مَريم لُطفي الآلوسيّ : النَّوارسُ المُهاجِرة- رحلةُ الموت (قصةٌ مأساويَّةٌ لأرواحٍ تبحثُ عن السَّلامِ) (3)

مدينة كوباني (عين العرب)

مذ هاجر الحمام الى غير رجعة
مُذ حطَّت الغربان على أسوار بلادي

مدينة كوباني، أو عين العرب كما يسمونها، التابعة لمحافظة حلب، هي واحدة من المناطق الساخنة جدًّا، يسكنها خليط من العرب والأكراد، لكنَّ الأكراد هم الغالبيَّة العظمى لهذه المدينة..
بدأت الحرب تطحن رحاها كطاحونة هوجاء تطحن كلَّ ما تجده في الطريق، إنسان، حيوان، وكلّ المتعلقات، وحتَّى الألعاب، وكلّ الأحباب، فالطاحونة لا تفرِّق بين كبير أو صغير، عليها أن تعمل فقط..
وقعت هذه المدينة الحدوديَّة فريسة للغربان، لموقعها الجغرافيّ المهمّ، سقطت بأيدي عناصر التنظيم فكانت قاب قوسين أو أدنى.. تردَّت الأحوال المعيشيَّة فيها، سادت ثقافة الغابة، قتل وتدمير ونهب وسلب، وقوَّات التحالف تقصف من الجوِّ، اشتعلت المدينة، وانعدمت الحياة فيها، تعطَّل كلَّ شيءٍ، المدارس، المزارع، المعامل، الخدمات، انقطع الماء والكهرباء، باتت المدينة بعيدةً عن المدنيَّة، فلا توجد فيها أدوية، ولا أغذية، بنايات كاملة انهارت، وجثمت فوق رؤوس أهلها، وكان المسلَّحون يحتلُّون البيوت بقوَّة السلاح، ويجعلونها مقرَّات لهم بعد أن يُهجِّروا أهلها، ارتكب المسلَّحون مجزرةً دمويَّة طالت مئتين وخمسين شهيدا في الليلة الأولى لاقتحامهم المدينة.
القتل طال الشابَّ والشيخ، الطفلَ والمرأة.. قتلٌ لمجرَّد القتل، ولكن دون وجه حقٍّ، فقط لنشر الذعر والرعب بين السكَّان الآمنين.. جثثُ المدنيِّين ملقاة على الطرقات والأرصفة، من سيتلو عليها الصلوات؟!
وقد نزح حَوَالي ألفا شخص إلى مدينة القامشلي الحدوديَّة؛ هربا من هذا الجحيم..
بدأ الناس بالهرب للنجاة بأرواحهم إلى أيِّ منفذ يجدونه آمنا، وأقرب طريق لهم كانت الحدود التركيَّة، فقد فرَّت العوائل، وتجمَّعت على الحدود مِمَّا جعل الحكومة التركيَّة تضع المخيمات؛ لإيواء اللاجئين..
هذه المخيَّمات عارية من كلِّ شيء إلَّا من التأوُّه ومأساة اللاجئين، فلا خدمات فيها، ولا رعاية صحيَّة، ولا غذاء، ولا دواء، فأين يذهب إنسان لا يملك حتَّى خيار الحياة؟!

طيُور الظلام

من المسؤول عن قدوم طيور النحس
ومتى تغادر أرض السواد؟
ومتى يغادر السواد الأرض؟!

كان اليوم جمعة، قضى أبو نورس الوقت بتنظيف الحديقة وتنظيمها، فقد حفر ساقيةً هنا ليسقي الزيتون، وحفر ساقية بمحاذاة السياج ليسقي أشجار الحمضيات، وقام بتهذيب بعض الأغصان التي كانت تتشبث بهذا وذاك في أثناء الدخول والخروج، ثُمَّ حضَّرَ لوحًا لزراعة الخضروات، فالصيف على الأبواب..
دُقَّ الجرس وكان أبو سرمد على الباب
– السلام عليكم.
– وعليكم السلام، أهلا يا أخي، تفضَّل بالدخول.
– أراك تلبسُ قفَّازا، وتتصبَّب عرقًا.
– هه، هذا صحيح، فأنا أرتِّب الحديقة منذ الصباح الباكر، فكما تعلَم الصيف قادم ونحتاج الحديقة كثيرا، ولاسيَّما في الليل عند انقطاع الكهرباء.. وكذلك الأطفال يلعبون فيها.
– فكرة جيِّدة والله، لقد شجّعتني لأرتِّب حديقتي، فهي تحتاج ايضا الى بعض الشجيرات ، وربَّما أقمنا وليمة مشاوي في الهواء الطلق، سنناقش الامر لاحقا..
لكنَّ موعد صلاة الظهر قد حان، أَلَا تذهبُ إلى الجامع؟
– بلى، ولكن بعد أن أغتسل.
– إذن سأسبُقكَ إلى هناك، إلى اللقاء.
– في أمان الله.
ذهب أبو سرمد إلى الجامع ولحق به صاحبُه، وبعد أداء الصلاة والاستماع إلى المحاضرة الدينيَّة، التي تحثُّ على الإخاء والوحدة بين أبناء المجتمع لكسر طوق الإرهاب.. انتهت الصلاة وتوجَّه كلٌّ إلى طريقه، وبقي أبو نورس وصاحبه يمشيان ويتبادلان الأحاديث في طريقهما إلى المنزل، وما إن وصلا..
– ما هذا؟ هذه كرة سرمد وفردة من حذائه.
– يبدو أنَّه كان يلعب هنا ثُمَّ دخلَ.
– يا إلهي! أنا قلقٌ جدًّا، سأدخل لأطمئن عليه.
بقي أبو نورس عند الباب ينتظر، في الحقيقة لقد ارتاب هو الآخر قليلا، لكنَّه تأمَّل خيرا، وبعد قليل سمع صراخا وبكاءً، خرج أبو سرمد وهو يصيح ويبكي، لقد خُطف ابنه سرمد، جلس على الأرض يضربُ الأرضَ بكلتا يديه، أجهش بالبكاء.
– يا الله لقد تركت مدينتي وفررت بأطفالي، أين أذهب؟! لقد تركتُ كلَّ شيءٍ من أجلهم، ابني يا الله.
– يا إلهي! يا للهول كيف هذا؟! كيف حصل هذا؟
خرجت الأمُّ تبكي وتصيح بأعلى صوتها، يا الله سيقتلون ولدي الصغير، لم أغفل عنه إلَّا دقائق، لقد توسَّل بي ليلعب بالكرة، وكنتُ أراقبه من وراء الباب، لكنَّ جرس الهاتف قد رنَّ، ذهبت لأردّ، كان السائق يقول إنَّه سيتأخَّر، لم أغفل عنه سوى لحظات، أقسم بالله.
كانت الأمُّ في وضع مأساويّ، تلطم وتبكي، وكانت في وضع هستيريّ تتكلَّم تارة، وتبكي تارة، التمَّ الجيران، ويبدو أنَّ الخاطفين قد خطَّطوا لذلك، فالمحلَّة في هذا الوقت تكون خالية، فالكلُّ في الجامع للصلاة، والشارع يكاد يكون خاليًا من المارَّة..
وصلت أمُّ نورس إلى مكان المأساة كالمغشي عليها، تُقدَّمُ رجلًا وتؤخِّرُ أخرى، وكأنَّ الخطوات لا تمشي، وكأنَّها تمشي إلى الوراء من هول الصدمة، يعتريها الذهول، وقد نشف ريقها، وكأنَّ أحدا لكمها فأفقدها السيطرة..
– يا إلهي! سلامٌ قولًا من ربٍّ رحيمٍ، لقد علمتُ أنَّ مكروها سيحدث، لا يمكن أن يحدث هذا، ما ذنب سرمد هذا الطفل الصغير؟! كأنَّه طير من ذهب. تمنَّتْ لو أنَّها قتلتْ ذلك الغراب اللعين، تمنَّتْ لو أنَّها اقتلعت كلَّ الأشجار، حتَّى لا يقف عليها، كانت الدموع تتساقط مدرارا،وهي تحاول امتصاص الصدمة.. أمَّا أمّ سرمد؛ فقد سقطت مغشيًّا عليها؛ لأنَّها في الأصل تعاني من مرض في القلب، وقد نُقلت إلى المسشفى ، وأمَّا زوجها؛ فقد افترشَ الترابَ، لا يدري ماذا يفعل، والأصوات كانت تأتيه من كلِّ مكان.. كيف حدث هذا؟ لِمَ سمحت له بالخروج ؟ اين كنت عنه ؟ اين والدته ؟لما غفلتم عنه ؟ وقد قطع الكلام بقدوم ضابط الدوريَّة.. ألقى عليه السلام وأخبره بأنَّه يجب أن يتعاون معه ليتمكّنوا من معرفة مكان الطفل.. لكنَّ أبا سرمد كان غاضبا إلى حدِّ اللعنة، وقد تيبست شفاهه،وبالكاد يبلع ريقه ،قال له والياس والاسى قد تمكنا منه بصوت متحشرج:
– أين كنتم حينما خُطف ابني؟! أليس واجبكم هو حماية أرواح المواطنين؟! لا بدَّ أنَّهم قتلوه الآن، يا إلهي! الطفْ به أرجوك.
– حسنا يا أخي، أنا أقدِّرُ وضعكَ، ولكن عليك أن تجيبني على بعض الأسئلة، هل لديك أعداء؟ متى وقع الحادث؟ هل تشكّ بأحدٍ؟ كم كانت الساعة؟
كان الضابط ينهال على الرجل بالأسئلة ولكن دون ردٍّ، بقي صامتا يتذكَّر آخرَ كلمات الطفل وهو يقول له:
– أبي أريدُ أنْ أرافقك إلى الجامع.
– لا يا حبيبي، يجب أن تبقى مع أمِّك وأختك، فأنت رجل البيت بغيابي.. يا إلهي! ليتني أخذته معي، لن يفيدني الندم الآن.
كانت كلمات الطفل تتردَّد في أذنيه، بينما كانت بقية الأشياء مجرَّد أصوات، مجرَّد تشويش لا يكادُ أن يفقه منه كلمة واحدة، مِمَّا اضطرَّ أبو نورس إلى الإجابة على أسئلة الضابط..

– حسنًا إنَّه طفل في العاشرة من عمره, ضعيف البنية، شعره أشقر, عيناه عسليَّتان.. يرتدي تي شيرت احمر وبنطال جينز ازرق باهت،اهذا يكفي؟
-هل لي ان ارى صورته؟
-بالتاكيد،وتناول الجوال واعطاه صورة الطفل ليعمم اوصافه.
– حسنا يا أخي سأعمِّم هذه الأوصاف على جميع الدوريَّات، وإنْ اتَّصل بكم الخاطفون يجب أن تعلمونا فورا.
– حسنا شكرا لكم.
انصرفت الدوريَّة، وراح كلٌّ إلى سبيله، بقي أبو سرمد مع أبي نورس، وقد ذهبا إلى المشفى لرؤية الأمّ, كانت قد دخلت غرفة الانعاش، فبقي الاثنان بصالة الانتظار، وقد تمكَّن التعب والنعاس منهما، حاول أبو سرمد جاهدًا أن يقنع صاحبَه بالعودة إلى البيت لكن عبثا , كان الرجل مصرًّا على البقاء، وقد اتَّصل بالخال ليبيت مع زوجته وأطفاله.
جلسا على الكراسي يعاتبان القدر تارة، ويلومان أنفسهما تارة أخرى، كان الرجل يأخذ الرواق جيئة وذهابا،يخرج الى الحديقة ليدخن سيجارا ثم يعود ليجلس مكانه،بقي على هذه الحال حتَّى سرقهم النعاس، فقد عجزت الرقاب عن حمل رؤوسهم من التعب، فكانت الرؤوس تتدلى من الإعياء.. وفجأة أيقظهم رنين الهاتف.
– ألو، من المتكلم
-انا ابو سرمد
-انت والد الطفل…اليس كذلك؟
-نعم..نعم ارجوك اين ولدي ؟
– حسنًا سأخبرك من الآخر، نحن من خطفنا ابنك.
– يا إلهي! هل قتلتموه؟ إنَّه طفل صغير، أرجوكم ابني مريض، إنَّه يعاني من الربو، ماذا فعلتم به؟ هل قتلتموه؟
– لا، إنَّه حيٌّ ولكن عليك أن تدفعَ مبلغًا من المال من أجل حياته، وإلَّا ستجده جثَّة هامدةً في مكانٍ ما.
– لا أرجوك، سأدفعُ ما تريدون، ولكن لا تقتلوه، اتوسَّلُ إليكم، خذوني بدلًا منه، لم يفعل لكم شيئًا.
– لا حاجة لنا بك، نريد المال فقط. المبلغ المطلوب هو….
– يا إلهي! من أين سأوفِّرُ هذا المال؟!
– إنْ كنتَ لا تملكه، سنضطرُّ إلى قتل الصغير.
– لا، بل سأتصرَّف، أعني سأبيعُ كلَّ شيءٍ وأدبِّرُ المبلغ، ولكن هل أستطيع أن أسمع صوته؟
– حسنًا ستسمعُ صوته، لكن إيَّاك أن تتَّصلَ بالشرطة؛ لأنَّك لن تراه ثانيةً.
– لا لا، أقسم بالله لن أتَّصل بأحدٍ، ولكن أريد سماع صوته.
وسمع الأب المنكوب بكلِّ الألم صوت ابنه، وقد كان هلعًا يبكي من شدَّة الخوف، ولكن كان عليه أن يطمئنه ريثما يُدبِّر المبلغ المطلوب.
انطلق أبو سرمد إلى بيته مسرعا، وأوَّل شيء قام به هو الاتصال بسائق الشاحنة، وأخبره أن يأتي حالًا؛ لأنَّ ابنه قد خُطف، فُجعَ السائق لسماع ذلك، وقال إنَّه سيترك كلَّ شيءٍ ويأتي فورا للمساعدة، فهو لا ينسى فضل أبي سرمد عليه، الذي طالما ساعده ووقف معه.. وصل لَهِثًا مفجوعا من سماع الخبر، لكن ما باليد حيلة، انطلق الاثنان إلى أقرب معرضٍ للسيَّارات وباعا الشاحنة بأقلِّ من سعرها بكثير.. المهم أنَّه استطاع تدبير المبلغ المطلوب.. عاد إلى البيت وكان بانتظار مكالمة الخاطفين، كان عليه أن يحافظ على سريَّة الاتفاق حفاظًا على حياة ابنه.. بقي ساهرًا الليل كلّه، حاول السائق سعيد أن يبقى معه لكنَّه رفض ذلك وبقي ينتظر، وعند الساعة الخامسة صباحا رنَّ هاتفه.
– ها.. هل دبَّرت المبلغ المطلوب؟
– نعم نعم، أرجوك هل أستطيع أن أسمع صوت ابني؟
– ليس الآن، إنَّه نائمٌ.
– يا إلهي، هل قتلتموه؟
– اخرس، قلت لك إنَّه نائم، لقد عانينا منه كثيرا، إنَّه طفل وقح.
– أرجوك بل أتوسَّل إليك، لا تؤذوه، لقد أمَّنتُ لكم المبلغ، أعطوني إياه، إنَّه مجرد طفل لا يفيدكم بشيءٍ، ألو.. ألو.. يا إلهي! لقد انقطع الاتصال.
بدأ أبو سرمد يضرب كفًّا بكفٍّ حسرةً وأَلمًا، يمشي جَيْئَة وذهابًا، ويدخِّن السيجار بأنفاسٍ متتابعة، واليأس قد بدأ يدبُّ في نفسه متوغِّلًا إلى الأعماق يشلُّ تفكيرَه ويربطُ يديه، لا يدري ماذا يفعل، وكان أبو نورس إلى جنبه، يحاولُ جاهدًا أن يهدّأه ولكن عبثا، قال له صاحبه لقد حان وقت صلاة العشاء، فلنصلِّي عسى الله أن يجعل لنا مخرجا.. أطرقَ الرجل قليلًا ثُمَّ قال ونِعْمَ بالله.
وما إنْ انتهى الاثنان من الصلاة حتَّى رنَّ الهاتف، ردَّ أبو سرمد بسرعة.
– ألو ألو، أين أنتم؟
– أنا سعيد يا أبا سرمد كيف حالك، هل اتَّصلوا بك؟
– اوووف سعيد هذا أنتَ، لم يتَّصل أحدٌ إلى الآن، أنا أنتظر، أرجوك اتَّصل لاحقًا.
– ولكن هل أنت جادٌّ في دفعك المبلغ؟
– بالتأكيد.
– أنا لست معك، سيأخذون المبلغ ويقتلونه.
– أرجوك لا تحاول، سأدفعُ المبلغ ويكون الله في عوني، سأتَّصل بك لاحقا، في أمان الله.
الحقيقة المرَّة التي كان الرجل متأكِّدًا منها أنَّ الخاطفين سيأخذون المال ويقتلون الطفل، لكن عليه أن يدفع المال ليريحَ ضميره على الاقل الذي سيبقى ينهش به كما السرطان إذا تردَّد في دفع المبلغ، وأسوأ الأمور أنَّه سيحصلُ على جثَّته. شكرَ أبا نورس وطلب منه أن يذهبَ إلى بيته ليحافظَ على سريَّة الموضوع، وبقي ينتظرُ قرب الهاتف حتَّى رنَّ.
– ألو ألو.
– هل أنت جاهز مع المبلغ؟
– نعم، أنا جاهزٌ
– اسمع، سنلتقي في أطراف بغداد قرب مكبِّ النفايات، يوجد عمود كهرباء للضغط العالي كُتب عليه ض ع، ستأتي وحدك وحذار من الشرطة أو أيِّ حماقة؛ لأنَّها ستودي بحياة ابنك، سنلتقي في الساعة الخامسة فجرًا اتَّفقنا؟
– أجل أجل، ولكن هل أستطيع أن أسمع صوت ابني؟ آه آه لقد قطع الاتصال، وغدٌ حقير.
لم ينم ليلته المسكين، انتظر حتَّى الفجر، ثُمَّ انطلق بسيَّارته إلى المكان المتَّفق عليه حتَّى وصل، ركن سيَّارته على الشارع العامِّ ونزل إلى الشارع الفرعيّ الترابيّ، مشى مسافة كيلو متر حتَّى وصل إلى المكان الخالي من كلِّ شيءٍ إلَّا من النفايات والقطط والكلاب السائبة، كان يلتفت يمينا ويسارا ثُمَّ يرفع رأسه إلى السماء طالبًا المساعدة والعون، بقي ينتظرُ ربع ساعة، لا يوجد شيء غير أصوات الكلاب الجائعة، التي تكاد تنقضُّ عليه في كلِّ لحظة، كان يجمع الحجارة من الأرض ويرميها فتطلق أصوات نباح ممزوجة بصفير.. ويبقى يلتفت يمينا ويسارا، تساوره الظنون بأنَّهم لن يأتوا، وأنَّهم ربَّما قد قتلوا الطفل.. ووسط اسهابه وأفكاره التي تسحله كشاة مذبوحة، جاءت سيَّارة فرَّقت هذا الجمع الغفير من الكلاب، توقَّفت على بعد أمتار منه، ترجَّل منها شخص ملثَّم، ثُمَّ اتَّجه نحوه وبلهجة ملؤها التهكُّم والعنجهيَّة قال له:
– ها، هل جلبت المال؟
– أجل، هذا هو في هذا الكيس.
– حسنًا سأعدُّه.
وبدأ يعدُّ الرزم الواحدة تلو الأخرى، ثُمَّ يأخذ الرزمة ويتصفّحها كما يتصفّح الدفتر ثُمَّ يستلُّ ورقة وينظر إليها بإمعان باتجاه الشمس، فربَّما تكون مزوَّرة، وأبو سرمد يتقطَّع إربا، وكلَّما حاول أن يسأله يقول له: هش، انتظر حتَّى أُكمل. وبعدها أخذ المبلغ عندما تأكَّد أنَّه مضبوط، وقال: حسنًا إنَّه مضبوط، ومشى صوب السيَّارة وصعد، والرجل المغلوب على أمره ينظر إليه ويبلعم ريقه، يحاول أنْ يسأله، فتتشحرج الكلمات في حلقه، ركب في صدر السيَّارة ودار المحرك، تأكَّد الرجل الآن أنَّ ابنه قد قُتل،ظل واقفا مغلوبا على امره والعرق يتصبب من وجهه،وقد شحب لونه ونشف ريقه،وتسارعت دقات قلبه،لايدري مايفعل والى اين يتجه،اسدل يداه مستسلما لقدره،ثم اطفق يبكي كمن لاحول له ولا قوة.. لكن السيَّارة بطنشت ورجعت إلى الخلف بسرعة جنونيَّة،والرجل واقف فاغرا فاه ثم فُتِحَ الباب الخلفيّ ورُمِي الطفل على الأرض، وبالسرعة نفسها انطلقت واختفت عن الأنظار.. لم يصدِّق الرجل عينيه، فابنه بين يديه، جلس على التراب واحتضنه وصار يبكي بأعلى صوته إلى درجة أنَّ الكلاب قد سكتت وراحت تحملق بهذا المشهد الذي لم ترق له قلوب الخاطفين.
حمل ابنَه الذي لم يكن يقوى على الوقوف على قدميه، ويداه ترتجفان كما شفتاه من شدَّة الخوف، كان الشحوب والوهن باديا عليه، وبدأ يبكي بكاءً هستيريًّا، وأبوه يحتضنه بشغف المتضوِّر جوعا لرؤيته، حمله وانطلق بسيَّارته إلى المشفى فالطفل كان يعاني من حالة نفسيَّة مروِّعة، ومن رضوض وخدوش وكدمات وهزال شديد، ناهيك عن ضيق التنفِّس الذي كان يعاني منه أصلا.. ثُمَّ ذهب إلى زوجته الراقدة في القلب، وبشَّرها أنَّ ابنهم حيٌّ يرزق.. لم تصدِّق الأمُّ ما سمعته، وراحت تبتهل إلى الله وتشكره، ثُمَّ ما لبثت أن ذهبت لرؤية ابنها الذي بقيت معه عدَّة أيام إلى أنْ تماثل للشفاء.
أخذه أبواه إلى البيت، ثُمَّ أحضروا أخته الصغيرة التي كانت في بيت خالتها، وكانت هي الأخرى تعاني من فراق الجميع.. لم يصدِّق الطفل أنَّه في بيته ثانيةً وبين أهله وألعابه.. ثُمَّ شرح لهم فيما بعد كيف كانوا يعاملونه في أيام اختطافه، فكانوا يعطونه رغيف خبز واحد في اليوم يقتات عليه، وكان ينام على الأرض، على خرقة بالية، وكان المكان مهجورا ومخيفا، ويسمع أصوات الصَّراصير ونباح الكلاب ليلا، تلك الأصوات التي لا يستطيع النوم ليلا بسببها، وقد كان يسمع صراخ أطفال آخرين في الغُرف المجاورة.. كانت أوقات عصيبة وصعبة للغاية بالنسبة إلى طفل صغير.
وفي مساء اليوم التالي تجمَّع الجيران ليلا في بيت أبي سرمد ليباركوا له سلامة ابنه..
– الحمد لله على سلامته، لقد مرَّت هذه الحادثة، لا أعادها الله، وأرجو أن تكون آخر الأحزان. قال أبو نورس وهو غير مصدِّق إلى الآن أنَّ الطفل على قيد الحياة.
– إي والله، لقد صلَّيتُ كثيرا ودعوت كثيرا، وكنت أقوم الليل للصلاة والدعاء وقد استجاب الله لدعواتنا-
– أنت رجل طيِّب، وقد كافأك الله، حمدا لله على سلامته، قالها السائق وهو يهزُّ برأسه متألِّمًا لما حدث.
تشكَّر الرجل من جميع الحاضرين لوقفتهم ومشاعرهم النبيلة، وقال لهم:
– شكرا لكم يا جماعة، والله إنَّ وقفتكم وسؤالكم عنِّي لا يُقدَّر بثمن.
فقد كان الجيران كلَّ يوم يسألون ويستفسرون عن الطفل.. مرَّ شهرٌ على هذه الحادثة، وكانت العائلة تحاول التقاط أنفاسها ولم شتاتها، فقد منعوا الأطفال من الذهاب إلى المدرسة، هذه الحادثة لم تؤلم بيت أبي سرمد فقط، بل هزَّت بيت أبي نورس أيضا، الذي بدأ يفكِّرُ جِدِّيًّا بالهجرة إلى خارج الوطن، في الوقت نفسه كان أبو سرمد يخطِّطُ ويهيِّأُ للذهاب إلى أيِّ بلدٍ يجدُ فيه الأمان لعائلته، فلم يكن مستعدًّا للبقاء بعد الذي رآه.. كان الجاران يلتقيان كلَّ يومٍ ويخطِّطان للهجرة، يسألان هذا وذاك أو أحد المعارف، ربَّما يجدان ضالَّتهما.

طاحونة الحرب

ايتها الرحا فلتضعي اوزارك
وطني يحتضر الا من مجيب

كان واقفا في شرفة شقَّته يتأمَّل الغروب ويدخِّن سيجارا، وينظر إلى دوائر الدُّخان كيف تأخذها نسائم الهواء ثُمَّ تتبدَّد كما أيامه التي بدَّدتها الحرب، فقد كان يسكن في دمشق في حيِّ ركن الدين في شقَّة صغيرة جدًّا لكنَّها كانت عشًّا دافئا له ولزوجته رحيل، والتي كانت زاهية بجمالها وعبق كلماتها الرقيقة، وحنانها، وطفليه راغب ذات الربيع الرابع، وغيلان ذات الربيع الثالث، ذلك هو وحيد الكرديّ أو كما ينادونه بأبي راغب، كان قد وصل منذ مدّة وجيزة إلى مدينته كوباني بعد أن اشتدَّتْ الحرب في دمشق، التي كان يعيش فيها مع أسرته الصغيرة ويعمل حلَّاقًا، وأموره كانت جيِّدة إلى حدٍّ ما، غير أنَّ احتدام المعارك جعله يعود إلى مسقط رأسه مدينة كوباني الحدوديَّة.
لفت انتباهه شيئا غريبا عندما كان واقفا بشرفته، فقد توقَّفت شاحنة صغيرة من نوع بيكب حمل، فيها ستُّ أشخاص يرتدون زيَّ وحدات حماية الشعب الكرديّ، ترجَّل أحدهم ونادى على جاره الذي كان عائدا إلى منزله: هفال هفال ورى، أي تعال يا رفيق – باللغة الكرديَّة -، فأجابه الجارُّ الذي كان كرديًّا واسمه هاوري، نعم أتناديني؟ فسأله ألا تتكلَّم العربيَّة؟ قال: بلى، وقد استغرب هاوري لِمَ يسأله مثل هذا السؤال، قال: أين المعبر؟ ارتاب هاوري من الأمر، ومن اللغة والملابس غير النظاميَّة، وكان اثنان منهم شعرهما طويلا، فسأله هاوري ألا تتكلَّم الكرديَّة؟ قال بلى، ولكنِّي كنت أختبرك وأمازحك. وقال في نفسه.. لا بدَّ في الأمر سوء، سأضلِّلهم، ثُمَّ أشار إلى الجهة المغايرة لوجود الجسر.. انطلقت السيَّارة ورجع هاوري إلى البيت حائرا بأمر هؤلاء.
كان وحيد يراقب من شرفته هذه التصرُّفات المريبة.. نادته زوجته إلى العشاء، جلس الجميع لتناول العشاء، وبعد نصف ساعة سمعوا صوت انفجار هائل مزَّق سكون الليل، كان صوت الانفجار هائلا بحيث أدَّى إلى تحطيم زجاج النوافذ وانقلاب مائدة الطعام، هرع الأطفال إلى حضن أمِّهم، وهم يرتجفون خوفا، أراد وحيد الخروج فمنعته زوجته، عمَّ الصخب والضجيج في أرجاء القرية، خرج الجميع ليروا ما حدثَ، كانت الأصوات الصاخبة تتردَّد في أعماق الليل، كان الجميع يظنُّون أنَّ صهريجا للبنزين قد انفجر، غير أنَّ وحيد وجاره هاوري كانوا يعلمون أنَّه تفجير إرهابيٌّ، عمَّت الفوضى المكان، وكان الناس يركضون هربًا، فقد كانت هناك عشرات من السيَّارات الحمل تحمل أشخاصا ملثَّمين ومسلَّحين يرتدون بزَّات عسكريَّة أو بزَّات حماية الشعب الكرديّ، لكنَّهم في الحقيقة متنكِّرون، انهالوا على الناس بالرشَّاشات، فوقع من وقع، وأصيب من أصيب، في مجزرة مروّعة، انتشرت الجثث في كلِّ مكان، لم يسلم من القتل أحدٌ، لا شابٌّ، ولا شيخ، ولا طفل، ولا امرأة.
ثم بدأ المسلَّحون باقتحام المنازل وقتل من فيها، كان وحيد يرى طيور الموت من زجاج نافذته المُضلّل، علم أنَّهم سيأتون حتمًا لاقتحام منزله، فقد اقتحموا بيت جيرانهم وكان رجل سبعينيّ عنده ثلاث فتيات وأمَّهم، طلب منهم الاختباء في المخزن وفتح أبواب البيت، ليظنُّ المسلَّحون أنَّ أصحابه قد هربوا، وفعلا عندما جاء المسلَّحون ووجدوا الأبواب مُشرعة لم يدخلوا، فقد ظنُّوا أنَّ أهل البيت قد هربوا، وبذلك انطلت عليهم الحيلة، واستطاع الشيخ العجوز انقاذ عائلته من الوحوش البشريَّة.
أشارتْ رحيل الزوجة الحنونة على زوجها أن يختبأ في المخزن العُلويّ للمطبخ، أو ما يسمَّى السقيفة التي تُستعمل لخزن الصحون والأشياء الفائضة عن الحاجة، هذه السقيفة يصعدون إليها بسلّم متحرِّك، فأزالت السلَّم ووضعته على السطح، وأوصتْ أطفالَها بالهدوء وعدم الكلام حتَّى إنْ سألهم أحدٌ ما، ثُمَّ تظاهروا أنَّهم يجلسون على مائدة الطعام بعد أن رتَّبوها من جديد.
وبالفعل سمعت أصواتهم قادمين كما التتر يجلجلون ويعربدون، كان قلبها يرتجف من الخوف، لكنَّها تظاهرتْ بعدم الاكتراث، طرقوا الباب ركلا بأرجلهم، ففتحته، كانوا ثلاثة أشخاص، سألها أحدهم هل تتكلمين العربيَّة؟ قالت: نعم، قال بعصبيَّة: من أين أنتِ؟ قالت: من حلب قال: أين زوجك؟ قالت: إنَّه يعمل حارسا ليليًّا، لن يأتي هذا المساء.
نظر يمينا وشمالا داخل البيت في نظرة فاحصة، اشرأبَّ عنقه وهو يبحث عن شيء ما يجعله يطلق الرصاصات التي لا يستطيع الاحتفاظ بها.. قال: هل لي بكأس ماء بارد؟ قالت: بالتأكيد سأحضر الماء، وأحضرت لهم الماء،كانت عيونهم يتطاير منها الشر،اما هي فكانت عرشاخاو بالكاد تسند طولها، شربوا ثُمَّ انطلقوا إلى الجيران، أغلقتْ الباب وراءهم، وزفرت نفسًا عميقًا، لم تكن رجلاها قادرة على حملها.. ثُمَّ ما لبثت أن سمعت صوتَ اطلاقات ناريَّة من بيت جيرانهم الذي يسكنه رجلٌ شابٌّ وزوجته، اللذان لم يمضِ على زواجهم سوى عشرون يوما.
انتظرت الأصوات حتَّى هدأت، وعند منتصف الليل حملتْ السلَّم ووضعته صوب السقيفة ونادت:
– أبو راغب.. أبو راغب هيَّا انزل. قالتها بهمس شديد.
فتح الباب الصغيرة على مهل وقال هامسا:
– الدار أمان؟
– نعم، انزل بسرعة.

نزل بسرعة، وما إنْ التقط أنفاسه حتَّى قرَّر أنْ يفرَّ هو وأسرته إنْ استطاع سبيلا؛ لأنَّ القرية قد وقعت بيد التنظيم، وبدأتْ أصوات القصف تتعالى من كلِّ اتجاه، كانت قوَّات التحالف تقصف من الجوِّ، والقوَّات الحكوميَّة من جهة، والمسلحون من جهة أخرى، وقد احتموا بالبيوت، واتَّخذوا الناس دروعا بشريَّة، الله اكبر..

فرَّ أكثر سكَّان القرية باتجاه مدينة القامشلي الحدوديَّة، التي تبعد حَوالي مئتي كيلومتر عن كوباني، فرَّ الناس بأرواحهم، ولم يجلبوا معهم غير البرغل – وهو حنطة مُعدّة للطبخ – وكان الكرديُّ أبو راغب وأسرته من ضمن الفارِّين.. كان يجب عليهم أن يمشوا في طرق وعرة بعيدة عن أنظار القوَّات المتحاربة، فكانوا يسلكون الطرق الريفيَّة، يرتاحون قليلا ثُمَّ يواصلون السير، وهكذا على مدى أيام، تعبَ الأطفال كثيرا من هذه الرحلة الشاقَّة، فكان الأب والأمُّ يتناوبان على حملهماحتى وصلوا الى خرابة ترزح في جوف الليل،بيت مهجور تركه اهله اوربما لازالوا تحت الانقاض!!

الموصل الحدباء
اطلال وذكريات

الموصل الحدباء هكذا يسمونها لاقترانها بالمنارة الحدباء التي تميزت بها المدينة منذ ثمانية قرون، وهي مركز مدينة نينوى ثاني اكبر مدينة في البلاد وتقع شمال العراق ،وهي بالاصل مدينة اشورية،وتميزت بمنارتها التي بنيت مع جامع النوري الكبير على يد الامير نور الدين زنكي عام1170،وهي اجمل واقدس تراث عند الموصليين خاصة والعراقيين بصورة عامة،هذه التحفة الشامخة بالجهة الغربية للمدينة تحيي الزائر بانحنائها الى الشرق تتميز بنقوشها وهندستها العمرانية المميزة التي جعلتها تدخل لائحة التراث العالمي باعتبارها النسخة الاسلامية لبرج بيزا،وهي منارة طولها خمسة واربعون مترا، ومعدل ميلانها يقرب من ثلاثة امتار،وسبب ميلانها احيط بعدة تفسيرات منها مادية وهي طريقة بنائها العمرانية من الحجر والجص و بسبب الرياح الغربية التي تهب على المدينة جعلتها تتخذ هذا الشكل،ومنها اسطورية وهي ان المنارة انحنت لتحيي احد الاولياء ،وهذه الاساطير تسمع من الناس المحليين الذين يعتزون بمدينتهم العريقة.

وصل رامي للتو من تركيا ،ترك دراسته وكل شئ وتوجه الى العراق عندما تلقى مكالمة من عمه،يقول فيها ان والده في المشفى،وان عليه الحضور لرؤيته.
حضر العم الى مطار اربيل لاستقباله،واخبره ان ابيه خرج من المشفى وهو في بيت عمه في اربيل،لان الموصل قد استولت عليها العصابات الارهابية،وقد نزح اغلب الاهالي الى كردستان تاركين كل شئ!
كان رامي يعرف ان الموصل قد وقعت بيد العصابات من التلفاز ،فقد كان يتابع الاخبار اولا باول،ومنذ شهرين انقطع الاتصال بعائلته..
دخل الاثنان الى البيت الذي استاجره العم ،كان رامي محملا بالهدايا لوالديه واخوته الصغار،فمنذ سنة لم يرهم لانشغاله بدراسة الهندسة،وكانت فرحته لاتوصف للقاءهم كان يبتسم ابتسامة عريضة من الاذن للاذن، بدا البيت هادئا لاصوت فيه ولاحركة،قاده العم الى غرفة الاب ،وما ان فتح الباب حتى صعق وسقط من يده كل شئ وتلملمت الابتسامة التي علت وجهه،ثم فغر فاهه وهويرى والده يجلس على كرسي متحرك وقد بترت ساقه!!
صرخ من هول المفاجاة المفجعة وركض نحو والده وحضنه وهو يجهش باكيا،كان يقبله ناحبا متالما والاب يبكي هو الاخر ويحتضن ابنه ويشم ريحه،كان المنظر يدمي القلب ،حاول العم ان يهون الامر ويهدا الاثنان،شيئا فشيئا ،مرت ساعة والابن المفجوع يحاول ان يستوعب الصدمة،وفي خضم الالم والحزن سال رامي عن امه واخوته الصغار،لكن الاب اطرق ولم ينبس ببنت شفة!
-ابي اين امي واخوتي !لما انت صامت هكذا!هل تركتهم بالموصل! اجبني ياابي اين الجميع!
لم يتفوه الاب بكلمة،حاول الاب التملص من نظرات رامي،ثم مالبث ان رفع راسه بعد الحاح رامي بالسؤال ونظر الى اخيه،عله يجد اجابة!
استجمع العم قواه وقال:
-امك واخوتك في ذمة الله..كن قويا ياابن اخي..البقاء لله
لم يكن رامي يمتلك القوة الكافية لتلك الصدمات،ولم يكن مستعدا لتلقي العزاء باهله جميعهم ،لقد جاء محمل بالهدايا والان هو محملا بالفجيعة والحزن والالم يعتصره الى حد النخاع،لم يكن يصدق انه لن يراهم ثانية،كانت الدموع تفر من عيونه كطفل صغير،احتاج الى حضن امه في تلك اللحظة بالذات،لكي يبكي ويقول كل مايجول في خاطره،اشتاق لاخوته الصغاركثيرا،لقد احضر لهم الهدايا واللعب التي طلبوها منه،ليته لم يسافر،بل ليته مات معهم،كيف سيعيش بدونهم،بل اين سيعيش ولمَن،كان محبطا،متالما،وبدت الحياة بلامعنى بعد هذه اللحظة،الموت سرق منه كل شئ ،امه،اخوته،بيته،وطنه،وساق اباه،،لم يبق له شيئا يستحق الحياة،هكذا كان ينظر للامور وبدا العالم له صغيرا
ضيقا كانه خرم ابرة.
بدا الاب يروي له ماحدث في ذلك اليوم المشؤوم..
عندما بدا دوي القذائف على المدينة،كانت الرايات السود في كل مكان على اسطح البيوت والبنايات وعلى سيارت البيكب المحملة بالاسلحة والغربان السود،ونداءات التهديد والوعيد يتردد صداها يثير الرعب والخوف،غلّقت الابواب والمدارس والدوائر الحكومية و المحال التجارية واسدل الستار على الاسواق ودور السينما،وكل من يخالف يعتبر عاصٍ وىحاسب امام الملأ،بدا الصباح اسود، والشمس غير الشمس ،لاشئ يدل على الحياة فالكل هنا يتشح بالسواد،الغربان والناس .
كان الاهل قد اتخذوا من قبو دارهم المجاور لجامع النوري سكنا لهم ،جمعوا مااستطاعوا جمعه من مؤونة وحبوب ومواد جافة ليعتاشوا عليها اثناء وجودهم بالقبو،كانوا يتناولون وجبة واحدة في اليوم،كي لا ينفذ الطعام..
وفي فجر اول يوم بالعيد،وحوالي الساعة الثالثة صباحا،كنت قرب البئر في باحة الدار اتهيا لصلاة العيد،وما ان بدات بالوضوء حتى سمعت صوت انفجار قوي وكأن الارض تزلزلت من هول الانفجار،انهار الداربما فيه علينا،سقط سقف القبووجثم على الجميع،كنت اصرخ من الالم واحاول الوصول اليهم،لم استطع،فقد تحول البيت بلحظات الى تلال من الركام،وكنت تحت الركام لااقوى على الحركة،ولم اعد اشعر بساقي،وبعد يومين من الالم والعذاب،سمعت اصوات قريبة،فبداتُ اصرخُ باعلى صوتي، ناداني احدهم ..هل هُناكَ احياء؟ بالكاد اوصلتُ صوتي المبحوح من استنشاق التراب ،ثم سمعتُ اصواتا تقتربُ مني اكثر ،اصواتَ مجرفات يدوية ومساحي في محاولة لازالة الركام عني ،استغرق الامر وقتا وبعدها تمكنوا من الوصول اليَّ وسحبي الى الاعلى، فوجئت بجنودٍ يرتدونَ الزي العسكري،اخلَوني من المكان ،توسلتُ اليهم ان عائلتي بالقبو،لم يكن بوسعهم عمل شئ فقد تساوت عليهم الارض وطمروا تحتها، وبعد حين اخرجوا الجثث المهشمة،عرفت ان عائلتي باكملها قد انتهت،ثم اخبروني بعد ذلك ان الغربان قد دمروا المنارة الحدباء وجامع النوري،كانت المفاجاة المؤلمة اقسى من المي وانا ارى المنارة عبارة عن ركام، ذلك الصرح الذي كان يربط الارض والسماء ،وكل ماحولها بات خرائب لاماذنةولاجامع ولاداريحيط بهاولازقاق ولاشارع،اشلاء من كل شئ اختلط الركام بالجثث،ابواب وشبابيك مهشمة،تراب وطابوق ورائحة البارود الخانقة تزكم الانوف،لقد اغتالوا المنارة في فجر العيد ثم ولوا هاربين بعد ان دخل الجيش العراقي لتطهير المدينة من دنسهم..
ماكان على رامي بعد ان خسر اسرته برمتها الا ان ياخذ ابيه معه وهو ماتبقى له من الاسرة ،الى تركيا في الشقة الصغيرة التي استاجرها وعليه ان يعمل ليل نهار لتامين مصروفهم اليومي..

…………. يتبع

شاهد أيضاً

مهند الخيكاني: استيقاظ النهر

بعد يومين من مشهد الجسر ، ذلك المشهد الذي رمت فيه الأم طفلين بأعصاب باردة …

عذاب الركابي: الصّبحُ .. ليلا ً

. الوقتُ ليسّ الوقت ْ ! الوطنُ ليسَ الوطن ْ ! . الدقائقُ صدأت ْ …

سعد جاسم: هايكو عراقي … هايكو كوني

-1- ملاكٌ أَبيض يهبطُ في مستشفى طبيبُ الأَطفال -2- كلٌّ ينتظرُ مصيرَهُ في مُستشفى الأَمل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *