همسةٌ “ما بين كوخٍ و قصرٍ”
بغداد – بقلم: علي الجنابي

(من وحيّ صورةٍ للأرض من على سطح القمر).
هنالكَ حيثُ الأرضُ للقمرِ هي القمرُ…
هنالكَ في تلكُمُ النقطةِ الزرقاء حيثُ آدمُ وحواء بالسِنةٍ شتّى والوانٍ من بشر , يتماوجانِ كلاهما في أطوارِ خلقٍ وأهوارِ عُمُر, مابين نطفةٍ و فتوةٍ و شيبَةٍ وكِبَر, يتساجلانِ كلاهما جرياً في فلكِ قبضةٍ من قضاءٍ وقدر , يتحاججانِ كلاهما مابين أُنْسٍ من سَمَرٍ أو بؤسٍ من قَهَر, هذا في كوخٍ من قصبٍ وذاك على حريرٍ في قصر..
هنالكَ حيثُ ..صمتٌ في صحارىً ونبتٌ في جبالٍ وخبتٌ في بحر , وزحمةٌ في أدغالٍ وبُهمةٌ في أنعامٍ و رحمةُ من شَجر , ومِنّةٌ من سحابٍ وجنّةٌ من نخيلٍ و ثَمر, وضحكةُ من طفلةٍ وكعكةُ في حفلةٍ و وعكةِ من جفلةٍ وزجر, وطنينٌ من بعوضٍ ورنينٌ من ثعبانٍ بفحيحٍ مقشعًر, و سياحةُ طيرٍ في الفضا وآخوه تحتَهُ سبَّاحٌ في نهر , أو غوّاصٌ في بحيرةٍ في القعر..
هنالكَ حيثُ تَرَنُّمُ صوامعَ وصلواتٌ وعقائدٌ لفكرٍ أحمقٍ مُحتَقَر، وحيثُ تَنَغُمُ مساجدٍ مُسَبّحةً بحمدِ خلّاقٍ مانحٍ في سِرٍّ وفي جَهر ، تَدُورُ و الفلكَ مُكَبِّرةً , في كلِّ آنٍ لها آذانٌ وتكبيرٌ محتضَر..
هنالكَ حيثُ.. يسافرُ الزمانِ على عَجَلٍ كلمحٍ بالبَصر، يروحُ و يغدو مابينَ إطلالةِ شمسٍ وإهلالةِ قمر، حثيثاً ينقُرُ صبحَهُ مساؤهُ وعشيُّهُ يَبقرُ السَحَر، مُتَقَلِّباً يومُهُ مابينَ غفوةِ سعدٍ وجفوةٍ من دهر..
هنالكَ حيثُ.. الردى فاغِرٌ فاهُ وكلٌّ مقبُورٌ في أجداثِها، مَن أذلّتهُ ومَن مشى زهواً مُفتخِر, وسيرحلُ الزمانُ الى حتفهِ مقبوراً في يومٍ معلومٍ مُستَطَر , وسيُنسَفُ الجبلُ صفصفاً فلا جلمودَ يبقى ولاحَجر, وسينتهيَ الأمرُ بنفخةٍ واحدةٍ هي أدهى وأمَرّ, وكلُّ أمرىءٍ يومئذٍ هنالك مبصرٌ مُنبهِر ، شاخصٌ بصرُهُ مُهطِعٌ كأنّهُ جرادةٌ في سربٍ مُنتشِر , وكلٌّ قائلٌ: (هذا يومٌ عَسِر, هذا يومٌ نُكُر)! لا مَنجأ يومئذٍ من لهيبٍ لسَقَر ، نزعاً ينزعُ الشَّوى لِمن تولى من قُبُلِهِ ويزعُهُ من دُبر, إلّا من كان موحداً فَسَبَّحَ وكَبَّر, وهلّلَ وحَمِدِ وشَكَر.
فأنّى ليَ أن أغبطَ ذا جاهٍ حائلٍ ومالٍ زائلٍ مَهمَا تَمَختَر أمامَ عينيَّ أو تَبَختَر! وأنّى ليَ أن أمدَّ عينيَّ الى ما متَّعَ اللهُ بهِ أزواجاً منهم زهرةً الحياةِ الدنيا ليَفتِنَهم فيهِ , إن كانَ الأمرُ كلّهُ هزَّازاً ببطنِ نقطةٍ زرقاء في الدجى هي لأهلِ القمرِ قَمَر, لكنّها ذرةٌ من هباءٍ منبَّثٍ مُنتثر.
بغداد – بقلم: علي الجنابي

شاهد أيضاً

فلامينكو
خالدة أبوخليف/سورية

دوي الريح يخرق صمت البحر مد وجزر بين طيات الأمواج أخبار العابرين تطل على الشاطىء …

لن أكذب عيني..
عبدالله محمد الحاضر

لقد رأيتك هناك على مسافة نيف وموجتين فقط تزيلين الاعشاب عن اهداب الموج تمسحين ضوء …

ألا فاسقني دمعك!!
سامية البحري

جسورة أنا !! وتلك دعايتي وفي داخلي امرأة تكبو نضجت وأعلنت فطامي وبين الضلوع طفلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *