شوقي كريم حسن: جابر محمد جابر..انتقالات خصبة!!

*في خياراتك الادبية، التي اتخذتها وسيلة لاطفاء لهب الاحتجاجات ومد الاحلام بأنساغ تجعل منها المراتع الاسلم والاجمل معاً، صعب ان تنتقل من فكرة تعبير ترتبط بها لزمن طويل، وتعيش معك اينما اردت الاتجاه، الى اشتغالية ماكرة شديدة الشد، والانهمار على بياض، قد يتعثر عند منتصف الدرب، فكيف اذا كان الامر مع الجمع بينهما بعناد، ودراية معرفية، بعد سبر اغوارهما معاًْ ، مع قلة اهتمام بالوصول الى الغاية والمقصد، وعجلة في ملاحقة الوقت الذي يشعره ينسرب من بين يديه مثل حفنة ماء مشتهاة، تلك كانت مجازفة جابر محمد جابر، التي وضع اول شروطها القاسية، ونفذها بصبر ولد خبرته الدنيا عند مشارف الاهوار ، وغسلته برياح الهدوء وارتياد حناجر الليل، عند غناءات ميسان، كان يرفل عند عمق الشطآن، حتى وأن كانت شطأنه، وشخوصه المرافقة من وهم، او هي مزيج من وجه انثى مر بها عابرة عند حلق السوق، واخرى مسروقة من لب الحكايات، لم يك جابر يخلق اميرات بقصور باذخة، يأخذنه الى الاحضان بترف ملمس وضحك غنج وانسياب صوت لا ينطق به سوى ملاك لم يستطع جابر تصور شكله، وما اختار ايضاً بنات الشطوط وهن يطلقن عذابات اهاتهن عندجرف الشطوط، حاول اجتياز مناطق الخيار المفروضة، وهي خيارات جمعية، ممتحناً ذاته التي مارت بألوان مجهولة من الاسئلة، اجتاز صباحه بعناد القراءات التي وضعته عند محنة المحاكاة والتمني بالانصهار في ذات شعرية ساطعة الوضوح، منذ البدء تميل نصوص جابر الى الاقتصاد البنائي مع كثافة فاعلة في الصور الثيمية ودلالاتها، التي ارغمها الشاعر على الخروج قسراً من سلوكياتها التقليدية، والمتواجدة بأكثر مما ينبغي في عموميات العقل الجمعي، حاول الاندفاع صوب تجريب تبناه بكامله، تصوره المخلص من محنة البقاء داخل القطيع الشعري الذي صار صناعياً في جله، خالياً من قوى التأثير الفاعلة، وقد منحته الحروب خصالاً ما كان ليعرفها، وهو المتسربل باردية الحياة ومسراتها، صورت الحرب تجاربه بقسوتها لتنحرف وياه بعد عجز النص من الانثيال ، ناحية السرد الذي صار ممكنا مع توافر الثيم الاساس القادرة على الجذب والبناء، واللغة التي تشيد وهي عنده لاتهجر منهجها الشعري لتسقط في اسفاف الحكي الشبيه بالثرثرة، ولا تروح الى كثافة الصورة الشعرية مباشرة، ثمة ارتباطات منحته قدرة سردية، متماسكة، وهو يقود شخوصه مهما كانت بسيطة بمعرفية ، ودراية تأخذ اليها متلقيه، لهذا انتبهت اليه مبكراً آليات الاشتغال النقدي الثمانينيْ التي وضعته في مطاف طيب بين متلقيه واقرانه، لم يهجر الشعر، بل ظل متمسكاً باذياله كواحدة من ادواته التعبيرية التي وان كانت تقدم داخل هذه الفوضى القائمة، لكنها متابعة وتتوافر على سلوك تأثيري واضح عند متلقيه، ميزة هذه النصوص ، أنها تقرأ الواقع، بمغايرة تامه، تعيد صياغته، بوهج فاره حتى وان كان حزيناً منكسراً، وهذه واحدة من ميزات جابر محمد جابر الشخصية، جعلته السنوات العجاف، منطوياً الى ذاته بعض الشيءْ بطيء الفعل، وربما يراوده السؤال الصادم والانكساري.. ثم ماذا.. لقد اعطيت كل جنون عمري من اجل الكلمة.. من اجل ما نسميه خلق الوعي الجمالي.. الى ماذا وصلت بنا الايام.. هل ثمة حصاد، ام تراه مجرد زرع لم يثمر بعد، وقد لا يثمر قط؟
الحقيقة داخل هذه الفيوض من الاسئلة المتراكمة، أن استولت على الروح قد تحولها الى ركام من الانقاظ والمخاوف،والسؤال.. كيف يمكن التغلب عليها والنهوض ثانية من اجل اكمال المهمة الرسالية التي اخترناها بدراية ومعرفة وهم؟
يحاول جابر محمد جابر.. محو اثار كبوته النفسية والعودة الى مكامن روحه التي تحثه من اجل التعامل مع شخوص سرديات اخرى ، يمكنها ان تمنحه بعض من الرضا والحبور، وهو يحاول فعلاً، يصنع خطواته بدقة شيخ عكرته الدنيا، وفهم مجرب فاحص، وعناد ولد كان يلعب عند شطآن الحكايات وهو يردد.. لا اريد الاوهام تلك الانهار والحناجر والعشق وتاريخها، حقائق يجب ان تدون .. ويجب ان افعلها ذات خطوة.. وتجاوز خوف البياض!!

شاهد أيضاً

الرواية العربية: أصول واحدة؟
هيلاري كيلباتريك*
ترجمة/ صالح الرزوق

هل للرواية العربية حضور؟. إلى أي مدى يمكن اعتبار الروايات المكتوبة باللغة العربية تنتمي إلى …

نجاة العدواني في روايتها الحديثة “في عشّ السرطان”
ميزات لغوية.. وإلى أي مدى؟
عصام الياسري

صدرت في ربيع عام 2020 الطبعة الاولى لرواية الشاعرة والروائية التونسية نجاة العدواني الموسومة “في …

علي رحماني: المشروع الشعري الجديد… الجدوى والحياة

إن الحديث عن كتابة الشعر بصفتها إنتاجاً أبداعياً روحياً وكصيغة حياتية مطلوبة يستلزم أن نتعامل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *