أسلوبية الإهداء
(الى زوجتي مرسيدس . طبعا)
د. عيسى الصباغ

توفيت اليوم 16 / 8 / 2020 زوجة الروائي غابريل ماركيز وملهمته ، وكان قد أهدى روايته ” الحب في زمن الكوليرا ” اليها ، وفي الأدنى معالجة نقدية ذات طابع لساني لطبيعة الإهداء .

أسلوبية الإهداء
(الى زوجتي مرسيدس . طبعا)
د. عيسى الصباغ
بهذه الكلمات الموجزة والمعبّرة ، أهدى الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز روايته ( الحب في زمن الكوليرا ) الى زوجته ، ويبدو أن صيغة هذا الإهداء أثار إعجاب الكثير من الساردين وكاتبي الشعر عندنا ، فتناقلوا في إهداءاتهم ألفاظه المقتضبة وتركيبه المعبّر ، مع تغيير في جهة الإهداء ، وهو تغيير يُعدّ طفيفا جدا مقارنة بالنص – الإهداء، نحو قولهم : ( الى فلان طبعا ، الى صديقي الفلاني طبعا … الخ ) . على أن هذه الإهداءات بقيت ترزح تحت عبودية التقليد للأصل ، بدون أدنى محاولة للتحرّر منه أو تجاوزه .
ويهمّني هنا أن ألقي ضوءاً على أسلوبية النص – الإهداء : ( الى زوجتي مرسيدس . طبعا ) محاولا كشف طاقته التعبيرية وآلية عملها . ويتيح لي هذا أن أسأل أولاً : أين يكمن الملمح الإبداعي في هذا الإهداء الذي أعجب مقلّديه وغير مقلّديه على السواء .
من الناحية اللغوية ، التعبير في مجمله ، عبارة عن جملتين محوّلتين من جملتين توليديّتين وهما :
1- الى زوجتي مرسيدس .(جملة مُحوّلة)
2- طبعا . (جملة مُحوّلة)
الأولى منهما انبثقت من الجملة التوليدية – الأصل وهي : أهدي الرواية الى زوجتي …(جملة توليدية) أو : الرواية مهداة الى زوجتي …(جملة توليدية)، وكلتا هاتين الجملتين التوليديّتين حُذِف منهما المسند والمسند اليه (المسند والمسند اليه هنا هما الفعل وفاعله زائدا الفضلة ” أهدي الرواية ” وفي الأخرى ، المبتدأ والخبر “الرواية مهداة ” والمتعلّق الذي مثّل هاتين الجملتين هو : الى زوجتي … ) ولكي يقع الحذف وتتحقق فاعليته ، لابدّ من قرينة تدلّ عليه ، والقرينة هنا حالية ، أو سياق الحال ، أو سياق الموقف بتعبير مالينوفسكي context of situation ، وسياق الموقف هو ( الرواية نفسها والإهداء، ليس بلغته حسب ، وإنما بقصده النفسي ).
إذاً ، الجملة التحويلية : الى زوجتي مرسيدس ( ومرسيدس هنا بدل بيان وظيفته النحوية هي الكشف عن هوية الزوجة ، وتأكيد حضورها في النص ) أقول هذه الجملة المحوّلة – باعتبار حذف مراتبها النحوية “المسند والمسند اليه” – لم تهدر المعنى ، بل كثّفته واختزلته في كلمات معدودة ، أيْ أنّها غيّبت المادي واحتفظت بالمعنوي من الكلام ، مما جعل إيجازها دالا ومعبّرا ، وهذا بحد ذاته ملمح إبداعي لغوي ، مفاده التعبير عن أكبر قدر من المعاني بأقلّ الكلمات .
التركيب الآخر هو (طبعاً) ، إذ أنه أضفى الشعرية على الإهداء . وصف النحاة هذا التركيب بأنه مصدر منصوب بعامل محذوف ، ناب عنه المصدر نفسه في أداء المعنى . وجملته التوليدية التي انبثق منها : (أطبع طبعاً ) ، ونحوه في المتداول من الكلام : شكرا وحمدا وسمعا وطاعة وحبا وكرامة وما شاكل ذلك . والطبع بحسب ما جاء في لسان العرب – مادة طبع – (الخليقة والسجية التي جُبِل عليها الإنسان … وطَبَعَه الله على الأمر يطبعه طبعا : فَطَرَه ) . ويُعدّ المتداول اللساني (طبعا) ، وهو مصدر ، من الأساليب غير الطلبية ، و(المصادر الدالة على معنى يُراد إقراره ، وإعلانه من غير طلب شيء ، أو عدم إقراره ) النحو الوافي 2 :211 .
وأكاد أجزم أن لمسة الإبداع في النص – الإهداء ، هو وقوع التركيب (طبعاً ) في سياقه ، ذلك أن وظيفته هي إقرار الإهداء وإعلانه وتوجيهه ، فضلا عن أنه اختزل جملة من الدلالات الهامشية مما يوحي بها ، نحو : الى زوجتي مرسيدس وهل هناك أحد سواها أهدي اليها الرواية. أو : الى زوجتي مرسيدس وليس الى غيرها . والحقيقة أنه من المستحيل وضع عبارة أو شرح يقوم مقام التركيب اللساني ( طبعاً ) في النص ، فهو في سياقه – أقول في سياقه – شحنة تعبيرية عالية توحي بحزمة من الصور والدلالات والمشاعر .
ويتمثل عمل هذا التركيب في تحريره قيمة أسلوبية فنية ، تلك هي المبالغة ، وتوخّي الاعتيادي والسائر من الإهداء ، فـ( طبعاً ) في موضعها هذا وجّهتِ الإهداء توجيها صارما ومباشرا ، ودلّتْ على المبالغة في ثقة المُهدي بقصدية إهدائه ، وقد أضفى التركيب عنصر المفاجأة على نص الإهداء ، وكَسرَ أفق المألوف والمتوقع . ذلك أن الجملة :(الى زوجتي مرسيدس ) تركيب لساني استوفي معنى الإهداء ، ويمكن للمُهدي ( ماركيز) أن يكتفي به ، إلا أنه أراد أن يُؤطّر إهداءه بطابع سحريّ يُدهش به المتلقي ، وفي الوقت نفسه ، يسدّ ثغرة في قصده ، فلا مكان للانحراف عن هذا القصد ، والأمر الأخير يضع لزوجته مكانة سامية ومخصوصة .
هذه الدلالات والمعاني والملامح الفنية ، جسّدها التركيب اللساني (طبعاً ) ، ولكن حينما يكون في سياقه الجملي ليس إلا ، أيْ أن فاعليته تنشط بوصفه عنصرا لغويا وفنيا متواشجا مع سائر العناصر الأخرى في النص.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : الضياع والبقاء في “ظل منحن على مقعد الشمس” .

   حين حط في بريدي كتابين للكاتبة والشاعرة الأستاذة الدكتورة والباحثة جليلة الخليع من المغرب العربي، …

| هاتف بشبوش : لؤي عمران ، صوتانِ ، في السياسةِ ، وآخرٌ في الوجدان ..جزء ثانٍ .

  القرار الأخير ( القرارالصعب ) : القاص لؤي كان ذكيا في وصف التضحية والفداء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *