صباح هرمز: الهذيان الأخير للملك نيونائيد وإمرأة من البعد الماضي.. وتقنية التماثل لبطرس نباتي.

القصة القصيرة، مثلها مثل أي بنيان، كلما كانت أركانه الثلاثة مترابطة، أزدادت قوة ومتانة صموده أمام عاتيات الزمن، كذلك فالقصة كلما أمتد جسر من التفاهم بين أركانها الثلاثة التي هي الإستهلال والوسط والنهاية، أزدادت قوة ومتانة حبكتها. وبعكس ذلك، بدون هذا الترابط، تفقد خصائصها الفنية، وبالتالي أبرز المقومات المتوافرة فيها.
إن الخوض في معترك هذا الجنس الأدبي ليس بالأمر الهين، إن لم يكن أصعب من كتابة الرواية، فليس كل من كتب الرواية، بوسعه أن يفلح في كتابة القصة القصيرة، والعكس صحيح أيضا. إن الخوض في معترك هذا الجنس الأدبي كذلك، ليس سهلا، لأن سرد الأحداث فيها لا يجري كما تجري في الرواية. فإذ كان سرد الأحداث في الرواية الحديثة يقوم على تداخلها مع بعضها البعض، وعدم الألتزام بنظام ترتيبها بشكل متسلسل ووفق وقوع أحداثها، فإن سرد الأحداث في القصة القصيرة يجري وفق نظام، يحدده الإستهلال بوصفه المفتاح الرئيس لوسط القصة ونهايتها، وإمتدادهما له.
فمن هذا التواشج العميق الذي يربط الإستهلال بالوسط والنهاية، تكمن صعوبة كتابة القصة القصيرة، ذلك أنه بالإضافة الى ما تتطلب منه الإختزال، تفرض عليه ألآ يتجاوز في وسط القصة ونهايتها، الثيمة التي أنطلق منها في البداية. وقصة (الهذيان الأخير للملك نبونائيد) لبطرس نباتي، هي واحدة من القصص التي أستطاعت، أن تختبر هذا الإمتحان الصعب وتجتازه بنجاح. وذلك من خلال شروع بدايتها بهجوم الفراشات السود على المدينة، ووسطها بإعلان الحرب على المدينة المسالمة، وفي النهاية بتلاشي الفراشات الفراشات السود، لتحل محلها الحمائم البيض، وخروج (دموزي) من عالمه السفلي من جديد. أي أن القصة تبدأ بشن الهجوم، وتمر بإعلان الحرب، وتنتهي بسقوط الملك، بخروج دموزي عليه ثائرا من عالمه السفلي.
تتكون هذه القصة من عشر صفحات، كرس الكاتب للإستهلال، صفحة ونصف الصفحة، وللنهاية العدد نفسه من الصفحات تقريبا، وما تبقى وهي سبع صفحات للوسط. وهذا التوزيع نموذجي، لأنه يتناسب مع كل ركن من أركان القصة على حدى، قياسا بطولها.
في الإستهلال، لإقترانه في النهاية، يعمد السارد الذاتي (أنا)، بالتعويل على تقنية التماثل، كرد فعل لهجوم الفراشات، من خلال الشخص الذي له جمجمة كبيرة، والرامز الى الشعب، لنأي النهاية عن غير ما هو غير مقنع ومفتعل، وإيجاد ما يسوغها. وهو إذ يبدأ الإستهلال في جملة (منذ الضياء الأول للفجر. . وآلاف الفراشات السود تفترش بحدة أطراف سماء مدينتي) في نصف صفحة، يكمل الجزء الثاني من المقدمة في جملة (ما بين شغاف الحلم واليقظة، أطل علي ذو الجمجمة الكبيرة. .) في صفحة واحدة، في إشارة واضحة في الجزء الأول من المقدمة الى العدو، والثاني الى مقاومة الشعب لهذا العدو.
إذا كان السارد قد أستخدم الرمز لتقنية التماثل في إستهلال القصة، ففي وسطها أعتمد على الرمز وفي نهايتها التزاوج بين الرمز والأسطورة، عبر توظيف شخصية الملك نيونائيد، آخر ملوك بابل في فترة حكمه (555- 539ق.م) الذي قام بغزو الميدي لبابل والقضاء على الحكم الكلداني).
لجأ المؤلف الى الرمز، تجنبا لإنزلاق المتن الحكائي لقصته الى التقريرية والمباشرة، والى الأسطورة بهدف إقتران الماضي بالحاضر، لبيان عكس ما هو معروف عن التأريخ بأنه لا يعيد نفسه، بينما هنا يعيد نفسه. واللافت للنظر أنه في الوقت الذي أعتمد فيه على أسطورة مستقاة عن أرض بلاد النهرين، في الوقت ذاته وجد من المناسب أن يكون لهذه الاسطورة، إمتداد للظروف التي يمر بها بلادنا، والمأساة التي يعيشها شعبنا. أي البحث عن ثيمة لميثولوجيا تماثل، ظرفنا الحالي. وكان أختيار ميثولوجيا الغزو الميدي لبابل، أنسب أختيار، لأن هذه الأسطورة قابلة للأنفتاح على كل الشعوب، وتأويلها في عدة مستويات، ومختلف الإتجاهات.
إن العاهل نبونائيد الأخير الرامز الى الدكتاتورية، يقع تحت وطأة الحمى، عندما يرى شعبه والشعوب المجاورة تعيش بسعادة، في تصور منه أن سعادتهم هذه تجلب له الشر، لذا تجنبا من شرهم، يبعث اليهم بجيشه الجرار: (ديلمون هي سبب حزننا وبلائنا، هي التي جعلت مملكتي تتضور جوعا وتنعم هي بالسلام.).
ما أشبه ديلمون بالكويت، وما أشبهها بالمدن العراقية والجنوبية التي ضرب الدكتاتور ثوارها في إنتفاضة عام 1991، بيد من حديد. وها هو يأمر بقرع طبول تأجيل أعياد أكيتو، ليغيب السعادة عن وجهي السارد، بإعتباره شخصية من شخصيات القصة، والرأس الكبير: (وعندما يدخل العاهل هكذا في عزلة تامة. . فلا الخصوبة ستعود الى الأرض. . والشاب سينام في مخدعه والفتاة عند صديقاتها.).
تخلو القصة على إمتدادها الإشارة الى هوية الشخصيات التي تحرك أحداثها في العصر الراهن، وتكتفي بالإعلان عن هوية الشخصيات التي تحرك أحداث القصة في الماضي السحيق. وإذا كان في القصة ثلاث شخصيات، تمثل الزمن الحاضر، وهي السارد والرأس الكبير والدكتاتور، دون ذكر أسمائهم، بإعتبار أن كل شخصية ترمز الى شيء معين، كالدكتاتور مثلا الى صدام حسين، والرأس الكبير الى الشعب، والسارد الى شاهد عيان، فإن الشخصيات التي تمثل الزمن السحيق، جاء الإعلان عن هويتها بشكل واضح، كونها شخصيات أسطورية، وحفرت أسمائها في التأريخ القديم، إبتداء من الملك نبونائيد، مرورا بالكاتب شويش شاكان، وإنتهاء بدموزي.
مثلما أستخدم السارد تقنية التماثل في إستهلال القصة، وأختيار ثيمة الأسطورة والواقع الراهن، كذلك أستخدم التقنية نفسها بين الشخصيات التي تمثل هذا العصر وبين الشخصيات التي تمثل الزمن الغابر. الدكتاتور يماثل نبونائيد. السارد يماثل الكاتب شويش شوكان، والرأس الكبير يماثل دموزي. إن التماثل الأول لوضوحه ليس بحاجة الى تعليق. والتماثل الثاني على أساس أن الأثنين كاتبان. والتماثل الثالث لكون الرأس الكبير ودموزي ثائران.
كتب نباتي قصته هذه عام 2001، أي قبل سقوط الدكتاتور بعامين. وبهذا فهو قد تنبأ بنهايته. والجميل لا وبل الأجمل، أن تأتي هذه النهاية مقرونة بالهذيان. مثلما يهذي نيونائيد في أيام حكمه الأخيرة، تبجحا بسجنه وتعذيبه لأبرز كتاب العهد البابلي (شويش شاكان) وخادمه المطيع. هذا التبجح يذكرني بآخر ظهور لصدام حسين على شاشات التلفاز، وهو يلقي خطابا وسط مجموعة من مؤيديه في إحدى ساحات بغداد، ففي الوقت الذي كان الجيش الأمريكي يترصد على أبواب بغداد، بهدف الدخول اليها، كان حفظه الله ورعاه، يشيد ببطولات الجيش العراقي الذي يقف سدا منيعا بوجه الغزاة. لتقترن نهاية الأثنين أيضا بإستخدام القاص بتقنية التماثل، عبر الهذيان.
أقول كتب نباتي قصة الهذيان الأخير للملك نبونائيد عام 2001، وكتب قصة (إسحاق يتوسد تلة أحبها) عام 1987، أي قبل القصة التي نحن بصددها بأربعة عشر عاما. أشير الى هذه القصة لسببين، أولهما كون ثيمة القصتين تتشابه مع بعضهما البعض، وثانيهما هو البين الكبير في المستوى الفني القائم بينهما. إذا كانت الهذيان الاخير تتوافر فيها كل مقومات القصة القصيرة، فإن إسحاق يتوسد تلة أحبها، تفتقر الى ابسط هذه المقومات. ذلك لأنها غارقة حد التخمة في الواقعية، إبتداء من هوية شخصيات القصة المعروفين لأهل البلدة، كإسحاق والعقيد خليل، ومرورا بالأماكن المعروفة أيضا في القرية، وإنتهاء بالعبارات التي تشير الى إستشهاد إسحاق.
والقصة الثانية للنباتي التي تستحق التعرض اليها، هي قصته الموسومة (وإمرأة من البعد الماضي). ذلك لأنها تخلو من المباشرة، وتعتمد على الرمز، فضلا عن توافر مقومات القصة القصيرة فيها، وهي ترابط أركانها الثلاثة مع بعضها، سيما الركنيين الأخيرين، أي الوسط والنهاية بالإستهلال.
في قصته هذه، كما في الهذيان الأخير للنيونائيد، يبدأ السارد في إستخدام تقنية التماثل. وذلك من خلال إبراز جانب القوة والضعف في شخصية زوجته. أقول زوجته لأن السارد أحد شخصيات القصة ويشارك في أحداثها. ضعيفة لكونها مريضة ومصابة بمرض (الحزام الناري)، وقوية ليس لأنها تزاول عملها بنشاط داخل البيت أو خارجه فحسب، وإنما تتحمل حماقات زوجها الذي غالبا ما يتأخر في الليالي عن العودة الى منزله، فضلا عن تحليها بإغاثة الضعفاء، والدفاع عن حقوقهم.
يحول السارد الذاتي (أنا) مرض زوجته الى قوة وتحدي على التعدي القادم من داخل وخارج أسوار المدينة. إذن ثيمة القصة هي في الظاهر مرض الزوجة، وفي الخفاء الدفاع عن الوطن. فالزوجة هنا والحال هذا هي رمز الوطن: (وقبل أن أصل وجدتها قد خرجت قبلي، تحمل صواعق آنو وزوابع مردوخ وقوة وبأس إنكيدو ومكر وخباثة دليلة العبرية وجمال وإغراء عشتار. .).
إن ما جعل الزوجة مريضة ليس بسبب إصابتها بالحزام الناري ، وإنما لضياع أبناءها الواحد تلو الآخر، وهجرتهم لها، حتى أنهم باعوها في سوق النخاسة. رابطا السارد ما يحدث الآن هنا في بابل، بما كان يحدث في سومر في الماضي. أي مثل القصة السابقة، يعيد التأريخ نفسه. بالأحرى مازالت الدول المجاورة، لا وبل حتى الشعوب التي تعيش معنا، تلعب دورا كبيرا في إقصائنا من بلدنا بمختلف الوسائل الترهيبية والترغيبية. ( بينما كنت نائمة بجانب مهد أبني، فجأة ظهرت طغمة من رجال غلاظ القلوب، فصلوا أبني الوحيد عني، وقالوا أبنك أصبح أجنبيا. . ).
إن هذه القصة هي إمتداد لقصة الهذيان الأخير للملك نيونائيد، لوجود خيط مشترك بين متنهما الحكائي . هذا المتن القائم على إستغلال القوي للضعيف، إما لنهب ثرواته وعقاراته، وإما لتغييب هويته، وبالتالي لإذابته وإنصهاره في قومية أخرى، أو عرق ودين آخر.
إن شبح المرأة الذي يتسلل الى مكتب السارد، والقادم من الماضي ما هو إلآ شبح زوجته، بدليل إن المرأة التي وقفت قبالته وأخذت تهمهم بكلمات غير مفهومة، يعيدنا هذا المشهد الى بداية القصة، وزوجته تتدفق من فمها عبارات متقطعة وغير مفهومة: (وعندما أرادت الخروج من غرفتي تعرفت على ملامحها فأعتراني خوف شديد، كانت الملامح ذاتها أو تشبه الى حد بعيد ملامح تلك المرأة القوية والناعمة، إمرأة من الماضي البعيد). والعبارة الأخيرة هي الأخرى يأتي السارد على ذكرها في إستهلال القصة.
إذا كان مرض الزوجة قد تحول الى التحدي والقوة لمواجهة تعدي العدو في الداخل والخارج، فإن قصها لإختطاف أبنها الوحيد، وسرد حكايتها مع أبنائها الثلاثة، يلعب الدور نفسه، كاشفا بأنها زوجة السارد، بهدف الإنتقال الى التحول الأكبر في الضربة الأخيرة، وهي مفاجأة المتلقي أن من كتب عنها ليس زوجها، وإنما هي التي كتبت عن نفسها. في الوقت الذي كانت تطالب فيه منه أن يكتب عنها، طالما يكتب عن الكل. وهنا أيضا يلتقي الحاضر بالماضي، من خلال عملية تزاوج المرأتين في إمرأة واحدة، ذلك أن من كانت تحدثه عن إختطاف أبنائها وغيابهم عنها، كانت هي زوجته التي ظهر له شبحها في إمراة أخرى وفي زمن غير زمننا.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. محمد حسين السماعنة : السحر الأسود في قصيدة نزار قباني “يوميات امرأة”.

احتلت المرأة مساحة واسعة من أوراق نزار قباني فقد مدت ظلها على أكثر عمره، وأكثر …

| علم الدين بدرية : رحلة استطلاعيّة على أعتاب الفردوس وقراءة نقديّة في لوحة الأديب والشاعر وهيب وهبة الإبداعيّة (الجنَّة).

كتاب الجنَّة الطبعة الرابعة يقع في مئة صفحة من الحجم المتوسط باللّغتين العربيّة والإنجليزيّة، يضمُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *