فيصل عبدالحسن: مع الأكراد والقردة فوق الجبل..!! (ملف/89)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

يخاطب الماغوط الشاعر الشامي (الذي عرف ما تعنيه السياسة في بلداننا العربية من نذالة وانعدام للضمير والانحطاط إلا فيما ندر!!) الشاعر العراقي بدر شاكر السياب (الذي كان متصفا دوما بروح القروي المحب لأهل قريته، وأرضه، وفي النتيجة المحب لوطنه الذي يشمل كل المفردات السابقة) وقد أهداه بعد أن مات السياب أجمل مقاطع قصيدة نثرية بالخمسينات في الرثاء (الفرح ليس مهنتي) يقول فيها:
(هل تضع ملاءة سوداء
على شارات المرور وتناديها يا أمي؟!!
هل ترسم على علب التبغ الفارغة،
أشجارا وأنهارا وأطفالا سعداء
وتناديها يا وطني،
ولكن أي وطن هذا الذي،
يجرفه الكناسون مع القمامات في آخر الليل؟!!
تشبث بموتك أيها المغفل!!!)
ولي أن أقول هنا وأنا اقرأ آخر روايات سلام إبراهيم (الإرسي) التي صدرت قبل أيام في القاهرة (وليس في بغداد طبعا) ويبدو أن نشر رواية أو كتاب لمؤلف عراقي في مؤسسات وزارة الثقافة العراقية هذه الأيام صار حلما عصيا ولا دموع أبي فراس الحمداني!!).. أقول لإبراهيم هامسا بعد قراءتي لروايته الجديدة تشبث بدولة الدنمارك!! التي احتضنتك أيها الصديق وابق كما أنت، فكل ما في الرواية (التي هي أيضا سيرة حياة، وقد صارت روايات الكتاب العراقيين في العقدين الماضيين، لشدة ما عانوه وغرابة الأحداث التي مروا بها في حياتهم!! إلى سيرة حياة كاتبها متسترة باسم رواية، وحين تقرأها تجدها من أغرب الروايات!! ولا تفوقها بالخيال حتى روايات الخيال العلمي!!)تشير إلى توقك العميق- كما نحن جميعا- للوطن الذي صار بعيد المنال..
كل كلمة مكتوبة في هذه الرواية هي عن العراق، ولا شيء تماما عن النساء الشقراوات والثلوج وبرد الدنمارك، والعيون الزرق لبناتها، وقد كان من المفروض أن تلك البلاد وفرت للكاتب الحياة الكريمة والعلاج والضمان الاجتماعي، والعقل والقلب يقولان أن يكتب عن أولئك وينسى ما عاشه من أيام سود في العراق!! إذ يبقى سؤال الماغوط يتردد من دون ملل (ويبدو أنه صالح لكل عصورنا وعهودنا!!): ولا أدري لماذا يبقى الكاتب متشبثا بالبؤس العراقي وذكرياته المريرة عنه؟!! هل هذا نوع من أنواع المرض النفسي؟!! أم هو للتشفي من الذين ماتوا؟!! أو أولئك الذين بقوا بين الحياة والموت في عراء الوطن بلا حول ولا قوة، وهم يحلمون بالفرار منه حتى لو كان ذلك الفرار للدار الآخرة؟!!
سأترك جميع الأسئلة التي تدور في ذهن من يقرأ الرواية عن أسباب كتابتها بهذا الشكل، لأتحدث عن بطل الرواية سلام الذي يتماهى بشكل ما مع كاتبها فيما عاشه وعاناه الأخير!!
سلام، الشخصية الروائية!! له تحولات يفرضها عليه واقع عراقي صعب تميز في عقوده الماضية بالحروب وعسكرة الحياة، من شاب مراهق يحب الحياة ويحلم كما غيره بحياة طبيعية إلا انه يجد نفسه في مجتمع شرقي فيه الكثير من المحرمات والممنوعات، فيضطر إلى تلبية غرائزه مراقبة نساء الجيران من فوق السطوح، ومن الكوى والنوافذ، وأي ثقب يؤدي لرؤية جزء من جسد أنثى!! يخبرنا سلام في منلوجه الأخير عن هذا بقوله: (رحلة عمري الخاطفة.. عذاب في عذاب.. ذل في ذل.. حرمان في حرمان.. عذاب جعلني مضطربا،وحرمان أكثر من ذنوبي.. كل ذنوب الحرمان جذرها فيك.. فيك أنت.. أنت من زرع بي جذوة شهوة متأججة عنيفة انضغطت تحت وطأتها وسطوتها في بيئة قاسية وتقاليد صارمة قامعة لا مجال فيها للتنفيس عن نوازع الغريزة بالسر.. التلصص والسطو.الهيام في الظهاري الحارقة وأنصاف الليالي على جسد ينكشف في منامه، لا فرق بين الأقارب والأغراب، وليل الجنوب الساخن يأخذني عبر السطوح أجوب ليل باحات البيوت لأتلصص من نوافذها على فخذ عار، نهد، مضاجعة، تكويرة ردف سقط عنها الغطاء.. ص241 )
هذه المراهقة المبكرة استيقظت فجأة من لهوها على حرب مدمرة (1980-1988) بين العراق وإيران، كانت تحرق الأخضر واليابس ومن طفل مرعوب من الموت كان يتبع أمه التي كانت الوحيدة في الحي التي تمارس تقطير آخر قطرات ماء من خرقة قماش!! في أفواه المحتضرات في الحي قبيل موتهن بلحظات!! وتقرأ لهن شيئا من القرآن لتهدئة أرواحهن الطالعة إلى بارئها!! إلى جندي يحمل السلاح وينقل الجنود القتلى بين ساتر وآخر ومن حفرة شقية إلى موضع دفاعي!! ويطلب منه أن يمارس القتل!! الذي هو قانون أي حرب في هذا العالم، فلا قضية في الحرب، وليس أمام الجندي إلا أن يقتله عدوه!! أو يقتل هو ذلك العدو!! أو يهرب!! فيقتله فصيل إعدام جيشه في الخطوط الخلفية على اعتبار انه جبان وخائن للوطن!! لم يكن أمام ذلك المحب للحياة الباحث عن حياة الدعة والسكون والسلام إلا أن يفر من الحرب ومصائب الحرب!! ولكن إلى أين الهروب؟!!
يقول عن تلك الفترة: (أمهات، وزوجات، أخوات، وعاشقات، أرامل رجالهن قتلوا أو فقدوا في جبهات الحرب أو المعتقلات. أركز أحيانا على أسماء معارف جلبت جثثهم قبل أيام أو اعدموا في الساحات العامة بسبب هروبهم من الجبهات، عن حملات تفتيش وتمشيط تجري في أحياء المدينة أتجمد رعبا متخيلا لحظة القبض علي… ص 13)
هروبه من الجيش جعله تحت مشاعر الخوف والرعب الذي هو أشد أذى من الموت الفيزيائي المعروف!! مما أضطره إلى اللجوء إلى عمته التي أخفته في الإرسي، وهذه الحجرات الضئيلة فوق سطوح البيوت العراقية القديمة،التي تستخدم للاحتفاظ بالمستعملات، وكذلك بالأفرشة التي تفرش فوق السطح ليلا في فترة الصيف عندما يهرب العراقيون ليلا إلى السطوح ليناموا فوقها هاربين من حر غرف البيت الشديد!! هذا المكان اللاإنساني حقيقة، ولا يمكن لبشر العيش فيه لأيام لضيقه ووقوعه فوق المطبخ والحمام وسقفه الواطئ. جعل سلام يعود إلى ما اعتاد عليه في أيام شبابه ومراهقته من مراقبة لما يدور حوله فوق السطوح!! ومن نوافذ المنازل بل ولم تسلم من مراقبته حتى ابنة عمته وزوجها!! عندما كانا يزوران العمة ويقضيان ليلة في ضيافتها حيث تكون عينا سلام شريكا ثالثا لهما في عريهما واختلائهما ليلا كزوج وزوجة!! وبالرغم من شعوره المؤلم بتأنيب الضمير مما يفعل ولكن ما يعيشه من ظروف غير إنسانية حولته في ذلك الإرسي إلى حيوان يأكل ويتغوط بأكياس نايلون!! يرصفها قريبا من باب الإرسي، ويقضي الليل بمراقبة نوافذ الجيران عسى ولعل يقع على ضالة في ذلك الليل البهيم!!
وبعد شهور على ذلك العذاب الذي يتدني فيه الإنسان ويصير حيوانا حقيقيا يهرب من مخبئه عائدا إلى بيت أهله القديم مجتمعا بزوجته وطفله،وقد قرر الهروب من العراق عن طريق شمال العراق وهي منطقة جبلية يسكنها الأكراد وبالفعل يهرب عن طريق أحد المهربين وتتبعه زوجته بعد فترة قصيرة على أمل الالتحاق بالثوار اليساريين الذين كانوا يقاتلون جيش الحكومة في شمال العراق، ويصف ذلك الهروب: (نفس وقع ذلك التساقط الرتيب لنتف الثلج وأنا أسير في ذيل قافلة الرجال والبغال الخائضة في حلكة ليل الجبل الأخرس أوصاني الدليل الكردي بالصمت والصمت إلى حين وصولي إلى قاعدة الثوار البعيدة فالرجال خليط غير متجانس من مقاتلين وجنود هاربين من الجبهات يبغون اللجوء إلى إيران عائلات مسيحية متجهة سرا إلى الحدود تحلم بالوصول إلى أمريكا، مهربو بضائع من المدن إلى القرى المحاصرة، خارجون عن القانون قتلة، رجال مخابرات متنكرون سياسيون شرفاء، وأنذال ..ص14)
ولكن البطل سرعان ما يكتشف صعوبات ما أقدم عليه فهو في حقيقة الأمر يبحث عن حياة الدعة والسكون والسلام وحب الآخر!! لكنه في حياته الجديدة كان عليه أن يقتل جنود الجيش!! وأي جيش؟! جيش بلاده وهم بعض من أهله وأصدقائه!! فكان خلال المعارك يرفع سلاحه إلى السماء ويطلق النار في الهواء وسط سخرية رفاقه!! ولومهم له، وكان عليه أيضا أن يحذر من مخابرات الدولة، الذين تم زرعهم بين المقاتلين!! وكانوا يبثون مواد سمية في طعام هذا وذاك بهدف الاغتيال، وفوق هذا وذاك صارت زوجته هدفا لنظرات أغلب المقاتلين بنية اغتصابها!! وتتعرض بالفعل لأكثر من عملية محاولة اغتصاب، وينجح في النهاية أحدهم بعد إصابة عيني سلام وجسده بقصف كيماوي من طائرات النظام، أن يغتصبها،إلى درجة أن بطل الرواية أخذ يسمي أولئك الثوار برجال العصابات!! وفي أكثر من موضع من الرواية!! وكأنه يصرخ: سنعيش بالرغم من كل شيء حتى لو عشنا في شرنقة وحتى إذا اغتصبوا زوجاتنا…!! لقد كان مع الأكراد والدببة والقردة فوق الجبل خائفا على نفسه وعرضه،وهل هناك ابتلاء أكثر من هذا؟!! يقول عن ذلك: (تذكرت كيف تساقط الثلج بجنون سادا المسالك طوال ستة أشهر فحصرها امرأة وحيدة، وحيدة، وسط فصيل من رجال العصابات.. أرى الآن لحظة عودتها وما جرى في تلك الليلة، مشاعر متناقضة عنيفة، شدة شوق لم يبرده الفراش ثم شدة غضب ورغبة بتمزيق العالم وهي تخبرني بصوتها الخافت المبرح عن محاولاتهم الإيقاع بها عن.. عن.. تفاصيل جعلت رأسي يصطخب بالشكوك. فشبت روحي إلى الأعالي وذوت. شبت وهوت ثم انطفأت لتلتهب من جديد. شعرت بشيء ما تسوس في نفسي. شيء جعلني أمعن بحملقتي الساهية في تضاريسها، شديدة النحول، المستسلمة، والفاقدة صفاءها القديم…. …….ص 244 )
رواية الإرسي للروائي سلام إبراهيم إحدى أهم روايات الحرب العراقية، التي تحدثت عن المسكوت عنه في فترات الحروب، وأعادت لنا كل ما عشناه في تلك الأيام السود، وما عاشه العراقيون خلا ل الحرب العراقية-الإيرانية من فصول العذاب والخوف، وألقت ضوءا كاشفا على ما حدث من مآس فوق الجبل، وكذلك عرت دواخل الإنسان حين يضطره نظام الحكم بآلياته المخابراتية والأمنية، وعسكرته للحياة، إلى أن يقبل العيش الذليل في المخابئ وهو يتطلع للحفاظ على حياته أثناء الحروب، وبأي ثمن ممكن حتى لو أضطره ذلك إلى أن يتحول إلى حشرة داخل شرنقة جسده!!

* رواية الإرسي/ الدار للنشر والتوزيع/ القاهرة/ سنة 2008/ عدد الصفحات 262 قطع متوسط

* كاتب وصحافي عراقي يقيم في المغرب

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.