هشام القيسي: استرجاع الحلم.. مداخل المدلولات في مقابل اشعال المتناقضات
قصيدة (معلقة شطحات ايروسية لشاعر صوفي) انموذجا

من عتبة نصه وبركنيها المتقاطعين وعلى نقيض تغميض دلالاته يقودنا نص الشاعر لطيف هلمت إلى عالم مكتنز استشعر فيه قيما لثرائها وخصوبتها ومفارقاتها بفاعلية تتجه صوب محاكاة ومعارضة في التصريح والتلميح بما يوفر لرؤياه أسباب البقاء عبر مشهديات تتجلى في واقع محاصر وطليق وملغز وكاشف على حد سواء ومن خلال اتجاهين متوازيين عموديا وأفقيا يضمنان التصويب تجاه ما هو أعمق وأشمل وأسمى وفق البناء الاشاري للغة وعقب تفسير وتحليل يجسد أبعادها الدلالية التي آلت اليها صوره الشعرية بقصدية الاكتفاء والتجاوز في آن واحد :

( مرة التقيت بعاشق من فلسطين
همس في أذني
سأعيد الروح للعصافير التي ماتت في الجليل
ومرة صافحت السياب في البصرة
قال
جئت لأنقذ – وفيقة – من الطلقات الطائشة
وقبل أن يغيب في أكوام الظلام
سمعته يصيح : يا وفيقة .. يا يا وفيقة
هزي بجذع قصائدي تمطر عليك
السكينة والسلام …)
فالتناص مع عنونة مجموعة عاشق من فلسطين للشاعر محمود درويش ومع نص قرآني مقدس في ( سورة مريم – الآية 25 )* هو من باب تأكيد الاعتبار لقصدياته عبر استعارة موجهات تشحن أفقه وتعصمه من الوقوع تحت طائلة الإشهار السريع والرؤية غير المجردة إزاء دلالاته ، كذلك هو الحال في تناصه مع الحلاج* :
( أنا إله في الأرض
وهو إله في السماء
أنا هو
وهو أنا
امتزجنا كالرمال والصحراء
وكالقهوة والسكر
لا إله الا أنا
لا إله إلا هو
فهو أنا
وأنا هو … )
والشاعر يشهر المرموزات إزاء عتمة الواقع بنداء حافر ناقد يمد اتجاهات النص الإشاري والرمزي وبما يفصح عن ذات الشاعر بذاته الخصبة وفق رؤى سكنته وتفاعل معها فهو لا يفر من المواجهة كي يمارس جانبا من أحلامه الى ما هو أشمل رافضا غثيان الواقع :
( ها أنذا أرافق الشيخ معروف الكرخي على ضفاف دجلة الدم
وأدعو الله أن يغفر عن ذنوب السكارى والعشاق
ويتوجهم بنور رحمته
كلما عبرنا بحارا
يبقى بحر لم نعبره
كلما قطعنا صحراء
تنتظرنا صحارى أخرى
وكلما دفنا حلما في صحراء
تنمو في مخيلتنا أحلاما أخرى
دارت حروب كثيرة على هذه الكرة السرمدية
أخلدها هي الحرب التي لازالت قائمة
بين الله جل جلاله والشيطان … )

وهكذا فشواهده محاصرة بالحقائق وهذه الشواهد والدوال المتقاطعة والمتناغمة تتكيء على خلفيات من شأنها توسيع خطابه وتشعير تعامله مع الظواهر بقصدية الإيحاء لمساراتها وما تنطق بها ، من هنا تشع الأسئلة وتتوالد أمانيها عبر ايقاع رافض حاد يتجاوز الحدود الواقعية طبقا لهواجسه وانفعالاته :

( الآن أغير أسماء كل الموجودات
أسمي الماء .. حجرا
وأسمي .. الحجر ماء
أسمي الحمار .. ملكا
وأسمي الملك .. حمارا
أسمي الوطن غربة
وأسمي المنافي ..وطنا …)
و
( أحول جميع آبار النفط إلى فراغ لا نهائي ببصقة
وأمسخ كل الأباطرة والجبابرة إلى قردة بسحر كلماتي ) .

وعليه تنزاح كتابته الشعرية تحت عنونات رمزية ومجازية وسريالية وتقاطعات دلالية تتجه صوب سياق يبتعد عن النمطية وعن الاعتيادية إلى سياق غير نمطي وغير اعتيادي وهذا ما يؤكد ان الشاعر هو ظاهرة بارزة في الشعر الكوردي الحديث .
لطيف هلمت إذا هو في صيرورة وبحث مستمر عن علاقات من أجل رؤية فجر جديد بلغة تصعد بنا الى ماهو أسمى تعزز من عناصر رؤياه واشراقاته وبما تضمن لرسالته الشعرية الاقبال والامتداد كلون مائز :

( ولذلك دوما أسرق بضعة أجنحة من شياطين نائمة
أحلق بها الى قمم المخيال والخرافات
فالمشدود الى وميض اليواقيت ورنين الذهب
يعجز عن أي نوع من الطيران
والعاجز عن الطيران لا يجذبه شذى العشق والهيام
ويظل فريسة لعناكب الغثيان والضغينة
دوما ألمح في الظلام نافذة حبلى بغيوم الانتظار
لميلاد كائنات خرافية حلمت بوجودها في أعوام طفولتي ..)

إجمالا فان تنوع وتعدد الدوال ومرموزاتها منحت النص الشعري أفقا وسيعا ارتكز على إيقاعية المدلولات وتأثيرها في المتلقي عبر استعادة لحظات ومشهديات ترتبط بطبيعة التوافق وما مر سلفا عبر فترات متباينة وفق تخيل يستحضر صورا علقت بذاكرته أو أومأت إليه سواء كانت استرجاعية أو انشائية :

( أود أن أحول الرمال بمعجزة إلى غيوم
وأحول قصائدي إلى شموس ضاحكة
في ليالي المنافي والمخيمات المتشحة بالجوع والظلام
أود أن أنسج بحبي سلالم طويلة
بيني وبين رابعة العدوية لأتوضأ برحيق قبلاتها
وأصلي على جدائل شعرها الطويل كمنارة مسجد مدينتنا .. )

و

( أحلم أن أخيط من حنود المحتلين خيمة
لتنام تحتها طفلة أغتالت الحرب والدها
أحلم أن أصنع مائدة من جماجم الجبابرة
أكتب عليها أجمل قصيدة للحرية )

و

( أحلم .. أحلم
أن أخلق بلهيب الكلمات
أسرابا من طيور الأبابيل
لترمي أبرهات العصر
بحجارة من النار واللهب
وصخور من القهر والغضب
وتجعلهم كرماد منثور
في الياح الهاجرة ) .

————————————————————–
* القرآن الكريم – سورة سورة مريم الآية 25

بسم الله الرحمن الرحيم
وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا )
* قال الحلاج :

رأيت ربي بعين قلبي
فقلت من أنت قال أنت

و

أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا

شاهد أيضاً

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

المرآة والعري قراءة في رواية (ذهاب الجُعَل الى بيته)
د. قيس كاظم الجنابي

-1- ولد الدكتور فرج ياسين، في مدينة تكريت (ولادته 1946م) ،ترك الشعر واتجه صوب القصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *