أريد أن أكون شاعراً. فرموه إلى الأرض وذهبوا وهم يتضاحكون ويردّدون:
“يريد أن يكون شاعرا وهو يخاف من الكلاب”
والكلاب التي واجهها صالح الطائي هي غيلان مُرعبة شرسة مسعورة ولغت في دم شعبه ووطنه وأمّـته لكنه لم يخف منها وثبت على إيمانه بشعبه ووطنه وأمّته وذلك لأنه وريث. نعم.. وريث ، وما أقسى أن تكون وريثا حسب تعبير “غوته”. فحين كان البشر يُساقون مستسلمين للموت المُقدّر من الآلهة ظهر عراقي جسور صرخ محتجاً متسائلا لماذا يموت ولماذا لا يكون خالداً مثل الآلهة. والوعي بالموت كمعضلةِ وجود هو مفتاحُ نضج الشخصية لأيّ شعبٍ بل لأيّ فردٍ، وبهذا الوعي قدّم العراق خمس حضارات من مجموع سبع حضارات في تاريخ البشرية. وها هو التلميذ النجيب صالح وريث الجدّ العظيم الجسور جلجامش يطلق مشروعا هو في حقيقته ليس مشروعا إبداعياٌ فريداً وريادياً سوف يُسجل له – ولرفاقه الشعراء المساهمين- على صفحات التاريخ الأدبي العربي فحسب بل هو صرخة هائلة موقظة مُدوّية بوجه الموت والفناء الذي رسمته الغيلان المسعورة لهذا الوطن ولهذه الأمة فرديا وجمعيا. فقد جعلت غيلان العولمة حتى مفردة وطن أو أمة أو قومية مكروهةً مقززةً يفرّ منها البعض فرارهم من فيروس الكورونا الآن. وصارت بعض مراكز البحوث الغربية “تحبّذ” أن يكتب الباحث العربي مصطلح “العالم العربي” لا “الوطن العربي”. ولكن تحضرني حكاية الرجل الذي كان يكره شاعر العروبة المتنبي – وصالح ورفقته ورثته وما أقسى أن ترث المتنبي- فآلى على نفسه ألّا يسكن مدينة يُذكر فيها أبو الطيب ويُنشد كلامه. فهاجر من مدينة السلام. وكان كلّما وصل بلدا يسمع بها ذكره يرحل عنها. حتى وصل أقصى بلاد الترك. فسأل أهلها عن أبي الطيب فلم يعرفوه. فتوطنها واستراح نفسيا وقرّر السكن فيها. فلما كان يوم الجمعة ذهب إلى صلاتها بالجامع فسمع الخطيب ينشد بعد ما ذكر أسماء الله الحسنى:
أسامياً لم تزده معرفة ولكن لذة ذكرناها (1)
وهو للمتنبي.. فعاد أدراجه. الوطنُ قدرٌ أيها الإخوة. والأمةُ قدرٌ ينزل عليك اينما كنت حتى لوكنتَ في بروج مشيّدة، ولا مفر من قدرك المصيري هذا. وهذا مما يثيره هذا المشروع والذي سيعيد الآن الكثيرين من الأولاد الضالين إلى المنبع والمنبت؛ إلى أحضان الوطن والأمّة الدافئة وسط زمهرير العولمة المسلّحة بأنياب الغرائز الباشطة فلا تبقي قيمة أو ثوابت.
وحسنا فعل صالح الطائي – وهذه من ميزات هذا المشروع الخطير- بأن جعل مفتتح وخاتمة القصيدة الجماعية متفائلا ومنذرا بوعيٍ وقصدية عالية. فهذا المشروع يعيد الكرامة للشعر العربي بعد أن امتّهن طويلا وتمّ تعجيزه بفعل سموم الحداثة وما بعدها التي جعلت بعض الشعراء العرب الحداثويين “الكبار” – وتتبعهم طوابير من الشعراء الشباب أساءوا فهم الحداثة واشتراطات قصيدة النثر (2)- يتغنّون بالنحاس المنصهر من السماء وإسقاطات المربع الأزرق وغيرها من الصور المتعالية المرفّهة وإخوانهم العرب المسحوقين يحرقون أنفسهم حدّ الموت من أجل لقمة الخبز الكريمة.
ليس هذا زمن أبراج الشعر العاجية. هذه من صرخات هذا المشروع الموقظة.
وليس هذا زمن الردّة والتيئيس والانخذال. وهذه من صرخات هذا المشروع ايضا من مفتتحه الهادر:
حذار من الهدوء إذا تفشى فعند الفجر قارعةٌ تثور
إلى ختامه الثائر:
ألاَ فاحْذَرْ هدوءاً قد تفشّى غداةَ الفجْرِ قارعةٌ تثورُ
صارت الناس تتساءل عن الزمن الذي كان فيه الجواهري ـ مثلا- يلقي القصيدة ثم يمزّقها غاضبا ناقما لتنطلق جموع الشباب من جامع “الحيدرخانة” في شارع الرشيد لتواجه الطغيان وتسقي أرض وطنها بالدماء الطاهرة على جسر الشهداء. وها هي عودة مباركة شمّاء خلّاقة إلى زمن الشعر والكرامة لكن على المستوى العربي. هي عودة إلى جسور الشهداء.. وإلى الالتحام الأبدي بين الكلمة والفعل – والكلمة “فعل” من لحظة “كنّ فيكون” العراقية السومرية – الذي يتجلّى اليوم في ثورة تشرين العراقية المباركة العظيمة وسواعد شبابها النجب وأرواحهم الزكيّة في علّيين ساحة التحرير. وفي هذه العودة الخلاقة يأتي المدد من العراق – والمدد يأتي دائما من العراق- ليثبت أنّ هذا الوطن عصيٌّ على الموت وهذه الأمة منيعة على الفناء.
لم يخاطب الله رسوله في أول تنزيل بأمر مثل: صُم أو صلّي أو حج أو زكّي.. بل اقرأ.. اقرأ.. اقرأ.. وها أنتم يا شعراء العربية “تقرأون” و “تُقرئون”. أنتم في موقع النبوّة. فمرحى لكم في الوقت الذي يتفرّج فيه الكثير من المعمّمين على الجهل ينخر أوصال الأمة بل يسهمون في التجهيل.
ليس هذا وقت التقييم الفني التشريحي لقصيدة المشروع فهي بانتظار ردود فعل القراء والنقاد لكنه وقت كشف القيمة المعنوية الفنّية القيمية والنضالية المرتبطة بصراع الوطن والأمة من أجل البقاء.
لقد عثرنا على ألواح ملحمة جلجامش أول سؤال فلسفي – والفلسفة بنت حيرة الإنسان أمام لغز الموت- في التاريخ ودرّة تاج أساطير البشرية مطمورة في باطن الأرض وبالحفر الصبور بعد أكثر من 4000 عام على كتابتها من قبل “الشاعر المجهول”. وبعد مائة أو ألف .. أو ألفي سنة سوف يتم العثور على “ألواح” هذا المشروع ولن يلعننا أحد جيلا ووطنا وأمّة. وستقف القامات وتُرفع القبعات إجلالا واحتراما لجيل مقاوم مُدمّى برغم الخراب. هذا الجيل هو “نحن”. ولكن بفضل مشروعكم “أيها الغاوون” رسل “الكلمة”.. كلمة “اقرأ”. وحينذاك، قد تكون الأمة مجزّأة أكثر، والوطن مصلوباً مُعذّباً شديد الشحوب. لكن “المشروع” حيّ ونابض وآسر.. و “قصيدته” كامنة وآمنة .. هنا .. عميقا جدا .. محروساً بالله .. وبشعرائه المقاومين المؤمنين الذين استفز طاقاتهم الخلاقة العراقي صالح الطائي الوريث الذي أدّى الأمانة واستطاع بـ “قصيدة وطن” أن يجعل “الوطن قصيدة” تتغنى بها الأرواح وتحفظها ذاكرة التاريخ التي لا تَنسى ولا ترحم.
وختاما.
للأديب الأستاذ “ضياء تريكو صكر” آيات التقدير والتحايا على جهده الفذ في نحت هذا المشروع في شكله النهائي.
وللأستاذ “عبد النبي الشراط” راعي فكرة نشر مشروع “قصيدة وطن” التي سوف ننتظر صدورها التقدير والاحترام.
والله من وراء القصد

بغداد المحروسة
16 آيار 2020
_____________

(1) راجع كتاب “الصبح المنبي عن حيثية المتنبي” للبديعي.
(2) مداخلة جميلة تلك التي كتبها المبدع صالح الطائي عن هذا الامتهان المقصود للشعر في مقالته “ما هكذا يا بعض الشعراء؟” والتي تضمنت رائعته التهكمية “قد فاض الشط”. –راجع المقالة في موقع النور- 6-1-2019.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

4 تعليقات

  1. جمعة عبدالله

    روعة الاستهلال في الرؤية الفكرية للمشروع قصيدة وطن . في الدلالات البليغة في المعنى التعبيري العميق .
    هكذا عودنا استاذنا الجليل , ايقونة النقد العربي المعاصر . ان يكون متميزاً في التحليل بروحيه الابداعية والوطنية
    ودمت بصحة وعافية

  2. مريم لطفي

    استاذنا الكبير د.حسين سرمك طاب يومكم بالخير والبركة
    وتحية كبيرة بحجم جهودكم الكبيرة لانجاح المشروع الادبي والوطني بكل امانة
    مبروك لكم ولنا قصيدة الوطن الواحد الذي ستبقى اصداءها نابضة بالامل
    باقات عرفان للمشرفين على انجاح هذا المشروع الكبير
    ودمتم برعاية الرحمن وحفظه

  3. شكرا جزيلا أخي الأعز الناقد البارع الأستاذ جمعة عبد الله على لطفك ومشاعرك النبيلة.
    حسين

  4. شكرا جزيلا الأديبة الفاضلة مريم لطفي على لطفك واعتزازك. وتحية لروحك الوطني الغيور. حفظك الله من كل مكروه.
    حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *