فرج ياسين : النقطة

أرادَ الصبي حارث همام من الصف الثالث (ب) في مدرسة الازدهار الابتدائيّة للبنين أن يعبر الشارع، ذاهباً الى مدرسته القريبة. نحن الآن في الساعة السابعة وتسع وخمسين دقيقة، وكان حارث يحتفظ في حقيبته بكتب ودفاتر القراءة والرياضيات والعلوم والإسلامّية، مع كيس صغير مُنتفخ بشطيرة البطاطا المقليّة.
دأبت أمّه على الإلحاف في تعليمه أصول عبور الشوارع، قائلة له: تلفّت في كل الاتجاهات قبل العبور، وإياك أن تعبر على نحو منحرف. وفي إحدى المرّات أحضرَ أبوه ورقةً وقلماً، ورسم شارعاً، ووضع نقطتين متقابلتين على الشارع ثم قال: صِل بخطواتك الحذرة بين هاتين النقطتين، وإياك أن تخطئ النقطة المقابلة!
كان حارث همّام صبيّاً ذكيّاً يجمع الأهل والأقارب على أنه أفضل صبي أنجبته العائلة، منذ رحيل جدّه الثالث الذي أسّس تجارة ناجحة وشيّد مسجداً صغيراً للحي قبل ستين عاماً. وكان أحد أعمامه الكبار يقول أنه ربما سيصبح مثل نجيب محفوظ أو السيّاب، لأنه ما يفتأ ينجذب إلى الكتب والمجلات والصحف التي يتوافر وجودها في بيت الأسرة على مدار اليوم.
في لحظة العبور تلك، لم ينسَ الصبي حارث همّام نصائح أمّه أو أبيه ولم يتخلَّ عن استحضار ملاحظات العائلة التي رضعها رشفةً رشفةً، قال: هيّا… وغادرت قدمه اليمنى عتبة الرصيف، ثم هوَت وئيداً إلى حافة الشارع الإسفلتية، وهو يعاين النقطة المفترضة على الجانب الآخر من الشارع..
ومنذ تلك اللحظة لم يعد له اسم في قائمة تلاميذ الصف الثالث (ب) في مدرسة الازدهار الابتدائية للبنين

شاهد أيضاً

محمد الكريم: ما تجلّى في العتمة (4/القسم الأخير)

سر أبوح لكم سرا، إنني أحببت ولا احد يعرف من هي حبيبتي، سوى القلم، هو …

تحسين كرمياني: الذبيحة

عبد كعيد.. تعرفه بلدة جلبلاء، إنسان بائس، خارج نطاق الواقع والخدمة. الآن.. يقبع في سجن …

محمد الكريم: ما تجلّى في العتمة (4)

متسول تحت المطر السماء تسكب دموعها التي اكتسبت لون الشفق الذي راح يلوّن المدينة.. هطل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *