صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي (4) الصرير (ملف/26)

أما مسرحية ( الصرير )فقد كتبها يوسف العاني عام 1987 أي سبعة عشر عاما بعد مسرحية ( الخرابة ) وهي مسرحية قصيرة لا تتعدى عدد
صفحاتها على خمس وعشرين وتتكون من منظر واحد فقط وشخصيتين هما ( هو ) و (هي ) ، وكلاهما متقاعدان وتجاوزا الستين من عمرهما .
ويتمحور حدثها حول شخصية هو الذي يعيش وحيدا في عزلة تامة عن العالم الخارج ،أو كما يقول المؤلف :( في طرف بعيد بعض الشيء عن المدينة ) حيث يسود الصمت البيت الذي يعيش فيه ، وبفعل هذا الصمت أعتاد أن يقضي أوقاته في مخاطبة ضلفتي الباب ليصدر عنهما صريرا يدخل البهجة في نفسه لأنه الصوت الوحيد الذي يستطيع أن يسمعه ويجري حوارا معه وذلك من خلال الضغط على ضلفتيه وتركهما يتأرجحان لينبعث عنهما هذا الصرير. وأذا كانت هذه الوسيلة الأولى الذي ينشغل فيها لقضاء أوقاته ،فأنه وجد في كتابة وقائع يومياته الوسيلة الثانية ،وفي ممارسة الألعاب الرياضية الوسيلة الثالثة ،ويأخذ مخاطبة الصرير القسط الأوفر من أوقاته فهو يحاوره أول ما ينهض من نومه طالبا من الله أن يديمه وهو موجود بوجوده وأن يستمر بموسيقاه لأنه علامة حياته ،وينصب أهتمامه بصوت الصرير أكثر من النشاطات الأخرى التي يمارسها يوميا، ذلك أنه حتى أثناء ممارسته لهذه النشاطات ينصرف ذهنه لهذا الصوت كما في أيعازه للباب ا لذي تتحرك ضلفتاه أن يناديه حين تتعب وينقطع صوتها كي تحيا معه من جديد ،ومخاطبته للباب أثناء ممارسته للألعاب الرياضية ليذكره صريره بها حين ينساها ، وأقترابه من الباب لمعرفة المصدر الصادر عنه الصوت وقد نسي تناول الفطورالذي تسبب بقرقرة معدته .
وجاءت الرقعة الممنوحة لصوت صرير الباب على الرغم ما فيه مبعث من مبعث أزعاج للانسان الاعتيادي نتيجة الفراغ الكبير الذي يملؤ حياته وهو يعيش وحيدا بعد أن ماتت زوجته ولم تنجب أطفالا وأحيل على التقاعد ،فوجد في هذا الصوت متنفسه الوحيد للتعبير عن همومه ومعاناته الغارقتين في كومة من الكوابيس التي تترآى له في الليل وهي كما يقول هو:(تلفني وتطوقني حتى أحسست أنني قد ذبت فيها وللحظات فقدت ذاتي وكأنني أنا الحلم وأنا النوم وأنا الغائب).
لتجربة العاني الطويلة في التأليف المسرحي وتصديه في هذا النص لحدث مستمد عن صلب واقع المجتمع ،وتجنبا لاغراقه في متاهات المباشرة والتقريرية فقد عمد الى أستخدام الرمز والحلم في بنائه الدرامي ،الحلم بطريقة لقاء الذين فقدهم (هو)،والرمز بالايحاء الى قابلية تأويل أبعاد الشخصيتين والحدث بالأضافة الى العناصر والمفردات الواردة فيه بمختلف الاتجاهات ،أبتداء من صوت صرير الباب مرورا بالدفاتر وأنتهاء بأثاث المطبخ القديمة.
أقول تجنبا لذلك فقد أستخدم العاني الحلم في بنائه الدرامي بطريقة لقاء الذين فقدهم هو ،أو الذين غابوا عن حياته لفترة طويلة من خلال زيارتهم له على هيئة طائر وليس في صورة أنسان ،ذلك أن بناء الفعل في الاول أكثر وقعا لما يتحلى به من تكوينات جمالية أقرب الى الخيال منه الى الواقع من جهة ومن جهة أخرى لتمتعه بمساحة أوسع للانتقال من فعل الى أخر قياسا ببنائه في صورة أنسان ،ومن دون أن يعلن عن هويته ، هوية الطائر ،مع أن المتلقي يفقه أن في حياة هو أمرأتان فقط هما زوجته الميتة وزميلته في الوظيفة هي تاركا الأختيار لمخيلة المتلقي من حيث زيارة الطائر لهو أن كان في المرة الأولى من قبل زوجته الميتة والثانية لصديقته في الدائرة ،أو لأفراد آخرين مقربين أليه.
الصورة الاولى : أنبعث شعاع من الضوء من خلال الشباك ،سمعت تغريد طائر لم أره أول مرة ،بعد قليل كان الطائر يحلق أمام الشباك كان طائرا جميلا يحرك جناحيه بقوة كأنه طائر نورس،كان أصغر وأجمل منه مزدانا بألوان خلابة كأنه من طيور الحب .
الصورة الثانية : أوشكت أن أنسى الطائرالجميل وفجأة شاهدت جناحيه يرفرفان بلا صوت كأنما ينثران علي نسمات حلوة . . شيئا فشيئا راح يقترب .
يتعرض هذا النص للفترة التي دون فيها وهي عام 1987 حيث كانت الحرب الدائرة بين العراق وايرا ن ما تزال قائمة ،ونظام صدام يبسط نفوذه
على رقاب الشعب كاما فاه زاجا شبابه في معركة لا رجعة منها.
ففي هذا الظرف العصيب والقاسي ولد هذا النص وأنجب شخصية هو كواحد من أبناء الشعب العراقي المغلوب على أمره ليرمز الى كل الافواه المكمومة في هذا البلد . فهو لم يختر بأرادته العزلة بدليل أنه يحاور أزعج الاصوات وهو صرير ضلفتي الباب وأنما أرغم عليها ويرى كوابيس بالذين فقدهم ويطلب من صديقته في الوظيفة في أول لقاء بها أن تتزوجه ،أذن ثمة ما هو مخفي وغير معلن في النص لأن ليس في وسع المؤلف في ظرف تفسر فيه كل كلمة بمختلف الاتجاهات أن يكشف عن كل الأدوات التي يمتلكها ، وألآ ما الذي يدفع بهو أن يعيش في عزلة وجو موحش وكئيب وحجب نور الشمس عنه (وقد أشرقت الشمس على كل ما في الدار عدا صاحبها ؟ ) .
يبدو لي أن هو أحد ضحايا الحرب العراقية الايرانية التي دمرت أسرته بالكامل ولم ينج منها ألا عداه ذلك أن المتلقي يعرف فقط أن زوجته ميتة ،أما كيف ماتت فهذا ما لا يعرفه كما يعرف أنها لم تنجب ، وكلا المعرفتين وفاة زوجته وعدم أنجابها يرد عليهما في جملة ( طار الطائر ولم نطر معه ) أي (مات الطائر ولم نمت معه ) وهذا الطائر لا ينحصر في زوجته وصديقته وأنما لربما يشمل أيضا أولاده بالترميز الى عدم أنجاب المرأة العراقية في أشارة الى فقدان أبنائها أو أبناء العراق في هذه الحرب .
( لم يكن الطائر نفسه كان يحمل وجوها كثيرة عرفتها أحببتها فارقت بعضها وجوها أخرى لا أعرفها فجأة غابت كل الوجوه وظل وجهي ) .
والجميل في هذا النص أذ بالرغم من أن (هو) هو نتاج الحرب ألآ أن المؤلف لايأتي على ذكر هذه الكلمة حتى بحرف واحد وهنا يكمن سر جماليته ودقة رسم حبكته الفنية وأختزال حدثه بأكتشاف المعنى المستور ما وراء الكلمات التي تأتي على لسان هو .
ويعبر منظر المسرحية المتكون من بيت قديم ومثله كل محتوياته من أدوات المطبخ وطاولة كتابة وكرسي وأريكة أكثر من أي شيء أخر في المسرحية
عن معاناة هو مختزلا أياها المؤلف في جملة ( لا حياة فيه ) ،ويرمز هذا البيت القديم الى البيت العراقي الذي كان حديثا وصار كذلك ،بالاشارة الى عودة العراق جراء هذه الحرب بعقود الى الوراء .
وشخصية (هي ) هي الاخرى تعيش لوحدها ولكن بملء أرادتها بالرغم من أن لها أبناء وبنات يسكن كل واحد منهم في مدينة تبعد عنها ساعات ، وجاءت لزيارة هو بعد أن تعطل الباص الذي يقلها الى وظيفتها في دائرة التقاعد حيث كان هو زميلا لها في نفس الدائرة.
وعطل الباص يقترن برجفة أيدي هي حين تتعب وشعورها بالوحشة ،أذ مثلما أصاب العطل بالباص كذلك فهي تحس بتقدم السن وبحاجة الى من يرعاها ويغدق العطف عليها فلم تجد أفضل من (هو) تتوفر فيه هذه الصفات ،سيما وأ نها كانت تحبه قبل أقترانه بزوجته الميتة وترك الباص ل (هي ) بعد أصلاح عطبه أيماءة الى أنتهاز الفرص قبل فواتها ،ما معناه كما هوبحاجة الى التغيير والتجدد كذلك فهي بحاجة الى نفس الشي ء.
ينزع العاني الى أستخدام أسلوب التقابل بين الشخصيتين وما هما بحاجة أليه وينقصهما بالأشتراك مع بعضهما الأخر وينفران منه في الوقت نفسه في بناء معمارية هذه المسرحية ، وذلك بهدف أيجاد مسوغات مقنعة للتقارب بينهما وبالتالي رسم بصيص من أمل لخروج هو من عزلته ، وتتمثل هذه الحاجة وهذا النقص في نسيان هو لتناول فطور الصباح ،أو كما يسميه ( البنزين ) مقابل نسيانها هي الألتحاق بالسيارة التي أصلح عطبها ، هو بسبب حالته غير الطبيعية وهي بسبب أفراطها الحديث مع هو: لا أنا اليوم في حالة غير طبيعية كيف نسيت تناول البنزين عفوا الفطور.
هي : لابد أن أذهب ربما تم تصليح الباص .
والحاجة الثانية بأشتراكهما في أرتشاف القهوة وممارسة طقوسها الرامزة الى التقارب وزيادة العلاقات الاجتماعية .
هو: لم أشرب قهوتي لنشربها سوية أتذكرين كنت تقرأين حظي ؟
هي : أقرأها بالمقلوب لكي أثيرك .
والثالثة في علاج صوت صرير الباب مقابل تغييرعاداته القديمة .
هي:( تخرج قطعة صغيرة من القماش تنقعها بالزيت وتبدأ بمسح أماكن الاحتكاك محركة ضلفتي الباب عدة مرات حتى يذوب ا لصوت نهائيا ) .
هو: ما هذا أين صوت الباب لم أستمع أليه حين حركته . .
والرابعة في تصوير هو هي بالطائر وتصويرها له بالعصفور.
هو: سمعت تغريد طائر لم أره أول الأمر.
هي:(تضحك)بشرفك أنت عصفور؟
والخامسة في أنجاب الاطفال مقابل عدم أنجابها.
هي : لم تنجبي الطفلة ولا الطفل.
والسادسة أقلاع كليهما عن التدخين بالأضافة الى رغبتهما بالعودة الى الوظيفة .
هي : تركت التدخين منذ ثلاث سنوات .
هو:أنا تركته أيضا قبل عام فقط .
هو: أذا عدت أنت الى العمل وعدت أنا الى العمل نذهب سوية ونعود سوية .

المصادر:
1-نظرية الدراما من ارسطو الى الان :تأليف الدكتور رشاد رشدي ص 23 في بداية السطور الاربعة الاخيرة الطبعة الاولى عام 2000
2-نفس المصدر السابق ص 19 السطر الثالث
3-نفس المصدر السابق ص 134 السطر التاسع .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *