جمعة اللامي: ذاكرة المستقبل.. قناع محمد خضير


“ما دامَ كسرةُ خُبز تُسْعدكَ في كلّ يوم،

فلا تقيد روحك في أيّ قَيْد”

(فريد الدين العطار)

الثلاثاء : 31 ـ 3 ـ 2009

انتخب محمد خضير قناعه بخياره، وقراره، ثم أعلن أنه ماضٍ إلى خان العالم، بعدما ارتدى أقنعة ستة من بستانيي العالم، وأجلس العالم على كرسي بست أرجل، وبقي هو -حائراً- يطل على مخلوقاته من وراء قناعه السابع، أو اللانهائي.

لماذا أتيتَ إلى الحديقة أخي؟ ألم تتزكى في الانفجار الكبير؟

يقول “حدائق الوجوه”، كتابه الأخير، ما لا يسعه عدل بعير، في مجلد صغير، تستطيع أن تضعه في مخبأ دشداشتك، وأنت في الطريق إلى الجمعية التعاونية، أو إلى حيث تعمل، أو إلى خلوتك.

حملته -أنا- داخل حقيبة صغيرة، بينما كنت في طريقي إلى مكة والمدينة، نهاية العام الماضي، وقرأته على ثلاث دفعات. الأولى: عندما أرسله إلي صديق من الشام. والثانية: حينما كنت في الأعالي، معلقاً بين اليأس والرجاء، متجهاً إلى سرة الكون، ومهد بستاني الإسلام. والثالثة: عندما جاورت ابن عبدالله.

هنا، وهناك، وهناك أيضاً، رأيت نفسي. وكان محمد خضير، أخبرني في رسالة قصيرة جداً: “ستجد نفسك في حدائق الوجوه”. وكان ذلك إسراراً من بستاني لبستاني آخر، عندما كنا نتطارح الأفكار، ونتراشق بالكلمات، ونحن نهيم على قناعينا بين أروقة “حديقة زينب” بالشارقة، في تلك الأيام الستة من صيف سنة 2006.

وفي يوم من شهر يونيو/ حزيران ،2006 غادرت مبكراً إلى الجزائر، مدعواً من جاحظية الطاهر بن الوطار، بينما بقي محمد خضير، البستاني السابع باختياره، يهجع مستيقظاً في غرفتي، وعلى مبعدة غير بعيدة عنه، بقية أسرتي، ولأترك عنده -أيضاً- قناعي الخاص، وهو يلملم بقية أطمار رحلته في حدائق الوجوه.

بعد أربع ساعات على مغادرتي الشارقة، رجع محمد خضير إلى البصرة، حاملاً معه حيرته، “فلو عرفتُ وراء أي قناع اختفي قبل أن أغادر إلى خان العالم، فإني أجهل لمن أخلف هذا القناع”، كما يسجل في السطرين الأخيرين من “حدائق الوجوه”.

يا لهذه الروح المبتلاة بأسرارها.

بستاني خلف بستاني، وكل واحد يلقي بقناعه، وكان على محمد خضير أن يتقدم إلى دوره، ويمسك بقناعه، ويسأل البستاني المغادر: “كيف لي أن أتعرف وجهي؟ أأنا في الحديقة أم في الخان؟”.

يجيب البستاني المغادر: “إن أدركت ما أدركته، وخبرتَ ما خبرتهُ، وسَعَيْتَ إلى أن تكونَ بستانياً بالمثابرة والترقي، فستمكث زمناً في الحديقة، ثم متى حان قطافك، تركتَ قناعك وانتقلت إلى خان العالم”.

هنا، محمد خضير يجيب محمد خضير.

هو البستاني الآتي والمغادر، هذا القاص الذي يكتب وهو في حلم دائم، كما في قصصه الأولى، كما في “حدائق الوجوه” لأنه قناعه اللانهائي، بعد وقبل أن يحدث الانفجار الكبير.

جمعة اللامي

www.juma-allami.com

juma_allami@yahoo.com

شاهد أيضاً

محمد مهدي الجواهري: ما ورد عنه في كتب في ضوء مسح افتراضي
أ.د. صالح جواد الطعمة

مقدمة: أدرك جيدًا أن توثيق منجزات الجواهري عبر قرن وما كتب عنه أكثر تعقيدًا وصعوبة …

شوقي كريم حسن: داود سلمان الشويلي… وضوح الأشتغالات المعرفية

*عند خط الفصل بين سومر بكل ارثيتها العجيبة، وامتدادات زقورة اور، واللاله الجالس في العلو، …

صباح هرمز: بنيات السرد في روايات “محسن الرملي”

1- الشخصية: يقول رولان بارت معرفا الشخصية في الحكاية بأنها: (نتاج عمل تأليفي) كان يقصد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *