مَريم لُطفي الآلوسيّ: النَّوارسُ المُهاجِرة- رحلةُ الموت (قصةٌ مأساويَّةٌ لأرواحٍ تبحثُ عن السَّلامِ) (5)

في المطار

بلادي والقلب يقطر دما .. حلو اللقاء مرًّا وعلقمًا

الإجراءات في المطار كانت صعبة جدًّا، والسيطرات كثيرة، ربَّما سبع أو ثمان سيطرات لكي تستطيع الولوج إلى المطار، الكتل الكونكريتيَّة على طول الشارع المؤدِّي إلى المطار، تتوقف السيَّارة وتُفَتَّش، ثُمَّ تنطلق إلى السيطرة التالية، وهكذا حتَّى تصل إلى آخر سيطرة حيث تستقبلك الكلاب البوليسيَّة، إن تحمل عليها تلهث وإن تتركها تلهث! فهي دائما مستعدَّة، عيونها حمراء جاحظة وهي بقبح بحيث تشبه بعض الأشخاص عندما يثملون! يضعون على فاهها لجاما؛ لكي لا تفترس أحدًا، ويكون حينئذٍ قضاءً وقدرًا، ويكون الفريسة ضحيَّة كلاب صديقة! فهذه المصطلحات طالما تسمعها في المناطق التي تكون تحت الاحتلال، أيّ خطأٍ يُدرج تحت عنوان – صديقة -!
تُركت السيَّارة مفتوحة، وترجَّل كلُّ من فيها ليدخلوا غرف التفتيش اليدويّ، فقد كانت هناك غرفتان أو بالأحرى كابينة لتفتيش النساء، وأخرى لتفتيش الرجال.
قالت الشرطيَّة – وهي أمريكيَّة من أصول أفريقيَّة – بمشقة تتحدَّث العربيَّة:
– إلى أين تتَّجهون؟
– إلى تركيا، قالت أمُّ نورس.
– سياحة أم لشيءٍ آخر؟ قالتها وهي تمرِّرُ جهاز السونار على أجسادهم.
– سياحة يا أختي.
– هه، بناتك لطيفات.
– شكرا لكِ.
– حسنًا بإمكانكم الذهاب، لقد أكملتُ التفتيش.
كان الصغار مذعورين من فِقْرَة الكلاب البوليسيَّة التي كانت تتحقَّق من السيَّارة وترعبهم، قال أبو نورس بنبرة غاضبة:
– والله لو أنَّ هذه الإجراءات كانت متَّبعة في العاصمة ما كان هناك أيّ خرق أمنيّ، اصعدوا يا أولاد لقد انتهينا، ربَّما هذه آخر سيطرة للولوج إلى المطار.
وانطلقت التاكسي إلى أقرب بوَّابة، ترجَّلوا من السيَّارة ووضعوا الحقائب في العربة الخاصَّة ودخلوا المطار. وقفوا بطابور آخر لتأشير التذكرة والتحقُّق من الجوازات.
وصل الدور لهم بتفتيش الجوازات، كان الضابط يُمعن التحديق بكلِّ جواز، ينظر إلى الصور ثُمَّ يقارن المعلومات في الحاسوب، كان يرتدي الزيَّ الرسميّ والوجه الرسميّ، فمن ينظر إليه يخال أنَّه لم يضحك في حياته.. بدأ يتأكَّد من الجوازات الواحد تلو الآخر، ويقارن المعلومات الموجودة في الحاسوب، عيناه بحركة دائمة تصعد إلى فوق ثُمَّ تهبط، ثُمَّ تستدير يمينًا ويسارًا ما بين الجواز والحاسوب والشخص الواقف أمامه، إلى أنْ وصل الدور إلى البنت الصغرى دنيا، فتح الجواز وبقي يحملق فيه، مرَّت دقيقة وثانية وخامسة، ثم بدأ يزفر الجزع والملل ويقول:
– اوووووووف..
ثُمَّ ينظر إلى الطابور المتعرِّج ويقول باستياء:
– كلٌّ يأخذُ دوره رجاءً، ثُمَّ أحضر له النادل فنجان قهوة، فقد كان يرتشف رشفة ثُمَّ يحملق ثانية في الجواز.
– هذه الصورة قديمة تكاد لا تشبهها.
– هذه صورتها يا أخي، ولكنَّها طفلة كما تعلم تتغيَّر كلَّ يومٍ.
– هذا لا يجوز يا أختي، كان عليكم أن تأخذوا صورةً حديثةً لها.
– لِمَ هذا التعقيد يا أخي؟ قال أبو نورس.
– هذا عملي يجب أن أُتقنه، ثُمَّ رفع سمَّاعة الهاتف وتكلَّم مع أحدهم، وبعد خمس دقائق جاء ضابط أعلى رتبة منه، وأخذ مكانه وبدأ يدقِّق المعلومات، ثُمَّ قال للصغيرة انظري إلى الكاميرا الموضوعة في أعلى الكابينة، نظرت الصغيرة وكانت علامات الاستفهام بادية على وجه الزوجين.. كان الضابط يتأفَّف بين الدقيقة والأخرى، ويعود يحملق في الحاسوب، وأخيرًا يبدو أنَّه اقتنع بالصورة، واستنزف من أعصابهم بما فيه الكفاية.. بعدها ختم الضابط الجوازات وقال:
– إلى أين أنتم ذاهبون؟
– إلى تركيا.
– سياحة أم شيء آخر، أقصد دراسة أو علاج؟
– سياحة.
– هل عندكم إقامة؟
– لا يا أخي.
– حسنًا لقد انتهيت، بإمكانكم الذهاب الآن، سفرة سعيدة.
في الحقيقة كلُّ المعلومات كانت موجودة على الحاسب الآلي، ولكن هذا إجراء روتينيّ يفعله موظفو المطار.
أخذ أبو نورس الجوازات واتَّجه إلى صالة الانتظار ريثما يأتي موعد الاقلاع.
وهناك في صالة الانتظار التقى الأب بابن صديقه فراس، وهو شابٌّ عشرينيٌّ يعاني من مرض السُّكَّريّ الذي لازمه منذ الطفولة، والوضع في العاصمة يزيده سوءًا، فسماعه أو رؤيته للتفجيرات وكلّ هذا الكمّ من الرعب يزيد الأمر عليه، فضلا عن أنَّه لم يحصل على مجموع يؤهِّله للدخول لكليَّة الطبِّ التي هي حلم حياته..
– السلام عليكم كيف حالك يا فراس؟
– وعليكم السلام.
– منذ متى وأنت هنا؟
– منذ ساعةٍ تقريبًا.
– سأذهب لأدخِّن سيجارا؛ لأنَّني استنزفتُ كلَّ أعصابي، فإجراءات المطار صعبة جدًّا.
– هذا صحيح الإجراءات صارمة جدًّا .
وهكذا ذهب الأب ليدخِّن سيجارا، بينما بقي الجميع بصالة الانتظار، وبعد نصف ساعة بدأ النداء للتوجُّه إلى البوابة رقم واحد، المتَّجهة إلى تركيا.. سلَّموا الحقائب وأخذوا حقائب اليد فقط، ثُمَّ وقفوا في الطابور المؤدِّي إلى سلَّم الطائرة، بدأت الأرواح تنسحب من أجسادها، تدور الوجوه حول ذاتها تصعد وتنزل حسيًّا، بللتها الدموع، ومشاعر متشنِّجة تتمنى الرجوع، لكنَّ الوقت شارف على الانتهاء، وبعد قليل سيتغيَّر الزمان والمكان! صعدوا إلى الطائرة. أخذوا أماكنهم وبدأت المضيِّفة بشرح الإجراءات الوقائيَّة والأمنيَّة اللازمة في حال حدوث عطل ما في الطائرة لا قدَّر الله، كيفية استعمال الأوكسجين في حالات الاختناق، وكيفية استعمال الأكياس الهوائيَّة وما إلى ذلك. وبصوت مدوٍّ دار المحرِّك، وبدأت الطائرة بالارتفاع شيئًا فشيئًا، كان الأطفال خائفين من أصوات المحرِّكات ومن ارتفاع الطائرة، وكان الأب يحاول تلطيف الجوّ بالكلام معهم، وإنَّ عليهم بلع ريقهم لكي لا تُسدَّ آذانهم بسبب تخلخل الضغط، كانت الأمُّ تقرأ الآيات القرآنيَّة وتمسك بيد أطفالها .
بدت بغداد تختفي معالمها شيئًا فشيئًا، تبتعد وتأخذ معها شيئًا من روحها، للحظة شَعرتْ أنَّها كسمكةٍ رماها الموج على الشُطَّان، بمشقة تلقف أنفاسها، تتقلَّب على الجهتين محاولة العودة إلى البحر، كانت أنفاسها تتسارعُ، ودموعها تقطر ألمًا وشوقًا للأهل والديار، كانت السماء تموجُ كموج البحر ثائرةً مكبلة بالغيوم.
شَعرتْ للحظة أنَّها كشجرة اجتُثَّت من فوق الأرض، وأنَّ جذورها باتت كأوصال متقطِّعة سابحة في الفضاء. انتبه زوجها لذلك، حاول تبديد تلك الغيوم التي اعتلت سماءها.
– زوجتي العزيزة، سنصلُ إلى تركيا بعد ساعتين.
– أجل أعلم ذلك، قالتها بصوتٍ مختنقٍ تكسرُه عبرةٌ ثقيلةٌ.
– ستكون لنا حياة جميلة إن شاء الله.
– آمل ذلك يا زوجي العزيز.
كانا يتبادلان الأحاديث ويرسمان شكلا جديدًا لحياتهم، التي ستكون أفضل بكثير من حياتهم في بغداد، يكفي أنَّهم سينعمون بالأمان الذي حرموا منه لسنوات، ولن يضطر الأطفال الجلوس في البيت. ثُمَّ جاءت المُضيِّفة تدفع بعربة الطعام، قدَّمت لهم الفطور السفريّ مع كوب شاي كانوا بحاجة إليه بعد يوم المطار الحافل.. وكان فراس يتحدَّث أيضًا مع الأب عن شكل حياته الجديدة والجامعة التي سيختارها، واللغة التي سيدرسها أوَّلًا، وهذا يعتمد على الدولة المُستقبِلَة له، وربَّما سيجد علاجا ناجعا لمرض السُّكَّريّ، الذي كان يعاني منه، وحتمًا سيلقى عناية طبيَّة خاصَّة.
ووسط هذه السجالات أعلنت الخطوط الجويَّة وصولها إلى مطار اسطنبول.. بنبرة واثقة قالت المُضيِّفة:
– اربطوا أحزمتكم واستعدُّوا، فالطائرة على وشك الهبوط، رجاءً أغلقوا جميع الأجهزة النقَّالة، والزموا أماكنكم وحافظوا على الهدوء.
بدت معالم مدينة اسطنبول بالظهور، تلك المدينة المتلألئة عبر التاريخ بمبانيها الساحرة، وحزامها الأخضر الرائع، الذي يحيط بالمدينة ذات البنايات الرائعة،والنمط المعماريّ الساحر، يعتلي عرش المدينة مسجدُ السلطان سليمان القانونيّ، مسجد آية صوفيا، المعابد والقصور، الأبراج والقلاع التي بنيت على أيدي الشعوب والناس المتعدِّدين، فالمدينة خليط من عدَّة ثقافات وأديان، تظهر فيها الكنائس والمعابد والمساجد وهذا ما يجعل المدينة مركزًا لجذب ملايين السياح.
كان أبو نورس وفراس يصوِّران المدينة من أعلى وهما مبهوران بهذا العمران، وكان الأولاد مبهورين بتلك البنايات التي بدت وكأنَّها قطع مكعبات ليجو مصفوفة.
توقَّفت الطائرة وطلبت المضيِّفة من المسافرين التهيُّؤ للنزول.
وبدأ طابور المسافرين بالتحرك شيئًا فشيئًا، وكانت العائلة متشوِّقة للنزول من الطائرة لرؤية اسطنبول مدينة السحر والجمال، مدينة السلطان سليمان القانونيّ.

وطن ترانزيت
اسطنبول
شرقا كان أم غربا.. فأرض الله واسعة

في مدينة اسطنبول لا يحتاج السائل أكثر من نظرة واحدة ليعرفَ أماكن تواجد
المهربين، ساحة اكسراي،شارع الاستقلال،الفاتح ..وما إن تطأ قدماك أرض المطار سيأتون إليك ويعرضُون خدماتهم الجليلة، يقرِّبون البعيد ويضعون العالم بين يديك، كلُّ ذلك في سبيل الوصول إلى جيبك الذي ما يزال في عزِّه، ولا سيَّما أنَّك قادم للتو من بلادك.
لم يكن بنيَّة الكرديّ السفر إلى أيِّ مكان، على الأقل في الوقت الحاضر بعد فترة المخاضّ العسيرة، التي خاضها للخروج من سوريا، شيءٌ أشبه بالحلم.
كانت وجهته الأولى الفنادق الرخيصة، وما إنْ يلتقط أنفاسه سيفكِّرُ بما سيفعله.. استأجر غرفةً في فندق لمدة أسبوع، وبعدها استأجر شقَّة أو سُمِّيت كذلك، فما عليك سوى النزول عشر درجات لتصل إليها، وهي مخزن تحت الأرض قامت صاحبته بتحويلِهِ إلى شقَّة بجدران خشبيَّة استعملتها كقواطع، مطبخ متر ونصف بطباخ ذو عين واحدة، ورفوف للصحون، مع مغسلة صغيرة، والمطبخ يتَّسع لوقوف شخص واحد، وكذلك الحال بالنسبة إلى الحمَّام فهو متر ونصف، وكان هناك ممرٌّ من مترين عرضا وطولا، فيه أريكة للجلوس، مع طاولة صغيرة للاستراحة وتناول الطعام، ويوجد رفٌّ في الزاوية فيه قفص يحتوي على طيري حبٍّ يوزِّعان الحبَّ والدفءَ في المكان، وبلورة فيها سميكات زينة وغوَّاص يضخُّ الاوكسجين، كان هذا الرفُّ أجمل ما في البيت، وتوجد غرفة نوم واحدة بمشقة وُضِع فيها سرير ودولاب، تحشرُ نفسك فيها حشرا إذا أردت الولوج إلى الداخل..
كانت الشبابيك في الأعلى قرب السقف، أي أنَّك تستطيع أن ترى سيقان المارِّين بوضوح.. وعلى الرغم من ذلك استطاعت الأسرة الصغيرة أن تكيِّفَ نفسها وتعيش في هذا العشّ الصغير بسلام..
بدت الأمور لا بأس فيها للوهلة الأولى، فقد كان يعمل طوال النهار تقريبا في محلٍّ للحلاقة ليحصل على خمسين ليرة تركيَّة، وهذا المبلغ بمشقة يسدُّ الرمق، لذا كان يطلب المساعدة من شقيقته التي تعيش في كندا، فكانت ترسل له إيجار الشقَّة كلَّ شهر.. اتَّصلت به في أحد الأيام وقالت له: إنَّها ذهبت لدائرة الهجرة الكنديَّة، وطلبت له لجوءًا هو وعائلته بعد أن شرحت لهم الظروف الصعبة التي يعيشونها، ولا سيَّما أنَّهم من مدينة كوباني المحاصرة. طلبت منه الذهاب صباحا للسفارة الكنديَّة في تركيا لشرح معاناته..
رحَّبَ الرجل بالفكرة التي راقت له كثيرا، وبدأ يبني أحلامًا وقصورًا عليها مع زوجته رحيل..
وفي صباح اليوم التالي توجَّه إلى السفارة الكنديَّة، ومن الطبيعي في أيِّ سفارة تجدُ مترجمًا يترجم لك.. تعاطف السفير كثيرًا مع مأساته وقرَّر قبول طلبه.. لكنَّ للقدر رأيًا آخرًا، لم يكن الكرديُّ يحمل جواز سفرٍ حقيقيٍّ لا هو ولا أفراد أسرته، وعليه فقد رُفض طلبه باللجوء، فالقانون هنا لا يحمي المُغفَّلين!!
تلقَّى صفعة قويَّة أرهقته كثيرا، أسقطت كلَّ أملٍ في داخله، وهزَّت القصور التي كان يبنيها بالأمس، وأيضا المفاجأة الأخرى أنَّه طرد من العمل؛ بسبب غيابه في ذلك اليوم. عاد الى البيت بخفي حنين، فلم يحصل على لجوء وقد خسر عمله في الوقت نفسه وتلك هي الطامَّة الكبرى.

– لقد رُفض طلبي، وكذلك طُردت من العمل، قالها وهو عابس الوجه يتنهَّد بين الكلمة والأخرى.
– اوووووف، ما هذه الأخبار،يبدو ان هذا اليوم نحسا علينا، ولكن هذا ليس نهاية العالم، يجب أن تبحث عن عمل جديد.
– أين وكيف؟ وكما تعلمين بمشقة حصلت عليه، لكنَّني أفكر بالذهاب إلى مدينة بودروم الساحليَّة حيث يعيش أخي هناك، لقد اتَّصلت به اليوم وقال لي إنَّ بودروم أرخص بكثير من اسطنبول، فالمدن الساحلية تكون رخيصة نسبيًّا، وهذه المدينة ساحليَّة، أي أنَّ فيها حركة سياحة قويَّة، ومن السهل أن أجدَ عملًا مناسبًا.
– كما تشاء يا عزيزي، ولكنَّ الطريق طويل بالباص يستغرق عدَّة ساعات.
– ليس لنا خيار ثانٍ، سأرتِّبُ أموري وبعدها نسافر إلى مدينة بودروم، وقد يفتحها الله علينا.
وبالفعل سلَّم الكرديُّ الشقَّة إلى صاحبتها، وحجز في الباص المسافر إلى بودروم، وأخذ أسرته وانطلق مع الخيوط الأولى للفجر، كانت الرحلة طويلة تتخلَّلها بعض محطَّات الاستراحة، وبعد يوم كاملٍ قضوه في الطريق وصلوا إلى مدينة بودروم الساحليَّة..

مدينة بودروم.. المدينة التي لا تنام

قد سكنتُ الغربة يوما غير أنَّي
تركت الروح بالديار تأنّ

وصلتْ عائلةُ أبي نورس إلى مدينة اسطنبول، وما إن التقطوا أنفاسهم حتَّى قرَّروا التوجُّهَ إلى مدينة بودروم الساحليَّة بحسب الخطَّة المرسومة. بعد أن باتوا ليلتهم انطلقوا صباحا في أوَّل باص متوجِّه إلى بودروم.
كانت الرحلة طويلة، لكنَّها ممتعة نطرا للطبيعة الخلابة لتركيا والتي تشبه إلى حدٍّ كبير طبيعة سوريا، بمناخها، بغطائها النباتيّ الرائع، بتضاريسها ارتفاعا وانخفاضا، هذا التنوُّع يجعل المرء لا يشعر بالملل عندما يسير في سيَّارة ، ولاسيَّما إن كان مع أسرته أو مع صديق.
انتابت الرحلة بعض الاستراحات لتناول الطعام أو لشرب الشاي، فمسافة كلِّ أربع أو ثلاث ساعات كانت هناك استراحة.. وما إن يصل المرء إلى بودروم سيرى الأعاجيب.
بودروم هي مدينة ساحليَّة في مقاطعة موغلا في منطقة بحر ايجه جنوب تركيا.. وتُعَدُّ من أكبر المدن الساحليَّة في تركيا، حيث ينتشر فيها الكثير من الفنادق التي تناسب كلَّ المستويات.
عندما تصل إليها أوَّل ما يتبادر إليك هو القيام بتصويرها للاحتفاظ بهذا المنظر الساحر للخليج الأزرق، الذي تنحني فوقه التلال ذوات المنازل البيضاء، المبنيَّة على وفق هندسة تراعي القواعد الجماليَّة العامَّة للمدينة.
يسمُّونها الأتراك المدينة التي لا تنام، وهي ذات شهرة سياحيَّة كبيرة، إذ يرتادها السُّيَّاح من مناطق العالم كافّة.. تقع على شاطئ البحر الأبيض المتوسّط، وهي مدينة صغيرة لها مرفأ صغير وجميل، مبانيها بيضاء اللون منحوتة من الجبال التي تتداخل بينها الأشجار الخضراء، ويحيطها خليجان مائيَّان، وفي وسطهما قصر سان بيار المميَّز بفخامته وروعته، والقصر والمياه على جانبيه يشكلان لوحة سياحية رائعة.
تنماز المدينة بالانحدارات الجبليَّة والانعطافات الكثيرة، التي تجعل الطرق غاية في الخطورة، ولا سيَّما في الشتاء، حيث تظهر فيها من الجانب الآخر قساوة الطبيعة واضحة في الطرق الملتوية ذات الانعطافات شديدة الانحدار..
وصلت العائلة المنهكة من هذه الرحلة الطويلة، وكان يجب عليهم أن يستقلُّوا تاكسي يأخذهم إلى سنتر المدينة، وأوَّل شيءٍ سيقومون به هو البحث عن فندق معقول ينزلون فيه..
من المألوف في هذه المدينة أنَّك ترى يافطةً في باب الفندق أو المطعم مكتوب عليها الاسعار، ويمكنك الدفع بالليرة التركيَّة أو اليورو – وهي العملة الأوربيَّة الموحَّدة-..
لم يأخذ الأمر منهم كثيرا، فقد وجدوا فندقا معقولا اتَّفقوا مع صاحبه على البقاء مدَّة أسبوع، أدخلوا الحقائبَ وحجزوا غرفتين، واحدة لهم والأخرى لفراس، وطلبوا عشاءً وشايًا وهذا ما كانوا بحاجة إليه، فالعراقيُّ والشاي توأمان سياميان لا يفترقان أبدا..
تناولوا عشاءهم وغطُّوا في نوم عميق، لم يستفيقوا إلَّا في ظهر اليوم الثاني، تناولوا فطورهم وانطلقوا في جولة استطلاعيَّة في المدينة..
كان الوقت صيفا، والجوُّ كان حارًّا جدًّا، وشمس آب اللهاب تحمّص كلَّ شيءٍ حتَّى الهواء، وكما يقول المثل العراقيّ تذيب المسمار بالباب! وعلى الرغم من ذلك فلمدينة تعجُّ بالناس والسيَّاح على حدٍّ سواء، لا تهجع ليلا أو نهارا، حركة مستمرَّة على مدار اليوم تجعل النفس مليئة بالحياة، وتشحذ الطاقات للتبضُّع والمشي وتناول الطعام.. يرتدي أغلب الأتراك نساء ورجالا البنطلون القصير في الصيف، حتَّى أنَّك لا تستطيع التمييز بينهم وبين السيَّاح الأجانب..
المحالّ على جانبي الطريق تغصُّ بكلِّ أنواع البضائع الشرقيَّة والغربيَّة، ملابس، تحفيَّات، إكسسوارات، وكانت ميداليَّة العين الزرقاء(1) هي السمة المميِّزة التي تنماز بها محالُّ المدينة وأسواقها، وحتَّى المطاعم والفنادق كلّها تضع هذه الميداليَّة. وهي تشبه إلى حدٍّ كبير في انتشارها واعتقاد الناس بها أسواق دمشق، والأسواق نفسها تشبه أسواق دمشق إلى حدٍّ كبير، وحتَّى طرقها وتضاريسها تشبه المدن السوريَّة بروعتها، وحتَّى مأكولاتها ورائحة الشواء التي تملأ الآفاق، وأصناف الحُلْويات المختلفة وطريقة تقديمها تجعل المرء يشعر للحظةٍ أنَّه في أحد أسواق دمشق كسوق الحميديَّة مثلا..
ومن الجدير بالذكر أنَّ الاحتلال العثمانيّ للعراق وبلاد الشام ترك بصمة واضحة في هذه المدن، فالمأكولات متشابهة كثيرا، حتَّى العادات والتقاليد هي نتاج حضارات متداخلة..

(1) ميداليَّة العين الزرقاء: هي ميداليَّة زجاجيَّة في وسطها عين زرقاء، يعتقد الناس أنَّها تُبعد الشرَّ والحسدَ.

كان يجب عليهم التوجُّه أوَّلا إلى مكتب الصرافة لتحويل العملة إلى الليرة التركيَّة، وبينما كان أبو نورس يتحدَّث مع زوجته سمعهم شخصٌ قرب مكتب الصرافة.
– عفوًا، الأخ عراقيٌّ؟! قالها بلهجة تدلُّ على لهفة.
– نعم، أنا من بغداد مرحبا، قالها أبو نورس بابتسامة واثقة.
– وعليك السلام يا أخي، أقدِّم لك نفسي، أنا أحمد من بغداد.
– أهلا بك تشرَّفت بمعرفتك.
– ولي الشرفُ أيضًا، هل أنت هنا منذ زمن؟!
– في الحقيقة لقد وصلنا للتوِّ، وأنت؟
– أنا هنا منذ شهرين، ها تنوون الإقامة هنا أم تريدون السفر إلى بلد ما؟
– لا، حقيقة.. نحن.. أعني.. لقد تلعثم، وركبت الكلمات فوق بعضها، أحدثتْ زحاما في الاجتياز، لا يعرف ما يقول.
– لقد فهمت، أنتم أيضًا تنوون الهجرة عبر البحر.
– وأنت أيضًا! قالها باستغراب، يعني أنَّ الأمر ليس سرًّا قالها في نفسه، لكنَّها بدت مكتوبة بالبند العريض في عيونه التي بدت تستدير يمينا ويسارا تحاول الهروب من الإجابة..
– أجل أنا هنا منذ شهرين أحاول أن أجدَ منفذًا، وقد نفدَ تقريبًا ما لدي من مال، فقد تعرَّضت للنصب مرتين، فالأمر هنا مرهون بالصدفة لا أكثر..
– يا إلهي! وأين تسكن الآن؟!
– في الحقيقة أنا وبعض المهاجرين نفترشُ الطُرقات، ننتقل بين ساحات البلدية وباحات المساجد القريبة، وكلَّما أخرجتنا الشرطة من مكان انتقلنا إلى مكان اخر..
– اوووف حالتك صعبة جدًّا، وكيف تدبِّرُ أمرك هنا الآن؟
– في الحقيقة يوجد بعض المواطنين من المدينة يقدِّمون مساعدات للاجئين تسهِّلُ عليهم صعوبة الحياة، بينما يعاملهم الآخرون معاملة غير لائقة.
تستطيع أنْ تسمعَ مئات الأشخاص العرب وهم يتحدَّثون ويهمسون لبعضهم في شوارع المدينة وأزقَّتها عن عمليات الخروج ومخاطرها، وعن المُهرِّب الفلانيّ وكم يتقاضى، سوف آخذك قرب المرفأ إذا كنت تريد ذلك..
– أجل بالتأكيد أريد ذلك، أعطني رقم هاتفك وسأتَّصل بكَ؛ لأنَّني سآخذ العائلة إلى الغداء. يا إلهي! وضعك صعب جدًّا.. ثُمَّ نفسه تقول له هذه ليست بشارة سارَّة أبدا.. إنَّه أوَّل الغيث..
– حسنا كما تشاء إلى اللقاء.
– إلى اللقاء.
وفعلا أخذ كلٌّ منهم طريقه.. وفي صباح اليوم التالي ترك أبو نورس العائلة في الفندق وتوجَّه مع فراس إلى المكان الذي قرَّر أن يلتقي به مع أحمد..
كان المكان قرب مسجد مصطفى باشا القريب من المرفأ.. وكما قال أحمد فالمكان كان فيه الكثير من المهاجرين العراقيِّين والسوريِّين تسمع كلامهم وتميِّز لكنتهم بين المارَّة.
بعضهم كان يفترش باحات المسجد، وهناك التقوا بمهاجر سوريٍّ اسمه هاشم وزوجته وابنته، كان يعمل في الإمارات، وكانت أموره جيِّدة لكنَّه سمع من أحد الأصدقاء المقيمين هناك أنَّ الكثير من السوريِّين يخرجون إلى أوربا من طريق تركيا ومنها إلى اليونان ويحصلون على لجوء في إحدى دول الاتِّحاد الأوربيّ، تركَ عمله وكلَّ شيء هناك وجاء إلى هنا، وقد تعرَّض للنصب عدَّة مرات من أحد المُهرِّبين العرب، فقد وثق به وأعطاه مبلغا من المال ولم يأخذ منه أيَّ ضمانات فأخذ المال واختفى..
وضعه صعب للغاية، فقد مُنع من شحن هاتفه في المسجد، فكانت زوجته تقوم بهذا العمل في مصلَّى النساء..
لقد رأى أبو نورس الأعاجيب، رأى الناس يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، رأى بعضهم ينام بلا عشاء.. رأى ظلم الإنسان لأخيه الإنسان على أرض صُلْبة، رأى الغربة بكلِّ ما تحمله من معنى، بدت الأمثال التي كان يسمعها تتردَّد في ذهنه بقوَّة ، (من يخرج من داره يقلّ مقداره)، والإنسان هنا مرهون بما يملكه من مال وليس بٍما يملكه من إنسانيَّة! فهذه الأمور قد عفى عليها الزمن..
هذا هو حال المهاجرين العراقيِّين والسوريِّين في الغربة، ليس لهم من يشكون إليه غير الله..

الدار أمان

يا بانيًا آمالًا بغير أرضها

وصلتْ عائلة الكرديّ إلى مدينة بودروم، اتَّصل بأخيه وبعد ساعة من الانتظار وصل أخوه بسيَّارة أجرة كان يعمل فيها.. أخذهم إلى بيته ورحبَّت بهم أسرته التي لم يروها منذ عام تقريبا، وتناولوا الغداء ثُمَّ بدأ أبو راغب يستفسر من أخيه عن طريقة حياتهم هنا، وكيف يدبِّر أمورهم اليوميَّة..
أخبره أخوه بأنَّه قد باع ذهب زوجته واشترى هذه التاكسي التي يقضي النهار كلّه يعمل عليها، فالمدينة سياحيَّة وحركة السائحين فيها مستمرَّة طوال اليوم، وهذا يوفِّر له مردودًا معقولًا يكفي لسدِّ حاجاتهم..
وفي الصباح أخذه وانطلق إلى محلٍّ للحلاقة، صاحبه سوريٌّ أيضًا، وبمشقة استطاع أن يقنعَ صاحب المحلٍّ أن يعمل عنده.
أقام بعض الوقت مع أخيه، ثُمَّ استأجر شقة صغيرة تتألَّف من غرفة مع وملحقاتها.
كانت الأمور تجري بوتيرة معقولة نسبيًّا، وكان الكرديُّ يقضي معظم النهار في العمل، ثُمَّ يعود قبيل المساء ليستقبله الصغار راغب وغيلان بأحضانهم الصغيرة، وقبلاتهم الدافئة التي تسحب تعب اليوم كلّه وتحيله إلى ابتسامات، ورائحة الطعام تملأ الزقاق، فتعطيه شحنة سعادة ليس لها مثيل..
كان يأخذهم كلَّ يوم تقريبا بعد العودة من العمل إلى شاطئ البحر، حيث كان الصغار مهووسين بكرة القدم، يلعبون، ويمرحون، ويتناولون المرطبات، وكان يأخذ لهم صورا بجوَّاله للذكرى، وكان لا يملُّ من الحديث مع زوجته عن الأطفال، وسعادته لا توصف بأسرته الصغيرة..
وفي أحد الأيام جاء إلى المحلِّ حيث يعمل شخصٌ سوريٌّ يريد أن يحلق شعره، ألقى عليه السلام.
– السلام عليكم.
– وعليك السلام.
– لم أركَ من قبل، هل أنت حديث العهد هنا؟ قالها وهو يأخذ مكانه على الكرسيّ.
– نعم هذا صحيح منذ شهرين تقريبا، لقد كنت في اسطنبول.
– اهااا، من أيِّ مدينة أنتَ؟
– من كوباني.
– اااااه، كوباني ما زالت مشتعلة إلى الآن، والنزاعات فيها قائمة، كان الله في عونكم.
– أعلم ذلك، فإلى الآن الأهالي هناك مشرَّدون في المخيَّمات هنا وهناك. كان يتكلَّم وهو يحلق شعر الزبون بخفَّة، ثُمَّ نفض قطعة القماش التي كان يضعها على كتفيه وقال له:
– نعيما، لقد أكملت الحلاقة، لكن لم تقل لي من أيِّ مدينة أنتَ؟
– أنا من ريف دمشق
-اهلا بك
-إنْ احتجت لأيِّ مساعدة فأنا بالخدمة.
– شكرا لك، ماذا بوسعك أن تقدِّم لي فالحال من بعضه.
– أستطيع تهريبك إلى إحدى الجزر اليونانيَّة، ومن هناك تستطيع أن تذهب إلى أيِّ دولة أوربيَّة.
– أحقًّا تستطيع ذلك؟!
– نعم بالتأكيد، ولكن عليك أن تحافظَ على سريَّة الموضوع.
– هذا مؤكّد.
– يجب عليك أن تدفع لي مبلغا من المال وسأقوم أنا بترتيب الأمور.
– وكم هو المبلغ المطلوب؟
– ألف وخمسمائة يورو للشخص الواحد.
– يا إلهي! هذا كثير، أنا لا أملك هذا المال،فقد استنزفت كل مااملك للوصول الى هنا
– ولكنَّ الموضوع يستحقُّ المحاولة، حاول تدبير المبلغ.
اخذ نفسا عميقا وزفره ،وبدت الحيرة على وجهه
– حسنا سأفكِّر بالأمر، هل لي برقم هاتفك؟
– نعم، أنا أبو سالم، وهذا رقم هاتفي.
عاد إلى بيته وكان فرحا وكأنَّه عثر على كنز، وفي جعبته حزمة آمال ومشاريع في طريقها للإنجاز. أخبر زوجته بالأمر وكانت سعادته لا توصف.
أخبرها أنَّهم سيحصلون على لجوء في أيِّ دولة أوربيَّة، ويعيشون برفاهية واستقرار، ولكنَّ العقبة الآن هي تدبير المبلغ..
كان لدى زوجته بعض المصوغات الذهبيَّة أعطته إيَّاها، باعها وحصل على نصف المبلغ.. ثُمَّ اتصل بأبي سالم وأخبره بأنَّه يريد لقاءه، واتَّفق الاثنان على أن يلتقيا في المساء، أخذ المبلغ منه ووعده خيرًا، وبما أنَّه شخص محترم وابن حلال فقد وقعت أنظاره على ساعةٍ كان يرتديها أبو راغب، فقال له:
– أعطني هذه أيضًا، ما حاجتك بها؟!
– لا أرجوك، هذه هديَّةٌ من والدي.
– يا رجل هذا ليس وقتا للرومانسيَّة، هيَّا أعطني.
ومدَّ يده وانتزعها من يد الكرديّ انتزاعا، وقال له سأوافيك لاحقا بالتفاصيل واختفى بين السيَّاح.
مرَّ يوم ويومان ولم يتَّصل أبو سالم، حاول الكرديُّ مرارا الاتصال به لكن يكون الجواب: الجهاز مغلق أو خارج نطاق التغطية..
ثارت ثائرته وذهب إلى الميناء يبحث عن ضالَّته، كان هناك مقهى صغير يعجُّ بالسيَّاح والمهاجرين، دخل إلى المقهى الصاخب بالموسيقى، ودخان الأراجيل يملأ المكان، وأصوات الأقداح والزحام على أوجِهِ، اشرأبَّ عنقُه وهو يبحث يمينا ويسارا علَّه يجدُ ضالَّته لكن عبثا، فقد طار مع دخان الأراجيل.
وبعد أن يئسَ تماما استدار ليخرج فوضع أحدُهم يدَه على كتفِه وقال:
– هل تبحث عن أحدٍ يا أخي؟
– نعم بالتأكيد، أنت سوريٌّ؟
– نعم من دمشق.
– أنا من كوباني.
– تشرَّفنا.
– ولي الشرف أيضًا.
– أبحث عن شخص سوريٍّ اسمه أبو سالم.
– يبدو أنَّك قد تعرَّضت للنصب.
– ماذا؟!
– هذه ليست المرَّة الأولى التي ينصب بها هذا الرجل على الناس ويختفي.
– يا إلهي! ونقودي؟!
– ترحَّمْ عليها، هذا الشخص نصَّاب محترف، وقد وعدك بأنَّه سيهرّبك إلى إحدى الجزر اليونانيَّة، أليس كذلك؟!
– بلى، هذا صحيح.
– لقد نصب على الكثير من المهاجرين العراقيِّين والسوريِّين، الآن الندم لا يفيد..لنجلس بمكانٍ نحتسي القهوة ونتحدث و إنْ أردتَ السفر حقًّا فبإمكاني أن أساعدك.
– وكيف لي أن أثقَ بأحدٍ بعد الآن؟!
– سأعطيك ضمانات، فلن أستلم المال حتَّى تصل إلى اليونان.
– وكيف ذلك؟
– ستضعُ المال في أحد المكاتب، وعندما تصلُ اليونان سأستلمُ المبلغ.
– المشكلة اني لااملك الاقوت يومي، وجمع المال يتطلب وقتا، وهذا الموضوع استنزف مني كل شئ ،اموالي واعصابي ،يبدو ان الافلاك قد ناصبتني العداء..
-لاتكن متشائما يا رجل،العبد بالتفكير والرب بالتدبير،فكر بالامر لن تخسر شيئا
اطرق الرجل قليلا ،ثم اخذ نفسا عميقا من سيجاره وزفره بقوة،وحك شعره خلف اذنه وقال..
– حسنا،سافكر بالامر أعطني رقم جوَّالك.
– أُدعى بأبي كامل، وهذا رقم جوَّالي وأنا موجود في هذا المكان دائما.

غربة

أسافر العمر ليلا تاركا وطني
يهدهد الشوق بالنسمات

كان يجب على أبي نورس أن يسعى ليجدَ رأس خيطٍ يوصله إلى مُهرِّب شريف! يكون على الأقل صادقا معه ويفي بعهده، ففي كلِّ الأحوال سيدفع ولكن يجب أن يحصل على نتيجةٍ مضمونةٍ. فالقَصَص التي كان يسمعها لا تبشِّر بخير، وكلّ شيء مرهون بالحظ ..
مرَّ أسبوع على هذه الحالة، وكان أبو نورس وفراس يذهبان يوميًّا إلى هذه الأماكن قرب المرفأ علَّهم يجدون سبيلا..
وبالصدفة التقيا بأبي نور، وهو لاجئٌ عراقيٌّ ينتظرُ دوره في السفر، كان يجلس على المصطبة أمام البحر وهو يضع رِجْلًا على رجل، ويتأمَّل البحر وحركة الأمواج المتتابعة، كان يستنشق السيجار بقوَّة ويزفرها بقوَّة أكبر، فيشقُّ سيلُ دخانِه نسائمَ الهواء، ثُمَّ يتلاشى في الفضاء. لقد كان يتكلَّم بجوَّاله مع أحدهم باللهجة العراقيَّة ويقول له بعصبيَّة:
– منذ عشرة أيام وأنتَ تؤجِّلني، لقد نفدَ صبري، حسنًا سأتَّصل بك غدًا في الموعد نفسه.
بادره أبو نورس وفراس بالسلام.
– السلام عليكم.
– وعليكم السلام.
نهض أبو نور من مكانه وتصافح مع الاثنين.
– أهلا وسهلا بكما.
– إن لم اكن مخطئا فأنتَ تريد السفر؟ بادر أبو نورس بالسؤال.
– هذا صحيح، فأنا هنا منذ شهرين تقريبا، وقد تعرَّضت للاحتيال كثيرا، وفي إحدى المرَّات أخذنَا القاربُ إلى إحدى الجزر التركيَّة غير المأهولة، وبمشقَّة أنقذَنَا خفرُ السواحل. ومرّة أخرى أخذ المُهرِّب المال واختفى وهذه تحدث دائما. ومرتان تأجَّلت الرحلة بسبب ارتفاع الموج، وهكذا فالمُهرِّب إمَّا أن يحتال عليك وإمَّا أن يماطل.
– هذا يعني أنَّ الأمور غير مشجِّعة أبدًا.
– مع ذلك علينا أن نحاول، فنحن لا نملك خيارا آخرًا.. لقد اتَّفقتُ مع هذا المُهرِّب منذ عشرة أيام، وفي كلِّ مرَّة يؤجِّل الرحلة؛ بسبب ارتفاع الموج أو الرقابة الشديدة من خفر السواحل الأتراك.
– ولكن هل هناك أفضليَّة بالنسبة إلى المهاجرين؟
– أعتقد أنَّ المُهرِّب ينتقي ما يحبُّ من النفرات (وهو مصطلح يطلق على الأشخاص الذي يُهرَّبون)، وبسبب الضغط وقلَّة الرحلات يتراكم لدى كلّ مُهرِّب مئات الأسماء الراغبة بالإبحار إلى اليونان.
– أعتقد أنَّ الموضوع شاقٌّ للغاية.
– لكنَّه ليس مستحيلا، فقد أبحر الكثير من الأصدقاء وهم الآن في الدول الأوربيَّة.
– هل لك أن تعرِّفني على هذا المُهرِّب؟ ربما نصل إلى اتفاق.
– بالتأكيد سأعطيك رقم هاتفي، ويمكنك أن تلتقي به غدًا مساءً في تلك الكافيتريا حيث سألتقي به.
ودَّعه على أمل أن يلتقيه غدا، ثُمَّ عادا إلى الفندق هو وفراس.. كان الوقت غروبا والشمس تلملم أشعتها من الأفق، وتسدل بدله لونًا أحمرَ رائعًا، تختفي وراءَه بعضُ السُحب المتفرِّقة، ويتدرَّج الأحمر إلى كلِّ درجاته، يحتلُّ كبد السماء بمشهد رائع..
كانت العائلة تنتظر، وقد تهيَّؤوا للخروج، فاصطحبهم أبو نورس مشيًا على الأقدام، وهذا ما يميِّز المدينة، فأنتَ مهما مشيت لا تشعر بالتعب، فالمدينة الساحرة تعجُّ بالناس من مختلف الجنسيات، والأسواق مغمورة بكلِّ شيءٍ، الأنوار متَّقدة، المحالّ تزهو، والمطاعم الصيفيَّة مزدحمة بالسيَّاح والأهالي على حدٍّ سواء، وكانت هناك أعمدة ترشُّ رذاذا على المارَّة لتلطّف الجوَّ من حرارة الصيف.
اختاروا مطعما صيفيًّا، أي انَّهم يضعون الطاولات والكراسي على الرصيف مقابل المطعم، ليستمتع السيَّاح والناس بمنظر المدينةِ الفاتن، وبأضوائها وزحام المارَّة وأصوات السيَّارات..
فلا تكاد تجد مترا فارغا من الناس، متبضعون، واناس تتمشَّى، وباعة متجوِّلون يعرضون عليك بضاعتهم بإصرار،يبيعون كل شئ،تحف،تراثيات،اكسسوارت،مداليات عيون زرقاء،لعب اطفال ،وغيرها الكثير من الاشياء ..
انظر لهذه أو هذه أو تلك، سأبيعها لك بنصف الثمن،الق نظرة فقط حتى وان لم تشترِ.. ،المكان ملئ حتى انفه بالناس ،بعضهم يأكل الآيس كريم،وبعضهم يشتري او يعامل على شراء شئ ما، ورائحة الشواء تغري الأنوف ويسيل لها اللعاب، ولا سيَّما رائحة الكباب التي لا تُقاوم، ومناقل الفحم المتوردة الجمر، العامرة بأسياخ الكباب واللحم المشويّ، وبالطماطمِ والبصلِ المشويّين، ورائحة الخبز الحارّ تضفي نكتها الرئعة على الغروب،المشهد يجعل الانسان فرحا رغم انفه..
وجدوا مكانا بمشقة، وجلسوا بانتظار الطلبات.. ذهب الأب ليقف بالدور وكان الأولاد متشوّقين للطعام، وعيونهم على مناقل الفحم، والأمّ باسمة تصبّرهم قائلة:
– هههه، تمهَّلوا يا أولاد، سيأتي أبوكم بعد قليل.
– ولكنَّني جائع كثيرا، قال نورس.
– وأنا لا أستطيع أن أحتمل أكثر، قالت ياسمين.
– لقد تأخَّر أبي، سألحقه، قالت دنيا الصغيرة وهي تمصُّ شفتيها.
– ها هو أبوكم قد حضر ومعه النادل.
وضع النادل الطلبات التي كان يحملها بخفة على الطاولة وقال:
– تمام (وهذه الكلمة يستعملها الأتراك بكثرة للدلالة على إتمام الشيء).
باشر الجميع بالأكل، فهذا الطعام يذكِّرهم ببغداد، الكباب والخبز الحارّ المفضَّل لدى العراقيّين.. وبعد انتهائهم وضع نورس يده على بطنه وهو يفركها ويقول:
– اممم، طعام لذيذ، لقد شبعتُ إلى حدّ التخمة.
– ونحن أيضًا، قالت الفتيات.
– بقي الشاي، من يريد شايا؟ قال الأب.
– أنا بالتأكيد، قالت الأمُّ وهي تمسح يديها بالمنديل.
ومن العادات اللطيفة أنَّ الأتراك يشربون الشاي بالاستكان (وهو قدح اسطوانيٌّ عريض من الأسفل يُستَعمل لشرب الشاي) كما يفعل العراقيُّون والسوريُّون تماما.
واصلوا مشيهم إلى المرفأ، وقد بدأ الجو يتحلّى بنسائمَ مسائيَّة لطيفة، فقد حلَّ المساء وأنسه.. كانوا يمشون ويتبادلون الأحاديث حتَّى وصلوا المرفأ، وكان المرفأ يعجُّ بالسفن الكبيرة والصغيرة والمتوسِّطة المتوقفة هناك، الآلاف من السائحين الذين يرتدون ملابس البحر ويفترشون الرمال الساخنة، التي تشعرهم بالراحة والحياة، وهذا ما يفتقدونه في بلدانهم خصوصا الاجانب منهم.. تلك الأجساد الكاسية العارية المحمصةإلَّا من ورقة التوت، وكأنَّها أسماك سلمون حمراء. وبعضها من الحجم العائليّ، فيبدو كالبطريق، وقد اتَّخذ اللحم البشريّ اتجاهات عديدة على الرمال الساخنة..
بدأ الصغار يصنعون بيوتا من الرمال ويهدمونها، ويتصورون بيتهم الجديد كيف سيكون وكم غرفة فيه، وربَّما ستكون لديهم حديقة كبيرة ومرآب، وإذا كانوا محظوظين فسيكون لهم مسبحا..
كانوا يبنون البيت على الرمل ثُمَّ تأتي موجة سريعة من بعيد، تقترب شيئًا فشيئًا فتهدم البيت الرمليّ وتعود أدراجها إلى البحر، والأطفال يضحكون وينتظرونها ثانيةً.
– ها هي قادمة اهربوا، ويمثِّل نورس أنَّه يركض مرعوبا.
– ها ها ها، وتركض الفتيات وهنَّ يضحكن.
وكان الوالدان يجلسان على مصطبة وهما يراقبان الأطفال وفرحتهم الغامرة، ويخطِّطان لكلِّ شيءٍ ويعدَّان ما بقي من نقود.
حلَّ الليل سريعا، لم يشعروا بالوقت؛ لأنَّ اللحظات الجميلة تمضي بسرعة. ارتدتْ السماءُ عقدًا لؤلؤيًّا، تناثرتْ حبَّاتُه بدلالٍ؛ استعدادا لاستقبال ليلة من ليالي تركيا الرائعة، كان عليهم العودة إلى الفندق باكرا؛ لأنَّ غدًا سيكون حافلا بالبحث، وربَّما يلتقي أبو نورس بالمُهرِّب المعجزة الذي سيحقِّق له أحلامه بالسفر إلى اليونان.

نَهَمُ البحرِ

لصهيل أمواجه وقع رهيب
ولصفاء مياهه سحر الخلود

عاد كرديُّ ثانية إلى بيته وفي جعبته أمل جديد، ولكن هذه المرَّة من أين سيأتي بالمال.. طلبت منه زوجته أن يكفَّ عن هذه الأماني الخائبة، فالمُهرِّبون جميعا يحملون الهُويَّة نفسها وهي الاحتيال على المساكين وهذه مهنتهم، لكنَّه أقنعها بأنَّ الأمر مختلف هذه المرَّة؛ لأنَّ المُهرِّب الجديد سيعطيه ضمانًا بالوصول واستلام المال..
وما إن حلَّ الصباح بشمسه المشرقة المتألقة بصيفها حتَّى اتصل بشقيقته في كندا وأخبرها بالمبلغ المطلوب، حاولت أخته أن تقنعه بأنَّ مخاطر الهجرة غير الشرعيَّة كثيرة، وأنَّ عليه أن يجدَ حلًّا آخرا، لكن عبثا فقد كان مقتنعا بالأمر، لذا اظطرت تحت ضغطه والحاحه أن تساعده وترسل له المال..
حصل أبو راغب على المال من أحد مكاتب الصيرفة، واتَّصل بأبي كامل وطلب لقاءه، وفعلا التقيا بالمكان نفسه قرب المرفأ، واتَّفقا على الصيغة الجديدة المضمونة للتهريب..
سلَّم الرجل المال لأحد المكاتب المُتَّفق عليها، وحدَّدوا اليوم والساعة التي سيبحرون فيها.. كانت الساعة حوالَي الثانية عشرة ليلا، وبالطبع فقد هيَّأ أبو كامل كلَّ الأمور من غياب خفر السواحل إلى هدوء الموج؛ لأنَّ ضميره المهني لا يسمح بغير ذلك..
حانت ساعة الصفر، اتَّصل أبو كامل بالكرديِّ وأخبره أن يتهيَّأ، ثُمَّ جاءت سيَّارة أقلَّته وأسرَته بعد أن طلب منه المُهرِّب التخلص من جميع أمتعتهم.. ترك أبو راغب أغراضه عند أخيه، ركبوا السيَّارة التي كانت تنتظرهم بسائقها التركيّ، انطلق الأخير بسرعة فائقة مزَّقت سكون الليل، كان الطريق وعرا، بعيدا عن الأنظار، انعطافات، شوارع ضيِّقة كأنَّهم يسيرون بطريق ليس له نهاية، تعرجات كثيرة تاخذهم إلى اليمين وإلى الشمال، ويميلون مع كلِّ انعطافٍ ككتلةٍ واحدة. كانت أمُّ راغب تتمتم ببعض الآيات القرآنيَّة بصوت مهموس، تقرأ كلمة وتبتلع أخرى، أمَّا أبو راغب؛ فكان يتمتم بينه وبين نفسه غير راض على السرعة الفائقة التي يسوق بها صاحب السيَّارة.
وصلوا إلى المكان المُتفَّق عليه، ترجَّلوا من السيَّارة، وكان أبو كامل بانتظارهم، مشوا مسافة وكان يمشي قبلهم ويحفزهم، هيَّا أسرعوا، فالقارب ينتظر..
كان قاربا مطاطيًّا ممتلئًا بالنفرات كأنَّه سلّة مكتظَّة بالحاجيات غير المرتبة، كان متوقفا عند تجمّع وراء تجمّع للصخور، ركبوا على عجل وانطلق القارب بأقصى سرعة.. كان القارب كقطعة هلامية، يتمايل من جميع جهاته، تارة هنا وتارة هناك، وجميع الركَّاب يتمايلون معه، كأنَّه بقعة زيت في بركة ماء.. ويبدو البحر كوحش نصف نائم، تتحرَّك عيناه يمينا ويسارا، تتبعُ القوارب التي تسير على أعصابه، فإذا كان غاضبا أرسل أمواجه لتنقضَّ على القوارب وتأتيه بالغنائم، أمَّا إذا كان هادئا؛ فتراه مسترخيا مترقِّبا كمن يقول في نفسه امضوا في طريقكم إن استطعتم النجاة، فلترافقكم السلامة..
كان أبو راغب قلقا وتساوره الشكوك، والخطر جرس يدقُّ في أذنه، عليك العودة فالبحر سيصحو في أيِّ لحظة ليقوم بعمله!
كان يحتضن راغب فيما تحتضن زوجته غيلان.. كان يتكلَّم مع الله في سرِّه يطلب العودة إلى الساحل وتسمع نبضات قلبه هذا الكلام فتتسارع فيبدو قلبه وكأنَّه انسحب من بين أضلاعه، يتوسَّل إلى الله أن يأتي خفر السواحل ويعيدهم إلى الشاطئ، والقارب يسير بأقصى سرعة، والوجوه الشاحبة الخالية من الدماء كأنَّها تحتضر، بينما كان الموج يقاتل بكلِّ ما أوتي من قوَّة ليقلب القارب، فيبدو أنَّ البحر قد صحى من النوم..
وفجأة وسط هذه الصراعات توجَّهت نحوهم أضواء من كلِّ اتجاه ونودي عليهم سلِّموا أنفسكم.
كانوا محاطين بقوارب خفر السواحل الأتراك، حمدا لله فقد استجاب له الله لينقذَ أطفاله من براثن البحر..
ويبدو ان الرياح تجري بمالاتشتهي السفن فقدأعادوهم إلى الميناء، حقَّقوا معهم ثُمَّ احتجزوهم قليلا، بعدها اطلقوا سراحهم.. شعر الكرديُّ بارتياح ليس له مثيل، فقد تمكَّن بمساعدة الله من إنقاذ أطفاله في الوقت المناسب من نهم البحر.

………. يتبع

شاهد أيضاً

رحلة طائر الكاتبة
خلود الشاوي

ذاتَ يومٍ خرجَ طائرٌ عن سربِهِ لأنه كان منزعجا من قوانينِهِ الصارمةِ ،راحَ يُرفرفُ مسرورا …

لوحة ذالك الفلاح الذي اختار التحليق
محمد محجوبي / الجزائر

بين السمرة التي رسمت ملامح الفصول وبين وهج الطين الذي حفظ أنفاس الرجل تشابهت أوراق …

في ذكرى وفاة ميّ زيادة
كم مثلك يا ميّ من تخشى أن تبوح بأسرار قلبها
فراس حج محمد/ فلسطين

{الكلمة التي لا تموت تختبئ في قلوبنا، وكلما حاولنا أن نلفظها تبدلت أصواتنا، كأن الهواء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *