مؤيد داود البصام: محمد نصر الله..غربة رومانسية بين العدسة والفرشاة

المخيل تبتكر حلمها…
هل يستطيع الفنان أن يغيرعلى أرض الواقع كما تستطيع الحروف أن تبتكر الرؤية الحلمية لتبديل الواقع بواقع آخر ضمن صورة تجريدية غير ملموسة، يظل السؤال معلقاً لأيجاد الرابط بين ما تبتكره الرؤية البصرية في أبداعها في الاتجاه الذي تزاوله، عند تحريكها من جهة إلى أخري، وتمنح إحساساً مغايراً في كل مرة، ولعل المبدع ليوناردو دافنشي اول من تنبه لهذه المسالة في عيني الموناليزيا، وهو ما جعل الفنان الحديث يؤكد على هذه الناحية، فظهرت لنا اعمال التلاعب البصري في بدايات القرن العشرين ومنتصفه، وهو ما يجعلنا نقف امام اعمال الفنان محمد نصر الله لنجد ان التلاعب في الرؤية البصرية، يشكل البناء الرئيس في تشكيل لوحته، ما أن تنظر إلى أعماله حتي تحس أنك في حلم، ارض بكر وشواطئ أحلام، وعالم غريب لا تعرف هل انت تنتمي اليه، او هو الذي يجرك للانتماء إليه ؟، خروج على المزاوجة بين الروح والجسد، يصاحبك هذا الاحساس من لوحة إلى أخرى، ويجرك إلى الصدمة حينما يتحول التأمل والسكون اإلى حركة في البحث الذهني لاكتشاف عالم مغاير، لا تجد صورتك فيه، ولكنك تجد عالماً تستكشفه من جديد في داخلك، أنه عالم من التحولات البصرية التي تحدثها الرؤية المغايرة في لوحات نصر الله، مثل تحولات القصيدة بتمثلاتها التجريدية، تهويمات رؤية تحاول أن تحدث فيك الهزة ليتبعها التأمل لحالة الرؤية المتخيلة لواقع غير مرئي، ولعل قصيدة الشاعر ابو الطيب المتنبي، تنقلنا لهذه الدلالة من التخيل التجريدي، الذي يتماثل فيها الواقع مع المخيال حينما يقول ، أتوك يجرون الحديد كأنهم سروا بجياد مالهن قوائم ، فأي خيال جامح تحمله هذه الصورة، وكيف يمكن تصورها ، عندما يردفها ببيت في نفس القصيدة ( على قدر اهل العزم …)، بالرؤية الخارقة في عالم من المخيال والحلم السريالي، “وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردي وهو نائم ” اي رؤيا تمنحك هذه الصورة، عندما يجمح خيالك فتتمثلها وتتصورها، وهل بامكان السينما، أو الرسم، أن يجسد هذه الرؤية ؟ هذا هو عالم الترابط بين الشعر والتشكيل، عالم لامرئي، أفكارمجرده، تتشكل الحروف في العقل المجرد بقصائد مرئية بصريا لرؤيا مجردة، وتجمح فيها الرؤية بخيال شعري، هو نفس التشكيل الذي يحمله لك الحلم الرمزي في اللوحة او السريالي او التجريدي، قصائد مكتوبة بالفرشاة والالوان، قصائد محمد نصر الله المرسومة بالزيت والاكريليك، يتساوق الرفد احدها بالآخر، بالرؤيا في كشف مساحات التقاطع، بين النص البصري والنص الشعري، والمعطيات التعبيرية، في كشف هذا الفرق في التقاطع بين تجريدية اللغة والمعطيات البصرية علي سطح اللوحة، وفي فضائها، ويأتي الحلم الذي يتساوق في المخيلة، بتعابير تحملك علي الاسترسال في التخييل، طائر أم فزاعة، أو لعبة أطفال من خشب، تنساب بتلقائية مع الفضاء على ظهر اللوحة، تحيا في داخل اللوحة كعالم أنغرز بلا وعي في الرؤيا، واحال وجوده إلى رؤية واقعية، كانه في لحظة تحول من أرض الي أرض بحلمية، تتعامد مع الروح بلحظة تعبيرية، انها عملية الانزياح، واحلال الرمز، الذي يفسره (بيرس)، (إشارة وموضوع ومعني)، وهو البعد الذي تتحرك به اللوحة لتكشف عن مضمونها.
الطبيعة كواقع والتكوين الفنتازي للشكل..
يعالج نصر الله في لوحته هذا البعد الرومانسي الذي يكتنف الرؤية ، بروحية بناء اللوحة بناءاً شعرياً، يلتحم فيها الواقع والمخيال، باتحاد لا عضوي مع الطبيعة، من أجل أنجاز الصورة الواقعية، ولكن الاساس الهروب نحو الحلم الذي يراود كل انسان، فهل بالأمكان تحقيقه ؟ وهو بهذا يخلط بين الحلم والاسطورة والواقع، لخلق رؤية حلمية، فاتخاذه اللون الازرق الشفاف بلون السماء وزرقة البحر في هدوئهما، يحيل هذا السكون من متحول خارجي الي بعد غير مشروط في الداخل، انه يمسك التطابق بين الفكرة، الرؤيا، وبين الاحساس الواقعي بالأشياء، الرؤية الواقعية في تلامس شفاف بإيجاد اللون الذي يتناسب مع انسيابية الفكرة وموسيقية حركة الخطوط، وحتي في معاملته للوحة باللون البني، فانه يحيل التأمل إلى سؤال، ويحرك السكون للبحث في نقطة التأمل، ليس حراكاً كتلوياً للجسد، انما حراكاً فكرياً ينبثق من لحظة التأمل ويتواصل معها، ما دام النظر متشكلا في البحث عن اللغة التي يحاول ان يعبر بها عن لحظة التجلي، في أعماله التي يتسيد اللون الاصفر والبني والجوزي وتدرجاتهم، تستشعر الغربة والوحشة لعالم فيه الاشكال مزروعة او متروكة في موقعها، لا أحد هناك، عالم من الغربة والوحدة الموحشة التي تتأمل الذات من الداخل، تتمثل في هذه الالوان الحارة والفراغ غير المحدود، لصحراء وأرض من تراب وهواء، قطع لأشخاص أو حيوانات أو طيور مزروعة في الارض، مهجورة تنتظر المجهول، هذا الاقتصاد في اللون، يحسب عملياً بدقة في ذهن الفنان، أنه يحصر العلاقة بينه وبين الطبيعة ضمن أفق يتصوره ويتخيله، لوجود تترسب فيه آلاف المحطات التي تظهر الاحباط واليأس، و محاولة التطلع لعالم جديد ولكنه محكوم، ضمن أفق يحصره في رؤية ذاتية، وهو ما يوقفنا امام ادراك نصر الله علي اهمية التحكم في الرؤية البصرية بحرفية اليد والنظر لمعاملة الالوان، والجواب المعروف، عندما يمتلك الفنان قوة الخط، والبعد الفكري لما يريد، لهذا يستعمل نصر الله محدودية الالوان والاقتصاد فيها بقصدية، لكي يتلاعب بقيمها وتدرجاتها، للإبقاء على المؤثر البصري يتفاعل مع التأمل والدهشة والفكرة التي تشغل هواجسه، الكشف عن أغوار الذات من خلال الصفاء وشفافية اللون الذي يتدرج بمزج اللون الابيض بدقة المقتدر، لانبثاق الفكرة الجمالية التي يقودها التشكيل المعماري الهندسي الذي يقيمه باحترافية عالية، وبتقنية لحركة الخط بين الاستقامة والانحناءة، وموسيقية تنسجم وروحية العمل كلياً، البني + الاصفر الفاقع، ومساحة الازرق في فضاء متداخل بين مساحة فراغ متسعة، وتداخل الاخضر الصريح، ولكن بتكثيف ومساحة ضيقة مع الوان الازرق والبني، وفي اللوحات التي يشكل الازرق مساحة الفراغ، يحقق حضوراً للأبيض بصورة طاغية ولكنه ليس بمساحة الازرق وانما يضيعه بتداخله بالون السائد الازرق، هذه التقنية تنم عن فهم وأدراك لفيزيائية اللون ومدركاته البصرية، فمنحه أكبر قدر من التعبيرية والتأثير البصري المباشر، وهي تعبير عن احترافية لصياغة الفكرة عبر مركزية التكوين في الرؤية البصرية، أن الصيغ التي يستخدمها في تقنية اللون، تحيلك إلى واقعية الصورة وكأنها صورة فوتوغرافية، ولكن عندما تدقق النظر تكتشف المخيال الذي تتمتع به اللوحة، وتجرك إلى حالة التأمل، وتدخل في حوار سردي لاكتشاف عوالمها، أن امتلاك نصر الله لفهم فيزيائية الالوان وتمكنه من أدواته، في قوة الخط ونضج إحساسه بالألوان، والاحساس الشعري بموسيقي التطابق بين اللون والخط، منحه قوة تعبيرية، ازالة التقريرية والأستنساخية التي تراوح بين البعد الواقعي المستنسخ والفوتوغراف من أعماله، ونقلته لرؤيا سحرية الحلم السريالي، وهذا هو سر البعد الجمالي في عملية النقل الواقعي للحلم، وقدرة الفهم للمزج بين الواقع والمخيال، علي ضوء مستجدات الواقع وتطوراته، أن لوحاته تتمتع بسحر الواقعية وفنتازيا الفكرة، لهذا توقعنا في لحظة التأمل والدهشة، وكأنما هي اعادة لرؤيتنا للواقع ولكن من خلال الحلم، انه البعد الحلمي المتحقق علي أرض الواقع، وهذا ما نجده في لوحاته الأخيرة وهو يناجي الأرض المستلبة، يحلم بما يريد له الحلم وليس بما يشاهده، أنه حالة الهيام لاكتشاف الذات وتأصيل حلمها على أرض الواقع.

محمد نصر الله (Mohammad Nasrallah)
ولد عام 1963 في مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين في العاصمة الأردنية عمان، وقد بدأ اهتمامه بالرسم منذ طفولته، متأثرا بالواقع اليومي الإنساني والبصري المحيط به، لكنه ومنذ البداية كان يبحث دائما عن مساحة مختلفة للتعبير عما يراه ويحسه، وقد تجلى ذلك فيما بعد في معارضه المتتالية.
استطاع نصرالله، الذي درس الفن في معهد الفنون الجميلة وحاز على دبلوم فنون من المركز الثقافي الإسباني بعمان ، أن يبتكر أسلوبه الخاص والمميز الذي لا يشبه أيا من الأساليب الأخرى في الفن، أقام نصرالله منذ عام 1989 أحد عشر معرضا وشارك في عدد كبير من المعارض العربية والدولية سواء في صالات العرض أو في البناليات الدولية.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صباح الأنباري : أسوأ قصة في العالم.. حيرة متراكمة.

هذا الخؤون.. ماكر جدا.. يعرف متى يضعك على حافة الرحيل.. لم يقلقني الأمر كثيرا.. بل …

| طالب عمران المعموري : تقانات الميتا سرد في ” عناقيد الجمر” للقاص غانم عمران المعموري .

لقد تجاوزت القصة القصيرة جدا في آلية الكتابة وتقاناتها  مرحلة العفوية والتلقائية، وكاتب القصة القصيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *