د. مثنى كاظم صادق: أنا شاهد عيان

ضمن اختلاجاته الكامنة في دروب التجارب الأليمة له ولسواه ، تتصاعد ذبذبات التجارب الحزينة ؛ لتتحول أصواتاً عند الشاعر عبد الكريم الجشعمي في مجموعته الشعرية ( أنا شاهد عيان )(1) إذ يعترف من خلال العنوان بوصفه عتبة أن قصائد الديوان ( السير ذاتية ) في مجملها هو فيها شاهد وشهيد بذاته الحاضرة ؛ بتوظيف ضمير الحاضر المفرد ( أنا ) كي تقتصر هذه الشهادة عليه وحده فقط دون استعمال الضمير( نحن شهود عيان ) وبهذا يتطابق العنوان الفردي مع محتوى النصوص التي تتحدث عن المجني عليه أو عليهم ؛ لأن من كان يفترض أن يكون شاهداً معه أصبح شهيداً أو مغيباً ( مجنياً عليه ) وسيشهد الشاعر على ذلك شعراً وأشجاناً وحباً( يا ناظراً ديواني / إصغ إلى أشجاني ) ص 11 فهو يدعو ــــــ بدءاً المتلقي ـــــــــ عن طريق النداء أن يـتأمل أحزانه ولعلني أستوقف هنا عند كلمة ( يا ناظراً ) بدلاً من ( قارئاً ) موحياً بذلك أن هذه النصوص تكاد أن تكون قصائد مرئية مسموعة على الورق ، بدلالة توظيف الفعل ( إصغ ) الذي يستعمل لحاسة السمع من ( الإصغاء ) ….. قصائد المجموعة الشعرية كما أسلفنا هي قصائد سيرية تحكي تجارب السجون والاعتقالات والتعذيب والاغتيالات وهي قصائد ذاتية ربما مر بها الشاعر نفسه وموضوعية مر بها الآخرون من أبناء مدينته بهرز أو محافظته يتجلى ذلك في وضع هوامش تعريفية في أسماء الذين يتناولهم في قصائده ..وعلى الرغم من ذلك فلم تقع هذه القصائد في التقريرية المباشرة وقد تخلص من ذلك باحترافية عالية باستعماله الضمير الغائب والاستعارات المكنية التي فعلت فعلتها في النصوص ( النور يعصره الظلام / النور أوشك أن يبوح ) ص 16 ومابين هذه المكنيات والكنايات الكبرى تتصاعد شواظ الأمنية الكبرى للمناضل الحر السجين ( ربما أحلم يوماً أنني حر طليق في بلادي ) ص 19 فقد جعل الحلم بالحرية احتمالياً ضمن بنية لغوية توحي الندرة بتوظيف حرف التقليل في البلاغة ( ربما ) …. حتى الأحلام المباحة في الخيال دون قيود صارت مقيدة وتكاد أن تموت في مهدها الأول ( الخيال ) ويتجه النص الوجداني ( إنني ضيعت عمري بين أدري لست أدري ) ص 25 إلى التناص مع قصيدة أبي ماضي الشهيرة ( لست أدري ) وأسئلتها حول الوجود الإنساني مع أن الجشعمي قد اتجه صوب أسئلة الوجود الوجداني العاطفي مع المرأة .. التي لم يصرح بها بل لوح تلويحاً إليها جاعلاً منها آيقونة مقدسة تذوب عند عتبتها عواطفه … ثم يعرج الشاعر إلى إحدى شهيدات الآيدلوجية اليسارية التي يهمش اسمها في مجموعته وهي الشهيدة ( كوثر مجيد محمد ) وقد جاءت الهوامش التوضيحية في المجموعة غالبيتها شخصية أو جغرافية أو لغوية ؛ لتوضيح المتن بإضاءته بهامش على أنه يحسب للشاعر عدم إثقاله مجموعته بالهوامش … ( يسأل الجلاد في صوتٍ هجين / انتهى الأمر فماذا تأمرين ؟ / أطعام أم وصية ؟ أنا عنوان ورمز لقضية / كَللوا نعشي بألوان الزهور / وارفعوا قبعتي الحمراء / وطني حر سيحيا من جديد / وسيرقى شعبي المكبوت لليوم السعيد ) ص 33ــــــــــــ 34 صورة مشهدية متحدية الجلاد وسؤاله التقليدي للمحكوم بالإعدام عن آخر طلب له وسؤال الجلاد كان قوياً بدلالة توظيف ( ماذا ) بدلاً من (ما) الاستفهامية وجعلها أمام اختيار جوابين تصوريين بأم المعادلة العاطفة متصوراً أنها ستختار أحدهما كما هو معهود مألوف … فيتصاعد الجواب غير المألوف المتحدي المنتصر روحاً ومعنى حتى لو خسر الجسد بالموت … انتصار الثورية اليسارية على القمعية القومية محيلاً إلى تلك الهوية الأممية اليسارية بالقبعة الحمراء …. وشعار الحزب الشيوعي المعروف ( وطن حر وشعب سعيد ) الذي تواشج مع النص الذي تقوله الشهيدة اليسارية مستعملاً السين في ( سيحيا / سيرقى ) وهي سين الاستقبال للزمن القريب مما يشحن النص بأمل وتفاؤل لشحذ همة الروح الثائرة المضحية …… ومن طريف شعر الجشعمي توظيف السوشيل ميديا في الشعر النصحي ، ولاسيما شيوع الحب الافتراضي ( الاليكتروني ) في الشبكة العنكبوتية بوصفه وهماً مفترضاً ؛ كي لا ينجرف أحد ما ويصدقه واقعاً ( أيها الموهم بالنت تمهل / إحترس كيد النساء / تلك جدران على الفيس سراب ) ص 15 وربما كانت النصيحة للمرأة أيضاً ….. أنا شاهد عيان مجموعة شعرية سيرية تنثر في متونها أشجان الإنسان العراقي …..
(1) أنا شاهد عيان / شعر عبد الكريم الجشعمي ، تموز للطباعة والنشر ط1 / 2018 دمشق.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *