مَريم لُطفي الآلوسيّ: النَّوارسُ المُهاجِرة- رحلةُ الموت (قصةٌ مأساويَّةٌ لأرواحٍ تبحثُ عن السَّلامِ) (6/ القسم الأخير)

ليل وانتظار

يا أيُّها الليل أَمَا آنَ لكَ أن تستكين
وتنتظر صبحا لا بدَّ آتٍ

وفي المساء ذهب أبو نورس وفراس إلى المرفأ والتقيا بأبي نور ثُمَّ توجهوا إلى ذلك المقهى ليلتقوا بالمُهرِّب.
جلسوا على إحدى الطاولات وطلبوا شايا، كان المكان يعجُّ بالناس لا سيَّما العراقيُّون والسوريُّون، والكلُّ يتحدَّث عن رحلة الحظ السعيد إلى اليونان. أغلب اللاجئين كانت لهم قصصٌ مؤسفة مع المُهرِّبين من نصب واحتيال، وعلى الرغم من علمهم بذلك لكنَّهم مضطرُّون إلى التعامل معهم.. كان لديهم أمل ولو بسيط، وفي كل الاحوال انهم لايمتلكون خيارا اخرا ،فاما العودة الى المربع الاول من حيث اتوا فارون بارواحهم واما ان يمضوا قدما وان كانت المجازفة كبيرة ..
مرَّت نصف ساعة ولم يأتِ المُهرِّب، كانوا يدخنون السيجار، طلبوا شايًا مرَّة أخرى، بدأ القلق يتسرَّب إلى نفوسهم من جديد، وبعد قليل حضر المُهرِّب وهو سوريُّ الجنسيَّة..
– السلام عليكم.
– وعليك السلام، ردَّ الجميعُ.
– هل تأخَّرتُ عليكم؟ كانت لدي أعمال كثيرة.
– لا عليك، هؤلاء أصدقائي من العراق السيِّد عادل أبو نورس وفراس، وهذا أبو كامل
– أهلا بأشقائنا، كيف حالكم؟
– ما الذي حصل في موضوعي؟ بادر أبو نور بالسؤال.
– تعلم أنَّ الظروف صعبة في هذه الأيام، ولا سيَّما بعد غرق أحد القوارب قبل يومين.
– يا إلهي! انتفضَ أبو نورس من مكانه.
– للأسف، نعم لقد غرقَ عدَّة أشخاص بينهم طفلان من العراق من الطائفة الإيزيديَّة.
وضع أبو نورس كلتا يديه على رأسه والفزع يملأه.
– كيف حدث ذلك؟! ألم ينقذهم أحد؟!
– تحدثُ هذه الحوادث عندما يكون الموج عاليًا، فينقلب القارب، ولهذا السبب نحن نؤخِّر الرحلات إذا كان هناك موجٌ عالٍ.
تردَّد أبو نورس كثيرا بعد سماعه ذلك، وقرَّر أن يعيد حساباته من جديد، فليس لديه أدنى استعداد بأن يخسر أطفاله بهذه الطريقة..
– هذا يعني أنِّي سأنتظر بضعة أيام أُخر. قالها أبو نور وكأنَّه لم يسمع شيئا، فما عادت الأمور تفرق كثيرا معه، وبالنسبة إليه وقوع البلاء ولا انتظاره..
– هذا صحيح، عليك أن تتحلَّى بالصبر ريثما تتحسَّن الأمور. وماذا عنكم هل تريدون السفر أيضا؟
– لا أعلم لستُ متأكِّدا بعد الذي سمعته، فالأمر ليس مزحة أبدًا، ولا أستطيع أن أجازف بحياة أولادي.
– لا تخفْ يا رجل، فالحياة والموت بيد الله وحده، سندبِّر الأمر، لا عليك اتَّكلوا على الله ثُمَّ عليَّ.
رجع ابو نورس وفراس إلى الفندق وهما يضربان أخماسا بأسداس، وكان أبو نورس مرعوبا إلى حدِّ اللعنة مِمَّا سمعه، وقرَّرَ ألَّا يخبر زوجته بذلك فيصيبها الذعر، بدا حزينًا مهمومًا، وكأنَّ السماء انطبقت عليه وهو يفكِّر بالطفلين الغريقين..
كانت الأفكار السوداء تداهمه، تُشتِّت تفكيره، تقلب كيانه، ترعبه، فيحاول إزالتها فيستغفر الله كثيرا علَّه يستطيع أن يهدأ ويلمَّ شتاته ولو قليلا..
انتبهت أمُّ نورس لزوجها، حاولتْ أن تفهمَ منه شيئًا، حاولتْ جاهدة اقتحام خلوة أفكاره التي أطبقها تماما، حاولتْ تبديد تلك الغيوم التي اعتلت وجهه.
– زوجي العزيز، ماذا حدث؟!
– لا شيء، قالها وهو يسحب النفس بعمقٍ شديدٍ ويزفره بعمق أكبر.
– ما الذي حصل بينك وبين المُهرِّب اليوم؟ هل وجدته؟
– لا لم يأتِ اليوم، ربَّما غدا، قالها محاولا أن يغلقَ الحديث الذي أثقل كاهله، وبدأت الصور تلاحقه، وبدأ البحر كقرش جائع يبتلع القوارب المحمَّلة بالأمنيات.
لم ينم ليلتها، وكانت الكوابيس تهزُّ مضجعه فينتفض، يتقلَّب ذات اليمين وذات الشمال، علَّه يجد جهة تلائمه، ربَّما الفراش ليس وثيرا، أو أنَّه لا يرغب بالنوم، هذا ما قالته نفسه وقد سمعها واتَّفق معها.
بقي أبو نورس يعاني من الأرق عدَّة أيامٍ، وكان دائم التردُّد على المرفأ، يلتقط أخبار المهاجرين علَّه يجد بصيصَ أمل يعيد له الرغبة في التفكير.
كلُّ اللاجئين مساكين، وكلُّ المُهرِّبين يتشابهون بالوعود، بعضهم يفي وبعضهم ينكث، وهكذا فالأمر مرهونٌ بالصدفة وراجع إلى كم ستدفع.
التقى أبو نورس بأبي نور في المقهى، وبعدها وصل أبو كامل وكان يلهث كأنَّه قطع الصحراء مشيًا على الأقدام وفي جعبته كلام كثير، اتَّفق مع أبي نور بأنَّه سيبحر في منتصف الليل، ويجب أن يكون مستعدًّا ورهن الإشارة، فستأتي سيَّارة لتأخذه إلى حيث القارب..
كان أبو نور قد اتَّفق مع أبي كامل على أن يسلَّمه نصف المبلغ ويسلِّم النصف الآخر لأحد المكاتب التي يتعامل معها المُهرِّب الشريف، وحينما يصل إلى الجزيرة اليونانيَّة سوف يسلّمه المكتبُ بقيَّة المبلغ المتَّفق عليه..
ودَّع أبو نورس صديقه أبا نور متمنيًا له رحلة سعيدة وآمنة، وقد وعده الأخير بأنَّه سيتَّصل به من الجزيرة، وربَّما سينتظره هناك لحين وصوله..
وفي صباح اليوم التالي ومع أوَّل خيط من خيوط الصباح رنَّ هاتف أبي نورس الذي ما يزال نائما يحلم بالسفن والمراكب، قال في نفسه يا ستَّار يا ربِّ! من الذي يكلّمني في هذا الوقت من الصباح، نظر إلى ساعته وهو يحاول التركيز جاهدا..
– صباح الخير يا أخي، كان ذلك صوت أبي نور.
– أهلا، صباح الخير.
– لقد وصلنا إلى الجزيرة بأمان في منتصف الليل.
– ألفُ حمدٍ لله على سلامتك، هل كلّ شيء على ما يرام؟
– نعم الحمد لله، صحيح أنَّ الأمر ليس سهلا لكنَّ سائق المركب كان ماهرا استطاع أن يتغلَّب على مصاعب الرحلة..
– الحمد لله لقد أرحتني يا أخي.
– ألم تقرِّر أنتَ؟
– بلى، اليوم عندي لقاء مع أبي كامل.
– حظًّا سعيدًا، سنلتقي قريبا إن شاءَ اللهُ.
– إن شاءَ اللهُ.
فرك يديه بفرح شديد، وكأنَّما انفتحت شهيَّته ليأكل خروفا كاملا.. بدأ الدَّم يتدفَّقُ في عروقه من جديد، ارتفع الأدرينالين عنده، وبدت روح المغامرة تبحر في بحاره من جديد بعدما احتلَّ اليأسُ محلّه في نفسه، كان يقول بصوت عال: ها ها..
سمعتْ زوجتُه المكالمة، ورأت الفرح باديًا عليه، مسك يديها وقال:
– سنبحرُ يا دعاء، لقد وصل أبو نور بسلام.
– حمدا لله.
– لقد تحمَّست كثيرا، سألتقي بأبي كامل اليوم مساءً واتَّفق معه.
– نعم، علينا أنْ نستعجلَ قليلا؛ لأنَّ المال بدأ بالنفادِ.
– هذا صحيح، سنعوِّضُ كلَّ شيءٍ، لا تقلقي.

غَليون العمّ غزوان

وللسنين حديث كدخان السجائر

دخل الكرديُّ إلى المقهى وبداخله مشاعر مضطربة، فرح، حزن، يأس، شتات، وعلى الرغم من ذلك كان يريد أن يلتقي بأبي كامل علَّه يحصل على نصف ماله الذي ذهب مع الريح..
بدأ يفتِّش في الوجوه، سألَ فلانًا وفلانًا إن كان أحدهم قد رأى أبا كامل، أو أنَّه اختفى أيضًا، جلسَ على الطاولة وطلب شايًا وبدأ يضع السكَّر بكوب الشاي ويحرِّكه حتَّى ذابت حبَّات السُكَّر وتلاشت، كان يقول في نفسه سنختفي يوما من هذا العالم كما ذابت حبَّات السكَّر هذه واختفت، وفي هذه الأثناء ألقى أحدهم عليه التحيَّة فرفع رأسه وإذا هو أبو كامل.
– كيف حالك يا صاح؟
انتفض ابو راغب من مكانه،وكان مقطب الوجه..
– اين كنت يارجل بالله عليك؟
– أنا آسف لما حصل لك، كما تعلم هذه الأمور مرهونة بالصدفة.
– هذا صحيح، ولكن بما أنَّ الأمر لم يكتمل فعليك أن تعيد لي مالي، وأعتقد أنِّي كنت كريما معك ولم أخبر السلطات عنك..
في الحقيقة حتّى لو أخبر السلطات عنه فلن يصل إلى نتيجة؛ لأنَّ المُهرِّب قد أخذ احتياطاته تماما، أصلا هو يستعمل اسما وهميًّا، ناهيك عن أنَّه قد رتَّب أمره مع هذا الطرف وذاك..
– لكن كما تعلم أنَّك قد دفعت نصف المبلغ وأنا قد تصرَّفت به، فلستُ وحدي من يقوم بهذه المَهمَّة.
– هذا ليس من شأني، أعدْ لي نصف المبلغ وإلَّا..
– إلَّا ماذا؟! إن هدَّدتني فلن تحصلَ على شيءٍ البتّة، علينا أن نصل إلى اتّفاق..
وفي أثناء النقاش الذي كان دائرا دخل رجل عجوز يتعكَّز على الهواء، يبدو أنَّ الزمن قد ترك آثاره عليه بوضوح، فكان وجهه كجذعِ شجرةٍ متآكل قد أكلته دودة الأرض (الأرضة)، ويداه متخشبتان تبدو العروق واضحة ومجسَّمة فيهما،يبدو الكبر والمرض قد تمكنا منه،لكنه يكابر،بين الحين والاخر يسعل سعالا متقطعا.. كان ذلك العجوز هو العمّ غزوان، نصفه عربيّ ونصفه الآخر تركيّ، فوالده سوريٌّ وأمُّه تركيَّة، يعيش في كوخٍ صغيرٍ قرب المرفأ، حاول فضّ النزاع بإلقاء التحيَّة..
– السلام عليكم.
– وعليكم السلام، ردَّ الاثنان.
وما إن جلس العمُّ حتَّى دخل أبو نورس وفراس وألقوا التحيَّة أيضًا.. جلس الجميع على الطاولة، تعارفوا جميعًا. كان الرجل العجوز يعيش في سوريا مع أمِّه وأبيه، ومنذ ستين عامًا تقريبًا توفي والده مِمَّا حدا بوالدته أن تعودَ إلى مسقط رأسها في مدينة بودروم، وما كان على الصبي إلَّا أنْ يعملَ مع جدِّه لوالدته، ليوفِّر قوته وقوت والدته، كان جدُّه دفَّانًا يحفرُ القبور ويدفن الموتى، وقد أُجبرَ الصبيّ على تعلُّم هذه المهنة من جدِّه..
مدَّ يده إلى جيبه وأخرج علبةً نحاسيَّة صغيرةً، كان قد وضعها في الجيب الداخليّ، فتحها وكان فيها تبغ، ثُمَّ أخرج حزمةَ أوراقٍ بحجمِ الإصبع وبدأ يلفُّ سيجارا، يلفُّها بيديه المرتجفتين المتخشّبتين، بطريقةٍ متأنِّيةٍ جدًّا وكأنَّه يلفّ همومه معها، تلك التي أثقلت كاهله..
ثُمَّ لفَّ ثانية وثالثة وقدَّمها للضيوف.. بعدها أخرج غَليونَه المتآكل، نفخ فيه لكي لا يكون مسدودا، وملأه تبغا، ثُمَّ أجهز عليه بنارِ ولَّاعتِه التي كانت هديَّة من جدِّه، ربَّما تعود إلى أيَّام الحرب العالميَّة الثانية، تلك الولَّاعة التي تملأ سبطانتها وفيها فتيلٌ كفتيل القنديل.. بادره أبو نورس بالسؤال.
– منذ متى وأنت هنا يا عمِّ؟ وما الذي أتى بك إلى تركيا؟
سحب العجوز نفسا عميقا ومعه حسرة طويلة بطول تلك السنين التي عاشها بين المقابر، تلك السنين التي احترقت كما يحترق التبغ في الغَليون..
– إييييه، لقد مرَّ وقت طويل، لكنّي أشعر به، إنَّه كان بالأمس، كنَّا نعيش في دمشق، وكان أبي تاجرا مرموقا يملك دكانا يبيع فيه القماش، ذات مساء عاد إلى البيت مبكِّرا، كان متوعّكا لم يتناول العشاء، عملتْ له والدتي مشروبا ساخنا، قالت ربما قد أخذ بردا، دخل إلى غرفة نومه ونام ولم يصحو بعدها، لقد مات.. فما كان على أمّي إلّا أن باعت الدكّان ثُمَّ عدنا إلى مدينة بودروم مسقط رأسها.. عملتُ مع جدِّي في مهنة الدفن، وهذه المهنة الوحيدة التي تعلّمتها..
مرَّت السنون، وتوفيت والدتي وبقيت وحيدا في ذلك الكوخ، وهو كلُّ ما أملك من حطام الدنيا..
في السابق نادرا ما كان يموت أحدهم، وإن مات فيكون شخصا طاعنا بالسنِّ أو بحادث سيَّارة.. أمَّا اليوم؛ فقد أصبح صيد البحر وافرًا، وصار الدفن بالجملة، حتّى أنَّ المقبرة امتلأت، وامتلأ أديم الأرض بهذه الأجساد الغضَّة!
– أليس لك أولاد أو زوجة؟ سأله أبو نورس الذي كان متعاطفا معه إلى حدِّ اللعنة.
– هههه، زوجتي لم تحتمل هذه الحياة، فوجودي بين الأموات كان يرعبها، بينما العكس هو الصحيح، فالأموات لا يخيفون، إنَّهم فقط نائمون، الذي يُرعب ويخيف حقًّا هم الأحياء بكلِّ زيفهم وألاعيبهم.
– كفاك هراءً أيُّها العجوز الخرف، لم تتوقف لحظة عن التخريف، قالها أبو كامل، فيبدو أنَّ الأمر مسّه كثيرا.
– ههه، لست خرفا لكنَّ الريح مرَّت على حقلك فطارَ غسيلك المنشور فأحسست بها!
– إنَّك شخص رائع يا عمّ، أرجوك تابع الحديث، ماذا عن تلك الأجساد المجهولة؟ أقصد هل يسأل عنها أحد؟ سأله أبو نورس والفضول قد أخذ منه مأخذًا.
– في هذه الأيام طالما نجد جثثًا على الشاطئ، وفي حال لم يسأل عنها أحد نقوم بنقلها إلى الجامع وتغسيلها وتكفينها والصلاة عليها، ثُمَّ دفنها ووضع علامة دالَّة عليها، كأن تكون سلسلة كان يلبسها المتوفى، وأكثر الأحيان أقوم بتصوير الشخص أو ملابس الشخص وأضعها على المقبرة، ربَّما يأتي أحدٌ ليسأل عن رفاة ذويه..
– فعلا أنَّك شخص كريم، قال أبو نورس.
– لم أقم بعملٍ بطوليّ، أقوم بذلك في سبيل الله، وآمل أن أجدَ من يدفنني عندما أموت..
– صَه أيُّها العجوز، وكفاك هراءً، لقد ضقتُ بك ذرعا وأنتَ تتحدَّث عن الموت، قال أبو كامل وكان طوال الوقت يشعر أنَّ الحديث موجَّهٌ إليه، حاول إسكات العجوز بأيِّ طريقة..
– الهراء ما تقوم به أنتَ يا عين الشيطان.
ثُمَّ بدأ العجوز يسعل.. ظلَّ يسعل سُعالًا متتاليًا، وقال بصوت متقطّع:
– عليَّ الذهاب لتناول الدواء، فهذا التبغ لم يعد يلائمني.. وأنت يا صاح كنْ رحيما بهؤلاء الزبائن، فإنَّك مهما جمعت من نقود لن تجد بانتظارك غير متر من قماش تُلفّ به، وحفرة تدفن فيها، وإذا كنت محظوظا فسيضعون اسمك على القبر؛ لأنَّ طبَّاخ السمِّ لا بدَّ أن يذوقَه يومًا ما!
– صَه.. عجوزٌ لعين، أنت تتفاءل عليَّ بالموت!
– اييييييه..أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ،لااحد يعيش عمرين!
بدا كلام العجوز مقنعًا بالنسبة إلى أبي نورس، فالموت لا يمنعه شيء إذا حضر، وعليه أن يؤمن بذلك..
نهض العجوز غزوان من كرسيِّه وواصل السُعال، ثُمَّ قال:
– استودعكم الله يا رفاق، وآمل أن لا ألتقي بكم إلَّا في هذه المقهى، وليس في مكان آخر!
ذهب العجوز إلى كوخه مترنِّحا من السُعال والتعب وهو يتكأ على عصا قد التهمت الارض ربعها!، وكان على أبي كامل أن يلمَّ الأمر سريعا قبل أن يغيِّرَ الزبائنُ رأيَهم، فكلامُ العجوز جاء على غير هواه، وكلُّ كلمة نطقها كان يقصده هو، وقد لاحظ ذلك على الوجوه التي كانت عيونها ترسمُ ألفَ علامةِ استفهامٍ، لذا عليه أن يقنع أبا نورس، ثُمَّ يسوِّي الأمر مع أبي راغب بأيِّ طريقة.. اتَّفق مع أبي نورس بأنَّه سيقابله غدا صباحا ليعلمه بالتفاصيل.. وأخبر أبا راغب الذي راقه موضوع الهجرة من جديد بعد أن رأى إصرار أبي نورس على الهجرة، بأنَّه سيصل معه إلى اتّفاق يرضيه! قال لهم بكلِّ ثقة إنَّه سيدبِّر الأمر، وعليهم أن يعتمدوا عليه.. في الحقيقة لم يكن لديهم خيار ثان، فالبحر أمامكم والعدوُّ وراءكم، وربَّما قد أفلح إن صدق!

عقارب كسيحة

من يحصد الليل؟
من يروع النهار؟
من يجعل السماء تعاني احتضارًا؟

اتَّفق أبو كامل مع أبي نورس وأبي راغب وعائلة سوريَّة أخرى وبعض النفرات الآخرين، والكلُّ سيسافر على متن هذا القارب المطاطيّ العظيم، الذي سيقلُّ أربعة عشر نفرا، وهو بالحقيقة مخصَّصٌ لحمل ثمانية أشخاص فقط..
وكان يجب عليهم أن يتركوا كلَّ شيءٍ لكي لا يكون الحمل ثقيلا على القارب الهلامي الذي سيحملهم بالقدرة!
كان اختيار المُهرِّب هو السفر إلى جزيرة كوس اليونانيَّة، وتُعَدُّ هذه الجزيرة نقطة التقاط الأنفاس لآلاف المهاجرين وطالبي اللجوء في دول الاتِّحاد الأوربيّ..
فهذه الجزيرة الواعدة التي تعيش على موسم السياحة هي أوَّل أرض أوربيَّة يدخلها المهاجرون في طريقهم المحفوف بالمخاطر والاستغلال والمضايقات.. لكن كانت هناك جمعيَّات إنسانيَّة تستقبل اللاجئين وتقدِّم لهم المعونة من سكن وغذاء ودواء لحين هجرتهم إلى البلد الذي يريدون.. أمَّا الآن وبسبب الأعداد الهائلة؛ بدأ المهاجرون يفترشون الطرقات، ولا يحصلون على أيِّ خدمات، والرائحة الكريهة تملأ المكان من أكداس النفايات المتراكمة، وقد كان معظم اللاجئين يفضِّلون الطريق البرّيّ الذي يمرُّ من شمال اليونان عبر دول البلقان، وهو الطريق الأوحد للاجئين..
اختيرَ الموعد وكان في الساعة الثانية عشر ليلا، وكان يجب عليهم أن ينتظروا الإشارة عبر الهاتف ليتهيَّؤوا للسفر..
حلَّ المساء بليله، بنسائمه، بانتظاره، بما يحمل من مفاجآت.. كانت عائلة أبي نورس بأهبّة الاستعداد، وقد تخلَّصوا من جميع حقائبهم بالتبرع بها إلى الجامع.. كانوا على أحرِّ من الجمر، وقد بدأ الأطفال يتثاءبون من شدَّة النعاس، وكان الأب والأمُّ يحاولان إيقاظهم بشتَّى الطرائق..
بدت عقارب الساعة كسيحة كأنَّها عجوز، كسيحة لا تقوى على السير.. كان الوقت مُملًّا فالانتظار لا يُحتمل أبدًا..
صارت الساعة الثانية عشر ولم تأتِ إشارة ما، بدأ القلق يتسرَّب في نفوس الجميع..
مرَّت نصف ساعة أخرى دون فائدة، صارت الساعة حوالي الواحدة والنصف، رنَّ الهاتف:
– ألو نعم، أنا أبو نورس.
– آسف يا أخي لقد تأجَّلت الرحلة.
– ماذا؟! ماذا تقول؟! كيف ذلك؟!
– بسبب ارتفاع الموج لا نستطيع الابحار هذه الليلة، انتظروا منِّي موعدًا آخرًا ريثما أرتِّب الأمور..
خيبة أمل سيطرتْ على الوجوه المتأمِّلة في السفر، كان أبو نورس واقفا متهيِّأً، جلس وهو يقطب حاجبيه من الغضب، لكنَّ فرحة الصغار لا تُوصف، كانوا يتوقون إلى النوم أكثر من أيِّ وقت مضى، فقد أسرَّهم هذا التأجيل كثيرًا فناموا بملابسهم..
– لا عليك يا زوجي العزيز، فربَّ ضارَّة نافعة، وربَّما التأجيل كان في صالحنا، دعنا ننام وفي الصباح يحلُّها الله..
نام الجميع إلَّا أبا نورس لم ينم من المشاعر المضطربة التي اجتاحته وطيرت النوم من عينيه، حزن، يأس، انتظار بلا فائدة، كانت هذه الأمور تفقده القدرة على النوم.. لكن بمشقَّة استطاع أن ينام بعد أن سمع أذان الفجر، فصلَّى ونام.. وهكذا انتهى يومهم الحافل بالانتظار..

الورقة الأخيرة

غرقت ببحر من الدجى والهموم
تسحبني الى القاع تتراتها..

بدأ القلق يتسرَّب إلى نفس أبي نورس؛ لأنَّ المال الذي بحوزتهم بدأ ينفد، وهذا يعني أنَّ عليه أن يقرِّر إمَّا الاستعجال بالسفر أو البقاء في تركيا حيث لا يدري ماذا سيعمل، وما الذي عليه القيام به! وكيف سيوفِّر القوت لعائلته؟! أو الخيار الأخير وهو العودة إلى المربَّع الأوَّل وهي نقطة انطلاقهم الأولى من العراق، وكان مجَّرد تفكيره بالعودة يصيبه بالرعب، ويتذكَّر كلَّ ما مرَّ به من أحداث مؤلمة جعلته يترك كلَّ شيءٍ ويفرّ هاربًا..
كان عليه أن يحدِّد موعدًا جديدا مع المُهرِّب؛ لأنَّه بدأ يفكِّر بالبحث عن غيره، ولكن عليه أن يصلَ إلى آخر الطريق معه..
ذهب إلى الميناء، وإلى المقهى تحديدا حيث يوجد أبو كامل، وجده هناك قرب المقهى واقفا ومن حوله جمع من الناس يتجادلون معه، كانوا لاجئين عراقيِّين وسوريِّين من الرحلة نفسها التي تأجَّلت..
كانت مشاعر الغضب تلفُّ الوجوه اليائسة، وكلُّ نفر منهم يسأل متى سيكون الموعد الجديد للرحلة.. كان أبو كامل يتعذَّر منهم مبرِّرا ارتفاع الموج، أو ربَّما كان صادقا لكنَّه لا يستطيع أن يعترف بأنَّ القارب المطاطيّ عاجزٌ عن مقاومة سيول الأمواج المتصارعة، وإنَّها في أيِّ لحظة ستنقضُّ وتفتك بالقارب العظيم الذي قلبه من هواء! كان يَعدُهم بموعدٍ قريب ريثما تتوفّر فرصة أخرى..
– السلام عليكم، قال أبو نورس.
– وعليك السلام، ردَّ أبو كامل.
– ما الذي حصل؟ لماذا تأجَّلت الرحلة؟
– بسبب رداءة الطقس وارتفاع الموج، وكما تعلم لا أستطيع المجازفة بحياة هؤلاء الناس.
– سبحان الله! حتّى الطبيعة عندما تغضب تصبُّ جام غضبها علينا، وهل هؤلاء الناس جميعا في الرحلة نفسها؟
– هذا صحيح.. عائلة أبي راغب، وعائلة سوريَّة أخرى، وشخص كرديٌّ يدعى دلشاد، وذلك الشخص المقعد على كرسيٍّ وابنه
الشخص المقعد هو ابو رامي الذي احضره ابنه الى تركيا بعد ان فقدوا كل شئ،فقرر رامي ان يركبوا البحر علهم يحصلون على لجوء في احدى الدول الاوربية لانه لم يكن قادر على الانفاق على دراسته وتسديد نفقات علاج والده..
– يا إلهي! كلّ هذا العدد، لكنَّ القارب لا يتَّسع لكلِّ هذا العدد، أربعة عشر شخصا والقارب يتَّسع لثمانية كيف هذا؟! هذا لا يجوز، إنَّها مجازفة كبيرة. وماذا عن الكرسيِّ هل سنأخذُه أيضا؟!
– لا تعظِّم الأمور، هذا القارب مطاطيّ، فهو يتحمَّل والسائق ماهر أيضًا، وستصلون بأمان إلى الجزيرة دون مصاعب، فقط اتَّكل عليَّ..
– لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، الاتّكال على الله وحده.
– سأقولُ لك شيئا: إنَّ السائق سيأخذ عائلته أيضا، فلو كان هناك أدنى خطر أو شكٍّ ما جازف بحياة أطفاله..
– ماذا تقول؟ من الذي سيسوق القارب؟!
– أنت تعرفه، إنَّه أبو راغب وبرفقته زوجته وأطفاله، فلو كان هناك أدنى شكٍّ أو خطر ما جازف الرجل هذه المجازفة، ولما تردَّد لحظة لترك الأمر..
بدا كلام أبي كامل منطقيًّا، لكن ظلَّت هناك سؤالات ما زالت تطارده.. ما الذي يجعل أبا راغب يقود القارب؟! وهل سيتركه في الجزيرة؟! ولمَ لا يكون هناك سائق خاصٌّ للقارب؟!
بدأت هذه السؤالات تقلقه وتشوِّش أفكاره، وتكاد تحرفه عن موضوع السفر.. بدا قلقا متوتِّرا، فالأمر كلُّه مجازفة، الشيء الوحيد الذي يريحهُ أنَّ أبا راغب سيقود القارب وبرفقته عائلته، هذا يعني أنَّه محترف بالقيادة وأنَّه واثق من سلامة الطريق وإلَّا ما كان يقدم على هذه الخطوة..
واصل مشيه على شاطئ البحر المكتظّ بالسفن الصغيرة والمتوسِّطة والكبيرة، قال في نفسه لو كان عندي المال الكافي لركبت بإحدى هذه السفن وجنَّبت نفسي وعائلتي مشقَّة الطريق..
اتَّصل بأخته في العراق وقال لها إنَّ كلَّ شيء سيكون على ما يرام، وما هي إلَّا أيَّام قليلة ونسافر، ثُمَّ اتَّصل بخال نورس وطمأنه هو الآخر بأنَّ الأمور تسير على خير..
الحقيقة الوحيدة التي كانت غائبة عن أبي نورس أنَّ المُهرِّبين قد ابتدعوا طريقة جديدة، وهي تسليم قيادة القارب لأحد المهاجرين مقابل إعفائه من الأجور، وتسليم القارب لأحد الأشخاص في الجزيرة.. الأمر الذي يعرِّض حياة المهاجرين للخطر؛ لانعدام خبرة السائق الذي لم يعتد على هذه الأمواج العاتية، التي لا تستطيع أعتى السفن من مقارعتها.. وهذا هو الاتفاق الذي كان بين أبي كامل وأبي راغب الكرديّ، الذي بموجبه أعفاه من دفع أجرته.. تلك كانت الحقيقة الوحيدة التي لم يصل إليها أبو نورس..
مرَّت ثلاثة أيام، وكانت عائلة أبي نورس تنتظر الموعد القادم بتوق شديد، كانوا يتَّصلون بأهلهم في العراق، ثُمَّ يذهبون إلى الجامع للصلاة، ويقضون اليوم يمشون في شوارع المدينة التي تبعث الراحة والطمأنينة في النفوس، كانوا يحاولون قتل الوقت بأيِّ طريقة، فالانتظار شيء مروّع.. كانوا يقضون معظم الوقت على شاطئ البحر، فالشمس الساطعة التي تتلألأ على سطح الماء الرقراق، والبلاج المكتظ بالسيَّاح من كلِّ مكان يجعل المرء يتعرّى من كلِّ همومه ليتأمَّل فقط هذا الجمال الذي تحمله النسائم العليلة بعد الغروب.. في ذلك الوقت صادف أن رأى عائلة أبي راغب الذين كانوا يتمشون أيضا، وكان الأطفال راغب وغيلان منهمكين بكرة القدم.
– السلام عليكم، قال أبو نورس.
– وعليكم السلام، كيف الحال تمام؟ قال أبو راغب.
– تمام الحمد لله، صدفة سعيدة أن نراكم هنا، هل من أخبار جديدة؟
– ونحن أسعد، في الحقيقة نحن أيضا ننتظر الإشارة، ربَّما ستكون الأمور جيِّدة.
– صحيح، لقد سمعت أنَّك من سيقود القارب؟
– هذا صحيح، فالأمر سهل جدًّا، لا تقلق، كلُّ شيء سيكون على ما يرام.
– حسنا يا أخي إن شاء الله نراكم قريبا.
– إن شاء الله، إلى اللقاء.
وانصرف كلٌّ إلى طريقه يتأمَّل خيرا..
وفي المساء اتَّصل أبو كامل بأبي نورس وأخبره أنَّ الرحلة ستكون غدًا ليلًا، ويجب أن يكونوا مستعدين فستأتي سيَّارة لتأخذهم إلى المكان المحدَّد للإبحار بعيدا عن عيون خفر السواحل..

رحلة المجهول

يا بحر لا تغرس أنيابك بجراحي
فلا زلتُ أنزف حنينا واشتياقا

وفي مساء اليوم التالي كانت عائلة أبي نورس تنتظر الإشارة على أحرِّ من الجمر، وكان احتمال تأجيل الرحلة واردًا جدًّا، رنَّ هاتفه الجوَّال، كان أبو كامل على الخطّ، أخبره أن يخرجوا من الفندق فورًا فالسيَّارة بالانتظار..
خرجوا مسرعين يسابقون الخطى ليصلوا إلى السيَّارة.. كانت سيارتان إحداها ركب فيها أبو راغب وعائلته، والأخرى فارغة تنتظر أبا نورس وعائلته وفراس..
صعدوا جميعا إلى السيَّارة التي كان سائقها تركيًّا، وعلى الفور انطلقت السيَّارات، كانوا يسيرون بطريق وعر، شديد الانحدار، كثير المنعطفات، بسرعة عالية جدًّا..
حاول أبو نورس أن يُفهم السائق أن يخفِّفَ السرعة لكن عبثا، فالسائق لا يفهم العربيَّة، كانت الأمُّ تمسك بأطفالها وتقرأ آيات من القرآن بهمسٍ مسموع، كان الطريق مروّعا، وكلَّما زاد الانحدار زاد شعورهم بالخطر، وكأنَّ السيَّارة ستقع في الوادي..
استغرق الطريق حوالي الساعة، فقدت العائلة فيه نصف أعصابها، وبقي النصف الآخر لرحلة البحر.. توقَّفت السيَّارة وترجَّلوا منها، كان المُهرِّب بانتظارهم هناك، وقد هيَّأ القارب للإبحار، لقد وصلوا في اللحظة الأخيرة، فقد داهمهم الوقت ولا بدَّ أن يبحروا حالا..
كان في القارب عائلة سوريَّة وشخص مقعد مع ابنه الشاب رامي، اضطر إلى ترك كرسيه على الشاطئ، صعدت عائلة أبي راغب وعائلة أبي نورس بعجلٍ شديد..
كان الظلام حالكا، وكانوا يتحرَّكون بسرعة خاطفة كما الأشباح، وقعت عيون أمِّ نورس على المُهرِّب الذي كان منهمكا بتوجيه النفرات، وهو شخص خمسينيّ، متهدّل الكتفين، ذو شعر أشعث تشوبه خصل بيضاء كثيرة، يبدو أنَّه لم يحلق لحيته منذ عدَّة أيام، بقيت منتبهة عليه وكأنَّها تعرفه حقَّ المعرفة، ارتابت وبدأ قلبها بالخفقان، انتابتها قشعريرة، لم تتمالك نفسها، ترآى لها ذلك الغراب المشؤوم الذي كانت تراه قبل كلّ مصيبة تحدث لها، قالت في نفسها: يا إلهي! يا ربِّ استر، أولادي في حماك. وبتلعثم شديد صرخت أين النجَّادات؟! أين النجَّادات؟!
رمى إليها النجَّادات وهو يبتسم ويقول: ها هي النجَّادات، هيَّا.. هيَّا تحرَّكوا لا وقت لدينا.. أخذتْ النجَّادات ويداها ترتجفان، ألبستْ أطفالَها بمشقَّة حتَّى أنَّها من شدَّة الارتباك لم تغلق النجَّادات جيِّدًا.
استلم أبو راغب زمام القارب وشغَّل المحرِّك، وانطلق القارب بسرعة خاطفة، بينما بقي الكرسيُّ المتحرِّك وحيدا على الشاطئ.. كان القارب يشقُّ السكون، والموج النهم يحاول التهام القارب كلَّما سنحتْ له الفرصة بذلك..
بدت الأمور لا بأس بها لأوَّل وهلة، كان الجميع يفترشون أرض القارب ويتمتمون ويتضرَّعون لله لكي يحفظهم، والكلُّ متوجِّه بالنظر إلى أبي راغب الذي كان منهمكا بالسياقة..
مرَّت تسع دقائق وهم الآن في عرض البحر، الظلام الحالك، وصوت الريح المتصارع مع صوت المحرِّك أثار هلع الأطفال مِمَّا حدا براغب أن يمسك بكتف أبيه ويحاول أن يحضنه؛ لأنَّه كان يشعر بالخوف، بدأ بالصراخ، حاولت الأمُّ أن تهدّأه لكن عبثا، اشتدَّ صراخه وبات عنيفا يريد والده، حاول أبوه أن يهدّأه أيضًا، اهدأ يا حبيبي، سنصل قريبا، سأشتري لك الشوكولا، أبدًا فالطفل جنَّ جنونه، وبينما الأب يحاوره محاولا إسكاته، انطفأ المحرِّك، عمَّ الرعب الجميع وأولهم أبو راغب، فالأمر ليس مزحة على الاطلاق، إنَّهم الآن في وسط البحر..
لم يشتغل المحرِّك، حاول ثانية، وثالثة و بمشقَّة دار المحرك، انطلق بسرعة مجنونة محاولا اختصار الطريق لكي يصل بسرعة، لكن للقدر شأن آخر..
بدأ الماء بالتسرّب إلى داخل القارب، عَمَّ الذعر الجميع، باتت الوجوه صفراء شاحبة، وقد تحشرجت الأصوات في الحلوق.. صرخت أمُّ راغب:
– أبا راغب.. أبا راغب توقَّف أرجوك، خفِّف السرعة فالماء بدأ بالتسرّب، أبا راغب هل تسمعني ؟! توقَّف حبًّا في الله.
لكنَّ أبا راغب كان مرتبكا شاعرا بحجم الخطر الذي سيلحق بالجميع، وأوَّلهم أطفاله، بقي يسوق بأقصى سرعة، ظنًّا منه أنَّه يستطيع انقاذ الموقف..
صاح أبو نورس بصوت باكٍ توقَّف يا رجل، أرجوك سنغرق جميعا، الكلُّ بدأ بالصراخ، عَمَّ الذعر والهلع بين الركَّاب، كلُّ الوجوه كانت شاحبة، مترقّبة لحدوث معجزة.. أمسكتْ أمّ نورس أطفالها، وكذلك أبو نورس، حضنت أمّ راغب أطفالها، وفجأة انقلب القارب بمن فيه، فتعالت الأصوات المذعورة طالبةً النجدة، وعَمَّ ظلام فوق الظلام، صراخ ومناداة، وصراع تحتَ القارب، ذعر ما بعده ذعر، جلبة وضوضاء.. تعالتْ الأصوات ثُمَّ تعالتْ ثُمَّ.. خمدت ثُمَّ تعالت أصوات النوارس.. وهكذا فقد تمكَّن الغراب أخيرًا من الحصول الى ما يريد، وهذا ما كانت تخشاه أمُّ نورس مذ كانت في بغداد! وأدركت حينها قول الله تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ..) فقد هربوا من الموت في بغداد تاركين وراءهم كلَّ شيءٍ ليجدوه بانتظارهم بحلَّة جديدة وأسلوب جديد! فمهما تعدَّدت الأسباب الموت واحد..
تناثرتْ الأمنيات وتبعثرت مثلما تناثرت الجُثث الغضَّة كأنّها زهور وياسمين.. وصعدت الأرواح مرفرفة كالنوارس..
وفي الصباح وُجدت الجُثث وكأنَّها زهور تزيِّن الشاطئ، وطافت عليها النوارس تصلي وتبتهل ،فقد تركتْ كلَّ شيءٍ هناك وجاءت لرؤية النوارس البيضاء..
توفيت ياسمين ونورس، كانت الأمُّ تظنُّ أنَّ النجَّادات ستنقذهم من الغرق، لكنَّ الله شاء أن تصعد الأرواح البريئة إلى خالقها، كما توفيت أمّ راغب وراغب وغيلان، وصعدت أرواحهم إلى الفردوس الأعلى، فهناك سيكونون بأمان أكثر.
وُجد الطفل غيلان وهو ينام على وجهه كالملاك على شواطئ اكيالارا.
(وماتدري نفسٌ ماذا تكسبُ غدا وما تدري نفسٌ باي ارض تموت)

قصيدة النوارس البيضاء

زينب وحيدر وغالب وإيلان
أغصان اس وياسمين
وجدوا صباحا على شاطئ البحر
وقد هاجمهم النعاس..
ركبوا البحر زورقا خاو من الأمنيات
آملين برؤية النوارس البيضاء
تحلِّق أمنياتهم البريئة
كالسراب مع القارب الكسيح
وصوت المحرِّك يصيح ويستغيث
سأنتحر وأترك البحر ..
ركبوا البحر رهوا
تاركين ديارهم والمدارس
أقلامهم
كتبهم
ألعابهم
اوطانهم
يبحثون عن أفلاطون ومديننه
لينقذهم من الليل الطويل
ويمنحهم هُويَّةً عنوانها
إنسان..
يبحث عن السلام
عن بيت صغير
وحقل سنابل
وسرب أوز يداعب الماء
وفلَّاح بسيط يزرع الامل
وناعور صغير يدور ويدور
يدير الحياة
وشمس جميلة
وغيمة حبٍّ
ودفء وفير
ونهار مشمس
يغمر الصغار
وأطفال كاللؤلؤ المكنون
يرتدون البراءة ثوبا
ويمضغون الحبَّ لونا
من أجمل الألوان
وفرح غامر يملأ النفوس..
وبنصف الطريق
ينتحر المحرِّك!!
وتتعالى الأصوات
مع أصوات الموج الدامس
ويفقد الشقيقُ الشقيقَ
ويبدأ الماء بالتدفّق
كينبوع دافق
يمتلئ القارب بالماء
وينكسر الحلم
كما تتكسَّر السنابل
وقت الحصاد
وتتفرَّق الأمنيات

وتتناثر الذكريات كالأشلاء
وكل الحاضر صارسراب
وذكرى غريبةتابى الخضوع
ثُمَّ يعمُّ الصمت
الصمت
الصمت
وتعلو أصوات النوارس
وتتناثر الزهور وتتبعثر
أوراقُها مثل الهشيم
وتحملُها الأمواج
مع بقايا القارب المشؤوم
إلى شاطئ البحر
لتزيِّن البلاج..
وتزرع هناك
لتطوفَ عليها النوارس هناك
فقد جاءت أصلا
لرؤية النوارس البيضاء..

رحم الله أرواحًا أُزهقَت من أجل البقاء، وبقت ذكراها عطرًا يملأ الأرض والسماء..

كلمتي..

أودُّ أن أقولّ إنَّ هذا الموضوع قد هزَّني من الأعماق، وإنَّ كلَّ كلمةٍ كتبتُها كانت صادقة معبِّرة عمَّا يدور في خلجات نفسي من ألمٍ، وحزنٍ، وفاجعة.. وقد تكرَّر هذا المشهد ومرَّ وكأنَّ شيئا لم يكن..
قبل كلّ شيء أحمِّلُ الحكومات مسؤوليَّة هجرة أبناء الوطن؛ بحثًا عن الأمن والاستقرار، وثانيا أحمِّلُ دول اللجوء التي تفرض إجراءات وقوانين صارمة على الفارِّين بأرواحهم من جحيم الحرب..
وأخيرا أضعُ جانبا من المسؤوليَّة على الأهل أنفسهم لتعريض حياة أطفالهم للمجازفة بهذا النَّحو..
أقولها بكلِّ ألمٍ: رحمَ الله أرواحا عافرت من أجل البقاء..
قال الرسول الكريم: (كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ)…
الكاتبة

النَّوارسُ المُهاجرة..
رحلةُ الموت

الكاتبة..

وُلدتُ أنا الكاتبة مريم لطفي عبد الأمير الآلوسيّ في مدينة الحلَّة الفيحاء ، نشأت في أسرةٍ عريقة، معروفة بالعلم والأدب والفنون..
ارتشفت الأدبَ شعرا ونثرا من والدي المرحوم القاضي لطفي عبد الامير الآلوسيّ، الذي كان إنسانًا مثقَّفا ملمًّا بكلِّ شؤون الحياة.. ومن والدتي الستّ أديبة المعموري، التي كانت أستاذتي في درس اللغة العربيَّة،وكانت موسوعة باللغة العربيةوادابها، فتتلمذتُ على يدِها ونَهلتُ من مناهلها صنوف المعرفة..
شُغفت بالكتابة في سنٍّ صغيرة، وكانت أوَّلُ قصَّة أكتبها في الصفِّ السادس الابتدائيّ، بعنوان (درهم العمّ سالم)، وقد فزتُ حينها بجائزة تقديريَّة، ثُمَّ توالت كتاباتي فكتبت رواية (القاتل) في الصفِّ الرابع الإعداديّ، ورواية (تعانق النخيل والزيتون) ومجموعة قَصَص قصيرة أهمّها (ابن الأرض) في السادس الإعداديّ، وكان ذلك بإشراف أستاذي مدرِّس اللغة العربيَّة الأستاذ يحيى..
أهتمُّ بكلِّ صنوف الأدب،الشعر،النثر،الرواية،القصَّة،القصيرة،المقالة، والهايكو ،والترجمة..
درست في كليَّة الآداب/ جامعة بغداد قسم اللغة الإنكليزيَّة، هاجرت إلى خارج العراق، لكنَّ ذلك لم يثنيني عن الكتابة، عن أهلي ووطني الحبيب، وكلّ ما في الوطن من معاناة كان يهزُّني فأترجم ذلك بكلمات تُعزف على السطور..

شاهد أيضاً

رحلة طائر الكاتبة
خلود الشاوي

ذاتَ يومٍ خرجَ طائرٌ عن سربِهِ لأنه كان منزعجا من قوانينِهِ الصارمةِ ،راحَ يُرفرفُ مسرورا …

لوحة ذالك الفلاح الذي اختار التحليق
محمد محجوبي / الجزائر

بين السمرة التي رسمت ملامح الفصول وبين وهج الطين الذي حفظ أنفاس الرجل تشابهت أوراق …

في ذكرى وفاة ميّ زيادة
كم مثلك يا ميّ من تخشى أن تبوح بأسرار قلبها
فراس حج محمد/ فلسطين

{الكلمة التي لا تموت تختبئ في قلوبنا، وكلما حاولنا أن نلفظها تبدلت أصواتنا، كأن الهواء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *