حسين سرمك حسن : “علي بدر” .. وتوظيف المكان البغدادي

*جزء من مخطوطة كتاب
… وهنا ينبغي أن نثني ونحيي ذاكرة الروائي “علي بدر” الجبارة التي احتفظت بأدق تفاصيل المكان البغدادي الذي تعرض خلال العقود الأخيرة لعملية محو وتشويه بل تدمير منظمة وظالمة . الذاكرة هي بقايا المكان ، وحتى الحوادث والأسماء والوقائع المجردة لا يمكن أن تحتفظ بها الذاكرة البشرية إذا لم تكن مستوعبة في وعاء المكان . الزمان نفسه لا قيمة ” مادية ” ذاكراتية له من دون أن تحيط به أذرع المكان وتتلبسه أرديته . بعد غائب طعمة فرمان بصورة أساسية وفؤاد التكرلي بدرجة أقل رغم أهميتهما ، لم أجد روائيا عراقيا مخلصا للمكان البغدادي وأمينا عليه مثل هذا الروائي . وفي الوقت الذي تميل الموجات النقدية الحداثية وما بعد الحداثية إلى إلغاء إنحيازات المكان المحلية وولاءاته الأمومية بحيث صارت الرواية تُكتب للسينما مباشرة ، وفي ذهن الكاتب ” الإستديو ” وليس التربة المحلية بمحمولاتها الوجدانية ، فإن علي بدر يقوم بواجب وطني – هل سيسخر منا أتباع ما بعد الحداثة حين ننسب للراوي دورا وطنيا ؟! – في ترميم الذاكرة العراقية التي مزّقت شرّ ممزق . يقول الروائي الراحل ” عبد الرحمن منيف ” : 
 ( الكاتب العراقي غائب طعمة فرمان ، الذي ظل غائبا عن وطنه ، العراق ، ثلاثين عاما ومات في المنفى ، لا يتصوّر بغداد إلا كما عرفها ، كما تركها ، ولذلك ظل طوال سنوات المنفى يستحضر بغداد تلك ، علما بأن بغداد التي عرفها ، الماضي ، لم تعد موجودة ، قامت أخرى مكانها ، ليس المهم أن تكون أكبر أو أجمل ، ولكنها مختلفة . ومع التأكيد أن ليس هناك كاتب عراقي استطاع أن يستعيد ويثبّت في الذاكرة من جديد بغداد الخمسينات كما فعل غائب ، ولو قُدّر لبغداد تلك أن تعود ، مرة أخرى ، لاستطاع أي زائر لها ، حتى لو لم يكن من أبنائها ، أن يجوس أحياءها ليلا ، وفي الظلمة ، دون أن يخشى الضياع …
لكن بغداد تلك لم تعد موجودة ….
إن بغداد التي تعود للحياة من جديد ، بمعالمها وناسها ورائحتها ، ليست بغداد الحاضرة أو المعاصرة ، ولكنها المدينة المشتهاة والمستعادة في الخيال ، والماضية أيضا  )
وعلي بدر يقوم بدور مواز ، وحري أن نقول إن دوره يفوق أدوار المبدعين السابقين أهمية وإلحاحا بفعل طبيعة المرحلة الكارثية التي يمر بها العراقيون الآن ؛ عراقيون صاروا يعرفون خان الخليلي عبر المسلسلات المصرية أو لاس فيجاس من خلال أفلام هوليود أكثر مما يعرفون أحياء مدينتهم الأم ، كما تهشمت الصلات التواصلية بين الأجيال بحيث أصبح الجيل الراهن معدا لاستقبال أي تزييف عن المكان والزمان العراقيين . يمكن القول إن في رواية علي بدر هذه أبطال كثيرون ، لكن البطل المركزي الذي لا يُنازع هو المكان البغدادي . مكان برع علي في جعلنا نعرف أدق تفصيلاته .. يقودنا في أزقته المتعرجة بسلاسة من عاش وخطط وافتتح تلك الأماكن .. وعلي من مواليد 1964 !! .. أي قدرة تلبسية على تمثل دقائق المكان هذه ؟! . يقول علي :
( لقد استمر البحث ، ورسم العلامات المهمة ، وتعيين النقاط التي لها علاقة بحياة الفيلسوف مدة لا تقل عن شهرين ، وقد كان لزاما علي أن أثبت الأماكن العامة التي كان الفيلسوف يرتادها ، مثل ملهى ” جريف أدب ” الذي تملكه الراقصة دلال مصابني ، وعلاقته بتلك الراقصة ، وبمجموعة أخرى من الراقصات اللواتي كنّ يتبعن فلسفته ، والمقهى السويسري في شارع الرشيد ولقاءاته المستمرة مع بعض الشخصيات الأدبية ، ومن ثم كافتيريا ” إكسبريس الشرق ” في شارع الرشيد حيث كان يلتقي نادية خدوري في أثناء زيارته لبغداد ، سينما ” قدري الأرضروملي ” ، وأماسي السينما الفرنسية ، مكتبة ” مكنزي ” حيث كانت تعمل نادية ، ومن هناك كان يشتري آخر الكتب الوجودية – ص 19 و20 ) .
لكن قد تبدو هذه الإشارات أشبه بتأشيرات معلم جغرافية أو دليل سياحي على مواقع خارطة معينة .. تأشيرات وصفية وتعليمية لا صلة لها بمكنونات الوجدان على الرغم من أهميتها البالغة ذلك لأنها مُقتطعة من سياقها من ناحية ، ولأن الأهم ، من ناحية ثانية مكملة ، هو هذا الجانب الحركي ، الجانب الذي يقوم فيه الروائي بدور خبير المكان المختص المتحرك الذي يمضي مسرعا في دروب بغداد المحروسة وأحيائها دون أن يلتفت إلى الخلف ، تاركا لنا كمتلقين حرية السير ، أو الجري أحيانا ، خلفه ، وهو يطرح خزينه عن معالم المكان المحتضر في الذاكرة .
وعلى امتداد صفحات الرواية ( 261 صفحة ) تتجلى سمة أسلوبية هائلة المعنى وتتمثل في التحام الكاتب التفصيلي بالمكان البغدادي بأدق تفصيلاته . قدم لنا علي بدر صورة حية ونابضة بالحركة الإنسانية الحية عن أماكن وأحياء رئيسية في بغداد ملتحمة بالانسان البغدادي في تفصيلات محسوبة من سلوكياته ، محسوبة بالقدر الذي يخدم الموقف في الرواية ويسهم في عكس جوانب من أفكار شخوصه وصراعاتهم النفسية ورغباتهم المكبوتة من ناحية ، ويجسد بصورة غير مباشرة ما يريد الكاتب ” إسقاطه ” من رؤى وتصورات عن طبيعة الموضوعة التي يعالجها والمرحلة التي يريد تصوير أبعادها وتحولاتها ومفارقاتها الاجتماعية والفكرية من ناحية أخرى . وقليل من الروائيين العراقيين من اعتنى بالمكان البغدادي – في مقدمتهم طبعا الراحل الكبير ” غائب طعمة فرمان ” – وحاول ” توثيق ” ملامحه روائيا بصورة خلاقة من خلال توظيفه في خدمة الحدث الروائي بصورة تجعله ملتحما بمسارات سلوكيات الأشخاص والوقائع بصورة تلقائية وليس مجرد ” وثيقة ” روائية جغرافية مقحمة . لقد قدم علي بدر مخططا لتحركات شخوصه وخصوصا الراوي الصحفي وعبد الرحمن صبيا وراشدا هو ” خريطة ” لبغداد أيام عز أمكنتها البهية المباركة في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات ، ذاك العز الذي خرّبته العقليات اللامتخصصة في العهود السابقة ثم جاء خنازير الاحتلال ليجهزوا عليه نهائيا بقصفهم وسرف دباباتهم وبلوكات ” بريمر ” اللعين الشهيرة . ويذكرني جهد علي المتفرّد هذا برأي آخر لـعبد الرحمن منيف عن دور فرمان الفريد في هذا المجال في كتابه ” الكاتب والمنفى ” حيث قال :
” لا أعتقد أن كاتبا عراقيا كتب عن بغداد كما كتب غائب . كتب عنها من الداخل ، في جميع الفصول ، في كل الأوقات . وربما إذا أردنا أن نعود للتعرف على بغداد أواخر الأربعينات والخمسينات ، لابدّ أن نعود إلى ما كتبه غائب (..) كيف كانت الأماكن ، كيف كان البشر . إن رائحة المكان في “النخلة والجيران” وملامح الناس في “خمسة أصوات” وهموم الفقراء والمتقاعدين في “آلام السيد معروف” لا يمكن أن نجد ما يماثلها في كتب التاريخ وفي صحف تلك الأيام وفي أدبيات الأحزاب السياسية ” .
وفي مقارنة ذكية للطريقة الفذّة التي حفظ بها المبدعون العراقيون ملامح المكان البغدادي يذكر منيف حالتين رائعتين : الأولى هي الكيفية التي اندهش فيها أصدقاؤه اليوغسلاف الذين رافقوه وهو يزور مدينة ” ترافنك ” اليوغسلافية لأول مرة . كان يشير إلى الطريق التي ستأخذهم إلى القلعة ، ومتى سيعبرون النهر ، ويقول لهم أن هذه مقبرة المسلمين وهذه مقبرة المسيحيين قبل أن يصلوها .. كانوا يعتقدون أنه زار المدينة من قبل ، لكنهم صدموا حين قال لهم إن هذه زيارته الأولى وإنه يعرف ملامح المدينة من خلال قراءته لرواية ” إيفون أندريتش ” ” وقائع مدينة ترافنك ” !! . ويقارن منيف بين براعة أندريتش هذه وبراعة الروائي العراقي فرمان الموازية بالقول :
( أعتقد أن غائب في أكثر من رواية يتمتع بهذه الميزة ، ميزة أن يكون دليلا في المدينة التي أحبها : بغداد ..هو الذي ظل غائبا عن وطنه ، العراق ، ثلاثين عاما ومات في المنفى ، لا يتصوّر بغداد إلا كما عرفها ، كما تركها ، ولذلك ظل طوال سنوات المنفى يستحضر بغداد تلك ، علما بأن بغداد التي عرفها ، الماضي ، لم تعد موجودة ، قامت أخرى مكانها ، ليس المهم أن تكون أكبر أو أجمل ، ولكنها مختلفة . ومع التأكيد أن ليس هناك كاتب عراقي استطاع أن يستعيد ويثبّت في الذاكرة من جديد بغداد الخمسينات كما فعل غائب ، ولو قُدّر لبغداد تلك أن تعود ، مرة أخرى ، لاستطاع أي زائر لها ، حتى لو لم يكن من أبنائها ، أن يجوس أحياءها ليلا ، وفي الظلمة ، دون أن يخشى الضياع …
لكن بغداد تلك لم تعد موجودة ….
إن بغداد التي تعود للحياة من جديد ، بمعالمها وناسها ورائحتها ، ليست بغداد الحاضرة أو المعاصرة ، ولكنها المدينة المشتهاة والمستعادة في الخيال ، والماضية أيضا ) .
يقول علي بدر :                                                                                                 ( كان شق الطريق صعبا ، فأزقة الصدرية مظلمة ، تتوزع بشكل ملتو لتصب مرة واحدة في شارع واسع شيده الملك غازي في الثلاثينات ، وكان سيرنا متعثرا بفعل قناطر صغيرة شبه مهدمة ، تعترضنا في الوسط ، وهي مختفية بمياه تصدر بدوامات متقلبة ، تغطي أحيانا نصف عجلات عربات السحب الصغيرة التي تجتاز هذه الأزقة المتجهة إلى سوق الدهانة ، أو إلى محلة سراج الدين ، أو إلى سوق الشورجة ، وكنا بين آونة وأخرى نلتصق بجدران المنازل الرطبة ، حين تمر إحدى العربات التي تجرها الخيول بأكفالها السمينة الصهباء ، وحمحماتها المكتومة حيث يتكاثف البخار الخارج من مناخرها بسبب تيارات الهواء الباردة التي تلفحها ، والعربنجية يسوطونها بالقمجيات وهم يصرخون : بالك .. بالك .. بالك – ص 18 ) .
وفي فقرة موجزة نسبيا يقدم الكاتب نظرة بانورامية علوية وكأنه يمسح محلات سكن الشخصيات الرئيسية في الرواية . هذه النظرة تلخّص الكثير من المعلومات عن هذه الشخصيات ، معلومات مرتبطة بأعمالهم أو طبيعة انتماءاتهم الآيديولوجية بصورة العرض السريع ” المفتاحي ” الذي يعطي ” موجزا ” عن كل شخصية سيتم بحث طبيعتها ودورها في حياة الفيلسوف مستقبلا . هي خلاصة تشبه ما تقدمه ” برشورات ” العروض المسرحية :
( إسماعيل حدوب الذي سكن الخان الملاصق لجامع سراج الدين فترة من الزمن إبان الخمسينات ، شاؤول حيث كان محله يقع في قلب سوق الصدرية في نقطة تلاقيه مع الدهانة وحي سراج الدين ، بيت لاوي صاحب شركة السيارات في شارع الرشيد ، نادية خدوري التي كانت تعمل في مكتبة مكنزي في شارع الرشيد ، إدمون القوشلي الذي كانوا يطلقون عليه تروتسكي الستينيات والذي تعرّف إليه في مقهى واق واق في باب المعظم حين كان يجالس دزموند ستيوارت ، ومجموعة من الناس مثل خفير الصدرية ، وجاسب الأعور ، والراقصة دلال مصابني ، ورزجينا الخدامة ، وحسنية الغسالة وسعدون السايس وعطية البستاني وغيرهم – ص 19 ) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.