مَريم لُطفي الآلوسيّ: النَّوارسُ المُهاجِرة- رحلةُ الموت (قصةٌ مأساويَّةٌ لأرواحٍ تبحثُ عن السَّلامِ) (4)

فتاة الجحيم
حوارٍوقيود

بالكادِ وصلوا الى داخل الخربة التي كانت تعلوهُا اكوام الركام ،وجدوا فراشا مهترئا فرموا بانفسهم عليهِ ،كان النبضُ مرتفعا جدا كانه قنبلة موقوته تكادُ تنفجر،اقدامهم اهترات بعد ان اكلت الارض احذيتهم،بدت القدم اكبر مماكانت عليه بكثير من شدة الورم..واخيرا استطاعوا اَن يَرموا حمل الاجساد الثقيلة على الارض ،كانت الخربة شديدة الظلام،لكنَّ زجاج النوافذ المكسور كان يُهرّب بصيصا وشفرات رفيعة من ضوءِ القمر المشوب بالظلمة..
وفي غمرةِ التعب وغلبة النعاس خرجَ لهم شبح من بين الانقاض،جعل الصغار يطلقونَ صرخة هزت اصداءها الركام..
للوهلة ِالاولى ظنَّ الجميع انهُ احد شياطين التنظيم قد لحقَ بهم ، فشحبت الوجوه الذابلة وتسارعت نبضات قلوبهم الواهنة، وكادَالرعب ان يقضي عليهم،اقترب الشبح منهم شيئا فشيئا، فيما تراجعَ الجميع الى الوراء، بالحقيقةِ كان الشبحُ فتاةً مراهقة ترتدي دشداشة رجالية مهلهلة، حافية القدمين وقد اُدميت قدماها الحافيتان بسبب المشي ،شعرها اشعث،وقد غطّت الكدمات وجهها الغض،وخطوط دامية تيبسَ الدم على طرفيها تبدواثارا لمخالب، وعلى زندها اثر لعضة كلب او ماشابه ، وقدا بدا الصديد والقيح عليها،وكأن الفتاة كانت خارجة للتو من الجحيم!!
وبحركة خاطفةاخرجت سكين مطبخ كانت تخقيهِ تحت ملابسها،وحاولت الهجوم عليهم
_من انتم!وماذا تريدون!ساقطعكم ارباً..اقسم بالله سافعلها ان لم تخرجوا حالاً
رجع الجميع الى الوراء فيما اختبأ الاطفال بين ثنيات ثوب الام كانهما فراخ صغيرة !!
-سلامٌ قولا من رب رحيم..من انتِ يااخت وماذا تفعلين هنا بحق السماء!قال لها الكردي بنبرة متهكمة
-انتم ماذا تفعلون هنا!ولما تلحقون بي!
– لانعرفك اصلا كي نلحق بك ،نحن فارون من المعارك ،منذ ايام نسير ،نحاول الوصول الى الحدود
-ساقتلك ان كنت تكذب،اقسم اني سافعلها
-اقسم بالله ،هذه هي الحقيقة،دعيني اشرح لك الامر
-عد ادراجك،خطوة اخرى وساغرز السكين في جسدك
-حسنا..حسنا،لن اتقدم،هوني عليك يااختاه
كان الخوف متمكنا منها الى درجة انه اعطاها دفعة من الشجاعة لحمل السكين واستخدامه ان تطلب الامر،فلم تكن تمزح ابدا،لانها باتت قاب قوسين او ادنى ،وليس ثمة ماتخسره..
استغرقَ الامر ساعة من الاقناع حتى اطمأنت الفتاة الهاربة من قلب الجحيم و بالكاد اقنعوها لكي تهدا وتترك السكين،ثم انهارت قواها وخرت على الارض وانتابتها نوبات بكاء هستيرية،حاولت رحيل بكلِ قواها ان تمتصَ رُعبها وحاولت تهداتها بكل طريقة،حتى اطمانت لها،وبدات رحيل تمرر يدها على شعرالفتاة الشبح لتشعرها بالطمانينة،حتى استكانت والقت براسها على كتفي رحيل التي بدت لها كامها التي فقدتها في الجحيم!
وبدات تروي حكايتها المرعبة عن حياتها في مدينتها الوادعة نينوى..
كانت تعيش مع اسرتها بامان في احدى القرى مع والديها ،اسمها فاديا وعمرها خمسة عشر عاما ،واختها آواز وعمرها اثنا عشر عاما واخوها الصغير دلير وعمره عشرة اعوام،كانوا يعيشون في قرية صغيرة اسمها” حردان” في قضاء سنجار”شنكال” بالكردية، اغلب سكانها من الايزيديين ،غرب الموصل،كانوا يمتلكون مزرعة صغيرة للكروم ، وكانت جميع العائلة تعتني بالمزرعة،وفي موسم القطاف كانت العائلة تبتهج لرؤيتها عناقيد العنب المتدلية وكان المحصول وفيرا يدر عليهم ارباحا تكفيهم للعيش من موسم القطاف الى بقية العام حيث يقيمون احتفالا صغيرا عند بيع المحصول ،وكانت سيارات الحمل تتهافت عليهم لشراء العنب الاحمر الناضج،كانت عائدة من المدرسة، وفي طريقها الى البيت كانت ترى بياض ازهار الياسمين يملا المروج بعطره المنعش ،فتجمع ماتستطيع جمعه لتعمل منه قلادة لاختها الصغيرة، وعلى غير عادتها رات وجوه غريبة في القرية الصغيرة،وحركة سيارات غير طبيعية،سيارات دفع رباعي تمر مسرعة مخلفة وراءها شطحات ترابية عاصفة اسقطت ازهار الياسمين ارضا،كما حقيبتها..
هرولت مسرعة ،فزعة الى البيت الذي بات بعيد جدا،دخلت واغلقت الباب،وبدات تتفقد اسرتها فردا فردا،حاول الاب طمانتها،وامتصاص رعبها..
وما ان حل المساء ،كانوا يتناولون طعام العشاء ويتابعون التلفاز ،عندما سمعوا اصوات كثيرة ومرور سريع خاطف لشاحنات وسيارات وضوضاء عارمة تشق هدوء الليل ،اطلاقات نارية واصوات عجلات وصراخ..
نظر الاب من الشباك ،فرآى الفزع في كل مكان،الرايات السود تعتلي البيوت والمباني والسيارات ، دبابات والات عسكرية،هرج ومرج،وكانت القرية واقفة على قدم واحدة،ملثمون يقتادون الناس ويطلقون عيارات نارية في الهواء وعلى المارة لاثارة الرعب وسيارات البيكب محملة بالرجال المعصوبي الاعين ،الجثث في كل مكان.
ذُهل الاب واصفرت الوجوه وتحشرجت الكلمات ،لقد ايقن الجميع ان القرية قد سقطت..
صرخ الاب قائلا تهيأوا سنهرب من الباب الخلفي ،هيا ..وفي تلك الاثناء طُرق الباب..
تنهدت ،اخذت نفسا عميقا كاد ان يخلع ضلوعها حسرة والما وزفرته بعمق اكبر وقالت..
تسمرنا في مكاننا ولم ننبس ببنت شفة،وزادت الطَرقات،ثم سمعنا صوتا ينادي:افتح الباب يارجل ،انا جاركم..
عرفنا الصوت فقد كان لجارنا وعلى الفور فتح ابي الباب،ثم تنهد وقال:حمدا لله ظننتك احدهم..فسال الى اين انتم ذاهبون !قال ابي :سنهرب،قال جارنا اذن تعالوا معي وانا ايضا ساهرب..وانطلقنا معه بسيارته الكية بطريقٍ زراعية وعرة واصوات الموت تلاحقنا ورياح الشر تقتحم اسماعنا بشكل مستفز يثير القرف،الجثث تفترش الطرقات،والحرائق تبدد وجه الليل وتمزقه، اطلاقات نارية وتنويرية تخرق السماء،سيارات مشتعلة واعمدة الدخان تتعالى تسمم الهواء وتزكم الانوف،هرج ومرج،نهب وسلب،خلّعت الابواب ،وكشف المستور!!
مشينا بذلك الطريق الوعر الملئ بالعثرات والانعطافات مدة ساعة تقريبا حتى وصلنا الشارع العام..فتنفسنا الصعداء فلطالما كان هذا الجار مخلصا ولطالما ساعده ابي وكثيرا ماكان يستضيفه في بيتنا ..
ثم وصلنا الى نقطة تفتيش فترجل الجار وقال: الزموا اماكنكم ولاتتحركوا ساعود حالا،ثم ذهب،و لكنه تاخر قليلا، كان يتكلم مع افراد النقطة،كنا ننتظره على احر من الجمر، وبعد ذلك جاء ومعه اربعة مسلحين،فتح احدهم الباب وكان يحمل مصباحا يدويا وقد اشرأب عنقه يتفحص وجوهنا الواحد تلو الاخرثم قال:حسنا ترجلوا من السيارة..تسمرنا في اماكنناوقد اختفت اصواتنا وانهارت قوانا،كنا نتبادل النظرات المحتظرة،نظر ابي نظرة المؤنب الى الجارالمخلص وقال:ماذا فعلت بحق السماء..ماذا فعلت بنا..ثم سحبه المسلح من ياقتهَ وصرخ بنا:هيا ,,انزلوا ايها الاوغاد..
وسحلونا من السيارة سحلا،وسط صراخنا وتشبثنا بالمقاعد،اخذوا والدايَّ واخي الصغير في سيارة وانا واختي في سيارة اخرى،توسلت بالجار الذي باعنا ان يبقيني مع اهلي،لكنه ردعليَّ..بانه منذ زمن كان يتمنى ان اكون زوجتهُ اما الان فساكون ملك يمينه!
-ماذا ستفعل بنا!اتذكر عندما كنت تزورنا واقدم لك الطعام ،وقد كنت اعتبرك اخٌا كبيرا وصديقا للعائلة..
-هه..كفاك هراءً..لستُ اخاك،لقد طلبتك للزواج وابوك رفضني لاني من طائفة اخرى،اما الان فستكونين ملك يميني ولن ادفع بك فلسا واحدا!
سار في طريق وعرة لعدة ساعات،لااعرف الى اين اخذنا،ولا اعرف اسم المنطقة حتى وصلنا الى مكان عارٍالامن بيت واحد،كان ذلك بيته البعيد عن الانظار!!
جرنا الى بيته كما تُجر الشياه مع سيل من الشتائم كلما تاخرنا او تعثرنا بالمشي..
توسلت به ان يتركنا وشاننا،نزلت على قدميهِ وتوسلتهُ لكنّه ركلني برجله كما يركل اي حيوان ،وبدا الدم يسيل من انفي،و لم يأبه لذلك وقال:لقد قضيَ الامر..
قضينا الليلة في بيته وكانت اسوء ليلة قضيتها في حياتي،اقترب مني وفض ظفيرتي وكان يمرر اصابعه بين خصلات شعري بكل القرف،ثم شدني من شعري بقوة وقال،لولا غباءك وعناد اباك لكنت الان زوجتي،لكن لايهم ستكونين امراتي وملك يميني، وقبل كل شئ ساطهرك من الرجس ايتها الكافرة ، واخذ يضحك ويقهقه بصوت عالٍ وهو يشرب الخمر من زجاجة كانت بيده مالبث ان قذفها على الحائط فتهشمت وتبعثرت الشظايا في كل مكان،ثم قال:سادعك هذه الليلة لتودعي اختك المسكينة هذه، وغدا سنحتفل بليلتنا،هاهاها..
حاولت اختي ان تقتل نفسها بعنق الزجاجة المكسور،وبالكاد منعتها ووعدتها ان اساعدها لنجد اهلنا ونعود ثانية الى قريتنا،حيث شنكال و مزارع الكروم ،وبيتنا الصغير ومدرستنا..
وفي الصباح جاء رجل عربي الجنسية اشعث الشعر قبيح الوجه له براطم تشبه براطم البعير ،حاجباه يبدوان كانهما شاربان،ورائحة العفن تفحُ منه..
كانا يتفقان معا اعطاه بعض النقود ثم بعد ذلك توجه الينا ،كنا نجلس في نهاية الغرفة تلتاذُ احدنا بالاخرى نلتحف بالخوف،سحب اختي كما تسحب الشاة،توسلت به ان يتركها وشانها ،قلت له انها صغيرة،لكنه دفعني بقوة اسقطتني ارضًا،واخذ اختي التي كانت تصرخ كالطير المذبوح ثم اغلق الباب بقوة ورحل..
بقيت وحدي اعاني من هذا الجار الذي انقلب بين ليلة وضحاها الى وحش آدمي اذاقني مر العذاب،لم يكن يملك من الرجولة الاذكورته!،انعدمت انسانيته وتحول الى ذئب بشري يتلذذ بتعذيبي ،بل ان شغله الشاغل بات اذلالي وتعذيبي،لم يكن يهمه شئ سوى الانتقام مني لان ابي رفضه!!
كان الاسبوع الاول صعبا للغاية فاول شئ فعله انه حلق شعري الطويل، كان ياخذ الخصل بكل وحشية ويقطعها بالسكين ،كنت ارى خصلات الشعر وهي تذبح بكل وحشية امام ناظريّ واتالم وابكي دونما رحمة، ثم ربط يداي بحبل الى المروحة وكان يجلدني بلا رحمة حتى الاغماء لاني كنت دائمة الصراخ،لم اعد اشعر بيديّ،لم افرق بين النوم والاغماء،الايام كلها متشابهة واسوء من بعضها،بعدها قررت ان امتص المي واعظ لساني من الالم،حتى اطمئن وارتاح من صراخي ،ففك وثاقي،ثم احضر دجاجة وذبحها امامي،وكان الدم يتنافر منها على وجهي ،كنت اغطي عيوني كي لارى ذلك المنظر المقرف،فيسحب يدي بقوة ويقول..سيكون مصيرك مثل هذه الدجاجة ان حاولت الهرب.
قضيت عاما كاملا بهذا العذاب،كانت الايام اكثر قسوة منه لانها كانت طويلة،والاحساس بالوقت معدوم ،وكان يقضي اليوم بشرب الخمر ثم يصب علي جام غضبه عند المساء،لم اكن اقوى على قرفه ووحشيته،كان يضربني بكل مااوتي من قوة ،حتى يغمى عليّ،وعندما استفيق اجد الدماء تسيل من كل جزء بجسدي واثار الحروق جراء اطفاء سجائره تلهب جسدي ،وفي احدى المرات ركلني مماادى الى اجهاضي،واحمد الله اني لم انجب وغدا ابن وغد..
حاولت مرارا الفرار وفي احدى المرات مسكني واعادني ،وقد جلب جلادة مختصة بتعذيب النساء تسمى”العضاضة ،احضرها لتقيم عليّ الحد لاني عصيته وخرجت عن طاعتهّ!!
كانت قاسية الى حد اللعنة والكل يخافها ،لااحد يخالفهاـ،فهي المسؤولة عن تثقيف النسوة! واعادتهن الى جادة الصواب !! وفي احدى المرات جلدتني اولا ثم وضعت فكا حديديا وقضمت قطعة من زندي وهاهو اثرها باق لحد الان وكنت اصرخ بكل مااوتيت من قوة لكن عبثا فصراخي يستفزهم ويغضبهم اكثر،وقد وكان يعاملني باسوء معاملة ممكن ان يتخيلها البشر،ومارس ضدي كل انواع التعذيب النفسي والجسدي،لقد كرهت كل شئ ،كرهت جسد الانثى الذي يباع ويشترى ،كرهت الانسان الذي مُسخ،والوطن الذي لم يحمني..
وَقبلَ اسبوع نسيَ المفتاح بالباب وكانَ مخمورغاطا في نومٍ عميق،فاخذتُ دشداشته وشماغا وسكينا من المطبخ لاني قد وضعتُ احتمال ان يمسكني ثانية،فقررت ان اقتلَ نفسي في حال مسكني، وتنكرت وتسللت واستطعت الهرب ،فقد كنت اركض الليل بطوله اتلفت يمينا ويسارا والكلابُ تنبحُ من كلِ اتجاه !،فقدت حتى الاحساس بالخوف،بل اني فقدت كل شئ!كنت عازمة على الموت وهذا ماسهل الامر عليّ كثيرا، حتى وصلت الى هذه الخربة..
كانت تتكلم وتنتابها نوبات هيستيرية من البكاء وكانت رحيل تُهدأ من روعها،وضعت رأسها على كتف رحيل وبدات تشهقُ من شدة البكاء،كان الظلم يترآى لهم على انه شبحا اسود من الصعب ان يُقتل..اخرجت لها رغيفا من الخبز ثم سدّت الكيس باحكام فهذا كان طعام الصغار الذي احضروه معهم،انقضت فاديا على الرغيف والتهمته بثوان،كانت عيناها تدوران يمينا ويسارا،وهم يرمقون هذا الجوع الكافر وذلك الالم المقرف الذي يمزق البطون ويذل الانسان..
وبعدَ ان اكملت طعامها الدسم اعطتها رحيل ثوباً وخمارا من ملابسها،وقالت لها:البسي هذي الثياب ودعكِ من هذهِ الخرق البالية ولتأتِ معنا فاننا سنذهب الى المخيمات..
كانت اصواتهم تتردد في الخربةِ المكتظةِ بالارواحِ المسكونة،اوربما كانت هناك جثث تتنفس الموت تحت الانقاض وقد غطّاها الركام فرائحة الجيّف تملأ المكان والقطط الوحشية تحاول الانقضاض والتقام ماتستطيع التقامهِ،واصوات القصف تهز الخربة وتضعضع مابقي من جدران آيلة للسقوط،وصرير باب تلعب بمقدراته العواصف يثير الرعب كل دقيقة..
باتوا ليلتهم هناك ومع خيوط الفجر استانفوا المسير،كانوا يحتمون بأي شئ من هول القصف،كانت السماء بين الحين والحين تمطر قنابلها على مخلوقات الله فتتطاير الاشلاء وتخر بقاياها كانها قش يطير في الهواء..

كانت قوَّات التحالف تُشعلُ الأرض والسماء بوابل من الصواريخ، تستهدف به أهدافا للتنظيم، وفي حال أخفقت فإنَّ المدنيِّين العُزَّل من يدفع ثمن هذه الاخفاقات، وتكون حينها نيران صديقة!
و كان المدنيُّون العُزَّل يختبؤون بجنب البنايات عندما يشتدُّ القصف وهم في طريقهم إلى حدود برِّ الأمان، أمَّا إذا سقطت البناية التي يحتمون بها فإلى رحمة الله.. بقي الكرديُّ وعائلته ومعهم الفتاة يسيرون لايام يرتاحون قليلا ثم يستانفون المسير لم يذقوقوا خلالها طعاما أو نوما هنيئا منذ فرارهم وكان يامل الوصول الى المخيمات باي ثمن ليامن على الاقل على عائلته..

فرَّ أكثر سكَّان القرية باتجاه مدينة القامشلي الحدوديَّة، التي تبعد حَوالي مئتي كيلومتر عن كوباني، فرَّ الناس بأرواحهم، ولم يجلبوا معهم غير البرغل – وهو حنطة مُعدّة للطبخ – وكان الكرديُّ أبو راغب وأسرته من ضمن الفارِّين وكانت معهم فاديا،التي كانت تحلم بالعودة الى شنكال.. كان يجب عليهم أن يمشوا في طرق وعرة بعيدة عن أنظار القوَّات المتحاربة، فكانوا يسلكون الطرق الريفيَّة، يرتاحون قليلا ثُمَّ يواصلون السير، وهكذا على مدى أيام، تعبَ الأطفال كثيرا من هذه الرحلة الشاقَّة، فكان الأب والأمُّ يتناوبان على حملهما، بعض العوائل اختارت البقاء في القرى الصغيرة، وبعضها استمرَّ بالمسير حتَّى وصلوا الحدود، حيث سكنوا بمخيَّمات عارية لإيواء الفارِّين، وإنَّ لحديث المخيَّمات شجون وشجون، فقد تُرك الناس في العراء، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء..

مخيمات..مخيمات
لاماوى ولاخدمات
(يوم يفر المرء من صاحبته وبنيه)
وصلوا المخيم وقد خضعوا للتفتيش ثم حصلوا بالكاد على خيمة واحدة،تركها الكردي لزوجته وفاديا واطفاله فيما خرج هو يتجول في المخيم..ملابس منشورة هنا وهناك،طابور طويل يحمل قنانٍ ودلاء لملأ المياه،وطابور اخر ينتظر دوره لدورة المياه،واخيرا وصلت سيارة بيك اب تحمل اكياسا من الخبزوقد تكالب عليها النازحون وبدا الصراخ والتدافع ففرغت بثوان..الشاطر طبعا من ياخذ دور غيره والا يفوته الزاد!
القى السلام على رجلٍ كان جالس بباب الخيمة
-السلام عليكم
-وعليك السلام
-كيف الاحوال
– اييييييه ،نحمد الله على كل شئ،نحن بخير مادمنا بعيدين عن الشياطين
-ماذاتقصد!
لقد فررنا من الغربان السود الذين جردونا من كل شئ، لااعادها الله تلك الايام العصيبة..وجدنا انفسنا بين ليلة وضحاها بين ايديهم،لابارك الله فيهم ،كنت مضطرا لان اطلق لحيتي واقصر دشداشتي لكي اكون مواطن صالحا،وقد عملت معهم كسائق، لم اكن امتلك اي قرار، فاما ان تسايرهم وتكون معهم اوتكون ضدهم ويكون مصيرك الموت ،كلفني ذلك الكثير من الرعب وقلة القيمة، حتى اطمانوا لي وعملوا لي هوية اتنقل بها بين الضيعات !
كان العمل معهم مقرفا الى حد اللعنة،رؤية الدم والتعذيب والموت شعار حياتهم ومن يعمل او يتعامل معهم يدرك هذه الحقيقة المقرفة،محاكمهم الغير شرعية تنصب كل صباح،لتطلق احكامها الكافرة على خلق الله،الدماء التي يفجرها السيف الكافر،الجثث المعلقة المتدلية على اعمدة الكهرباء،الاب يقتل ابنه والابن يقتل اباه تحت التهديد،تكفير..تكفير،السبايا العاريات وذلك المنظر المخجل الذي يندى له الجبين وهن يطفقن ايديهن ليسترن عوراتهن، يلتذن احداهن بالاخرى والسياط تمزق تلك الاجساد الغضة البريئة وسط قهقهات العهر والمجون،اسواق النخاسة والنجاسة لفتيات بعمر الورد فقدن كل شئ الوطن،البيت،الاهل،الادمية،فقدن كل شئ!
كنت اغض الطرف عن تلك الجرائم البشعة،وبالحقيقة انا اتمزق في اعماقي غير اني كنت عاجز عن القيام باي شئ وذلك ماكان يحزنني ويجعلني اشعر بالنقص والقرف من نفسي،وكنت اشعر بالانزعاج من هذه اللحية الكثة التي تتطلب مني الحك كل دقيقة،او ربما كانت مخيما لايواء مخلوقات اخرى!
-يالهي لقد عانيتم كثيرا،،وكيف تمكنت من الهرب
-افتعلت كذبة ان زوجتي مريضة واريد اخذها الى المشفى ثم استطعت الخلاص انا وزوجتي وطفلتي الصغيرة حتى اجتزنا جميع السيطرات وهكذا نفذت منهم..
-كان الله في عونك،هل تعني ان الخيمة هنا افضل حالاّ!
-هذا الذي تراه النعيم بعينه مقارنة بماكنا نعيشه من جحيم..
اطبق الحزن على الكردي وقال في نفسه:ياالهي ماذا لو وقعنا بيدهم..ياالهي لااريد ان افكر حتى بالامر..
ثم تابع الرجل حديثه..ورغم ان المخيمات ارحم من الشياطين لكن كما ترى ففي الشتاء النازحون يغوصون في غمرات البرد والصقيع ،ذلك البرد الذي يتخلل العظام ويخدر اليدين والقدمين،حتى يقتل الشعور بهما..الاقدام تتحنى بالوحل وارض الخيمة عبارة عن وحل رائب..اما في الصيف فكما ترى مصارين منصهرة حد الاسهال،اغماء من الحر يحسبه المرء نعاسا يودي به الى عالم اخر..
انتاب الكردي شعور مقرف والم في بطنه، احس بقشعريرة،وان راسه يلف،وتسارعت نبضات قلبه،وهو يرى امراة مسنة حافية القدمين تتكا على عصا بيدها بطل ماء فارغ،رجالا يلهثون من التعب والحر يحملون دلاء الماء على اكتافهم ،اطفال يخدعون انفسهم بالجري واللعب لقتل الوقت..خياما متراصفة كانهااكفان في مقبرة..
اصوات مختنقة عاجزة عن البوح،خيام من كل الاطياف والمتضادات زفرتهم مدنهم وجمعتهم المخيمات..
وفي تلك الاثناء شموا رائحة وصراخٍ اتٍ من اخر المخيم،ركضوا الى المكان فوجدوا ان احدى الخيام قد احترقت ،فزع الجميع لاطفاءها بحصص الماء التي استلموها للتو،حاولوا اخمادها بشتى الطرق،بالتراب بالبطانيات،كان الصراخ والتاوه يجعلان المرء يصاب بالجنون ، والجميع يدور حول الخيمة المحترقة بمحاولة لاخماد الحريق،وانقاذ من فيها لكن دون جدوى،فقد التهمت السنة اللهب كل شئ وماهي الا دقائق حتى خمدت الاصوات، بعد ان تفحم كل شئ وتفحمت معه الاسرة ذات الافراد الخمسة.

ضوء في اخر النفق

كان جالس قرب الخيمة بيده عودٌ صغيرٌ يرسمُ به على الأرض خرابيش، ينفِّس عمَّا في نفسه من براكين خامدة تنتظر الثوران! ألقى أحدهم عليه السلام.
– كيف حالك هفال وحيد؟
رفع رأسه مستغربا، من الذي سيعرفه وسط هذه الحشود وبكلِّ هذا التهذيب، بقي يحدِّق بمعالمه، تذكَّره إنَّه من أهل القرية، كان معه في المدرسة.
– أهلا بك، كيف حالك؟
– أنا بخير وأنت؟ ماذا تفعل هنا!؟
– هه، كما ترى استجم تحت الشمس أنا وأطفالي، كلُّ ما استطعت أن أحضرَه معي هي تلك الكرة التي يلعب بها الصغار.
قال له همسا: أستطيع مساعدتك للذهاب إلى تركيا.
وثب من أرضه وقال: أحقًّا تستطيع؟!
– هش، على رسلك يا أخي تكلَّم بهدوء.. نعم أستطيع مساعدتك إنْ كان معك المال!
– كيف؟ أخبرني.
– سأرتِّب لك أوراقًا وجوازَ سفرٍ تستطيع الخروج به أنتَ وعائلتك.
-وكيف لي ان اثق بك،اقصد ماهو الضمان
-لاعليك سنتفق على صيغة،ولن استلم المال منك حتى تستلم اوراقك
وافق أبو راغب فورا وكان قد جمع مالا لمثل هذه المناسبات التي تمرُّ على المرء دون استئذان ،كان شديد الحرص على المال الذي وضعه في صرة وحفظته زوجته في ملابسها فهو كل مايملك من حطام الدنيا. وما هي إلَّا يومان واكتملت الأوراق، فالمال له سحر خاصٌّ يصنع المعجزات..
بقيت فاديا في المخيم بعد ان تعرفت على بعض العوائل الموصلية ومن ضمنها جارة كانت تسكن في نفس القرية،كانت تتبادل معها الذكريات والمعلومات علها تصل الى خيط يوصلها باهلها،لم يكن سهلا عليها ترك شنكال وبيتها واهلها،ولم يكن بحسبانها ان تكون سبية يوما ما،كان حلم العودة الى قريتها هوكل ماتريد،لذا قررت البقاء والانتظار في المخيم ..

القامشلي
تلك حدود الله..
تقع هذه المدينة السورية في جهة الشمال الشرقي على الحدود مع تركيا وعلى مقربة من جبال طوروس وهي ارض زراعية خصبة،ويفصل بين مدينتي القامشلي ونصيبين التركية الخط الحدودي السوري-التركي.
وصل الكرديُّ إلى مدينة القامشلي الحدوديَّة، وفي حالات الحروب تستطيع أنْ تجدَ بدائل كثيرة وخدمات غير مجانيَّة، كهُويَّة عبور أو جواز سفر مضروب، أو غير مضروب، وكأوراق ثبوتيَّة سليمة، أو تعاني من ضربة شمس، المهمُّ دائما تجدُ هذه الأمور البديلة في مناطق النزاعات والصرعات.
حصل الكرديُّ على تأشيرة دخول للأراضي التركيَّة، أخذ عائلته وتوجَّه إلى مطار القامشلي، وبعد الانتظار وصل إلى الشخص المطلوب الذي سيقوم بتأشير الجواز، قال له همسًا:
– إنَّ …. يلقي عليك السلام.
رفع الموظَّف رأسه للاستكشاف، نظر إليه، رفع حاجبا وأبقى الآخر وقال بصوت واطئ:
– أها، أنتَ من طرف الـ…، حسنًا أعطني الجوازات، ثُمَّ اقترب من أذنه وقال:
– ضعْ لي وسط الجواز شيئا لزوم التدخين ها.
ثُمَّ رفع صوته وقطب حاجباه وقال: كلٌّ يقف بالدور، لا أريد فوضى هنا أسمعتم؟! فهم الأمر ووضع له مبلغا من المال لزوم التدخين، ففي هذه الظروف كلُّ واحد يدخِّن بحسب طريقته الخاصَّة من جيب الآخر!
– تكرم عينك، هذه الجوازات جاهزة، في أمان الله.. تصلون بالسلامة.
واستطاع أن يطير من مطار القامشلي إلى مطار اسطنبول برحلة عَدَّهَا ضربًا من الجنون،لم يكن يصدق ان الامور جرت على مايرام،وانه اخيرا سينعم بالامان الذي حرموا منه مع عائلته وقد كان محظوظا بوصوله؛ لأنَّ بقية العائلات بقيت على الحدود تنتظر رحمة الله في ما يسمَّى بمخيَّمات إيواء اللاجئين.

أعوذُ بالله

عندما يتقمَّص الظلم وجه الإنسان
ويلبس ملابسه
ويستعمل عباراته ويتصرَّف تصرُّفاته
ويحيل الإنسان إلى شيطان يعبث بكلِّ ما هو مقدَّس..

مرَّت الأيام والصديقان الجاران يلتقيان كلَّ يوم بحثًا عن سبيلٍ يوصلهما إلى برِّ الأمان، كانا يجلسان في المقهى القريب، يتبادلان الحديث، جاء أحدُ الأصدقاء القدامى وألقى عليهما السلام.
– السلام عليكم.
– وعليكم السلام، أجابا بصوتٍ واحدٍ، ثُمَّ نظر أبو نورس نظرةً فاحصة إلى هذا الرجل الأنيق فتذكَّره، إنَّه صديقه القديم أبو سامر.
– أين أنتَ يا رجل؟! منذُ زمنٍ بعيدٍ لم أركَ، وقد انقطعت أخبارك.
– ههه، هذا صحيح لقد هاجرت إلى ألمانيا أنا وعائلتي.
– حقًّا؟! ظننتك انتقلت إلى إحدى المحافظات.. كيف استطعت الوصول هناك؟!
– حسنًا إنَّها قصَّة طويلة، لقد سمعت من أحد أقربائي أنَّ هناك طريقًا من تركيا إلى اليونان في البحر، ومن هناك تستطيع الوصول إلى أيِّ دولة أوربيَّة، كانت الرحلة طويلة وشاقَّة، وفيها مخاطر كثيرة، لكنَّ الأمر يستحقُّ العناء، فقد عانينا كثيرا عندما كنَّا هنا في بغداد، واصدقك القول ان الموضوع ليس سهلا ابدا،فقد عانيت الكثير انا وعائلتي في تركيا وصولا الى المهربين وتلك الرحلة المحفوفةبالمخاطر،لكن الله سترها معنا،وقد أمّنت على حياتي وحياة أولادي عندما وصلت ألمانيا فقط، لقد حصلت على لجوء أنا وعائلتي، ونحن الآن نسكن في بيت، ولدينا مساعدات، وأنا وزوجتي تعلّمنا اللغة، والآن لدينا عمل محترم، وأولادي دخلوا المدرسة، واستطعت أن أشتري سيَّارة صغيرة والحمد لله. نحن الآن ننعم بالأمان، وقد جئت منذ أسبوع لزيارة أهلي وسأبقى هنا أسبوعين آخرين..
– حقًّا؟! حمدًا لله على سلامتك، لقد افتقدتك يا رجل، اه نسيت أن أعرِّفك على جاري أبي سرمد.
– تشرَّفت بمعرفتك.
– ولي الشرفُ أيضًا.
– لقد خُطف ابنه واستطاع استرداده بأعجوبة من الخاطفين بعد أن دفع لهم مبلغا كبيرا من المال.
– يا إلهي! أنا آسف لأجلك، حمدًا لله على سلامة الصغير، لكنَّك محظوظ فالخاطفون دائما يأخذون المال ثُمَّ يقتلون الرهينة.
– هذا صحيح، لقد كان الله في عوننا.
– إنَّ هذا الحال يدعو للأسف حقًّا، لم تَعُدْ الحياة تطاق في العاصمة بسبب هؤلاء الإرهابيِّين، وماذا تنوي أن تفعل؟
– أنوي الهجرة، فلم يَعد لي شيئًا هنا
– لِمَ لا تتَّجهون إلى تركيا وتسلكون الطريق نفسه؟
– فكرة معقولة، سنفكر في الامر،قد نطلب مساعدتك، شكرا لك.
وفعلا بدتْ الفكرة معقولة جدًّا، وبدأ الصديقان بإجراءات الجوازات؛ لأنَّها ليست بالأمر الهيِّن، فهذا الأمر يتطلَّب وقتا؛ لكثرة المسافرين والمهاجرين.
أقنع أبو نورس زوجته بالأمر الذي بات حتميًّا، وبدأ أبو سرمد ببيع أثاث بيته كحال كلِّ العراقيِّين الذين ينوون الهجرة.. اتَّصل أبو سرمد بسائق الشاحنة وطلب منه المساعدة لينقل بعض الأشياء، وكان أيضًا قد هيَّأ له بعض الحاجيَّات ليأخذها إلى بيته.
وفي اليوم التالي مرَّ أبو نورس على جاره ليسأله عن جوازات السفر، إنْ كان قد أكمل الإجراءات، وبينما كانا يتبادلان الأحاديث توقَّفت سيَّارة حمل حديثة، وترجَّل منها شخصان، أحدهما السائق سعيد، والآخر ابن عمِّه واسمه صالح، ألقيا التحيَّة.
– السلام عليكم.. هذا ابن عمِّي صالح، لقد جئنا لنساعدك بنقل الأثاث.
– وعليكم السلام، وهذا جاري أبو نورس.
مدَّ السائق يدَه وصافح أبا سرمد وأبا نورس، ثُمَّ مدَّ ابن عمِّه صالح يدَه فصافح أبا نورس ثُمَّ أبا سرمد، وفي هذه الأثناء خرج سرمد وبيده صينيَّة فيها كوبان من الشاي، فقد تعوَّد الصديقان على شرب الشاي في الحديقة التي قرب المنزل، وما إنْ وقعت أنظار الصغير على يدِ صالح وهو يصافح أباه حتَّى بدأ يرتجف ويتلعثم ويتفوَّه بكلمات غير مفهومة! كان يرتعش إلى حدِّ أنَّ الصينيَّة سقطت من يديه، عرفه فورا من المحبس الذي كان يرتديه في إِصبَعه الصغير، كان يضع لثاما لكنَّه نسي أن يخلع المحبس.
إنَّه أحد الخاطفين.. بدا وجه الطفل شاحبا من الخوف، ثم ما لبثت بيجامته أن تبلَّلت وبدأ البول بالجريان كأنَّه صنبور وانفتح، انتبه أبو سرمد، احتضن الصغير محاولًا تهدأته، لكنَّ الارتباك بدا واضحا على الاثنين، حاولا تدارك الأمر بابتسامة لكن عبثا فقد كُشف الأمر.
بدآ بالتراجع إلى الوراء في محاولة منهما للهرب، لكنَّ أبا نورس أمسك بسعيد، بينما أمسك أبو سرمد بصالح، حاولا الإفلات عبثًا، دارت بين الجميع لكمات حامية وتمرُّغٌ في التراب كانت نتيجته أن تلقّى أبو نورس لكمة على فمه جعلته ينزف، أمَّا أبو سرمد فتلقَّى ضربةً من سكين صغير كان يحمله صالح للطوارئ، تجمَّع الجيران والمارَّة وثبَّتوا الخاطفينِ إلى أن وصلت دوريَّة الشرطة.
وصلت الدوريَّة، وقبضتْ على الخاطِفَينِ، اللذين كانا ضمن عصابة لخطف الأطفال والمساومة عليهم، لكن يبدو أنَّ سعيدًا قد أثمرت فيه العشرة لذلك لم يقتلْ الصغير واكتفى بخطفه والمساومة عليه، والمساعدة ببيع الشاحنة لأحد أفراد العصابة، والاتصال يوميًّا ليتأكَّد أنَّ الرجل سيدفع الفدية، يبدو أنَّه خاطف شريف! وبدأت الأمور الآن تتضح بنحوٍ جليٍّ لأبي سرمد، وتذكَّر كيف كان يلحُّ عليه ليعرفَ إن كان سيدفع الفدية أو لا!
انهال عليه أبو سرمد بسيل من الشتائم، وقد كان ينزف من كتفه فهذا جزاء المعروف في غير أهله.
– يا لكَ من وغد حقير، منذ سنوات وأنا أرعاك وأغدق عليك، أهذا جزائي يا ابن الحرام! هل كنت تعتقد أنَّكَ ستنجو بفعلتك هذه! ألا تخاف الله! ها ألا تخاف الله أيُّها الحثالة!
كانت حالته يرثى لها وهو يلهثُ وينزف، وأبو نورس كذلك، أمَّا أمّ سرمد؛ فقد كانت تحتضن ابنها وتقول حسبي الله ونِعم الوكيل على كلِّ ظالم خائن للزاد.
سبحان الله ليست هناك جريمة كاملة، فمهما كان المجرم ذكيًّا لا بدَّ أن يترك أثرا، إنَّها عدالة السماء.. فلو خلع المجرم محبسه ما تعرَّف عليه أحد، لكنَّ لله عدالة وشأن آخر لا يعرفه بنو البشر.
وكذلك قبضوا على بقيَّة أفراد العصابة ونُقل أبو سرمد وأبو نورس إلى المشفى وانتهى يوما مأساويًّا آخرًا..
خرج أبو سرمد من المشفى وأكمل إجراءات السفر، وأخذ عائلته وتوجَّه إلى الأَردن حيث يعيش أخوه منذ سنوات هناك.. وبعد أسابيع بدأ أبو نورس ببيع أثاث بيته عن طريق المعارف والجيران.. تركوا المكان الذي عاشوا فيه سنوات واعتادوا على تفاصيله، جدرانه، زواياه، في كلِّ زاوية كان لهم ذكرى، وعلى الرغم من صغر البيت لكنَّه كان عشَّهم الذي يأويهم، وكلُّ قطعة كانت تباع كأنَّها قطعة تجتث منهم..
كانت أمُّ نورس تنظر بحسرةٍ وألمٍ إلى حاجيَّاتها وأثاثها الذي جمعته في سنوات زواجها وهي تُحمل إلى لا عودة، كانت تتجوَّل في غرف البيت الخاوية من كلِّ شيءٍ إلَّا من الذكريات التي قاسمتهم حلوَ الحياة ومرَّها..
كانت ترى جري الأطفال وضحكاتهم في كلِّ مكان وكلِّ جدار، صعدت إلى الطابق العُلويّ دخلت الغرفة الصغيرة، نظرت إلى الشرفة وقعت أنظارها على شجرة الصفصاف، تذكَّرت ذلك الغراب العجوز، انقبض قلبها، انتفضت كما تنتفض الأشجار وأوراقها في الخريف، أصابها الذعر، بدت لها الحياة خالية خاوية كأنَّها عاصفة تدفعها الريح بكلِّ اتجاه، كأنَّها علبة فارغة تتدحرج بلا توقف من دون إرادة، ثُمَّ استفاقت على صوت نورس يناديها بأنَّهم ينتظرونها في السيَّارة..
نظرت إلى المكان نظرة أخيرة، تاركة غصَّة وعَبْرة وشعورًا مؤلمًا بالفراق، وأشلاء متناثرة من الذكريات تركت هنا وهناك تتخبط بين الجدران.. ذهبوا إلى بيت العمَّة، حيث كان الأقارب متجمّعين هناك وقد أقاموا لهم وليمة كبيرة..
كانت عبارات الوداع تتقطَّع على الشفاه، والدموع تنهال وتتسابق مع العبارات معبِّرة عن الافتقاد الذي سيعتريها، تلفح الوجوه تاركة بصمة وداعها الأخير، كان هنالك شيء ما ينطبع على تلك الوجوه وهو الاحساس بأنَّهم لن يروهم ثانية، كانوا يعانقونهم بحرارة المفارق إلى المجهول، ويتبادلون أقسى عبارات الحنين، فيما كان الأب يطمئنهم بأنَّهم سيكونون بخيرٍ، وأنَّ المستقبل سيكون أفضل لهم ولأولادهم.

شاهد أيضاً

رحلة طائر الكاتبة
خلود الشاوي

ذاتَ يومٍ خرجَ طائرٌ عن سربِهِ لأنه كان منزعجا من قوانينِهِ الصارمةِ ،راحَ يُرفرفُ مسرورا …

لوحة ذالك الفلاح الذي اختار التحليق
محمد محجوبي / الجزائر

بين السمرة التي رسمت ملامح الفصول وبين وهج الطين الذي حفظ أنفاس الرجل تشابهت أوراق …

في ذكرى وفاة ميّ زيادة
كم مثلك يا ميّ من تخشى أن تبوح بأسرار قلبها
فراس حج محمد/ فلسطين

{الكلمة التي لا تموت تختبئ في قلوبنا، وكلما حاولنا أن نلفظها تبدلت أصواتنا، كأن الهواء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *