صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي
(3) صورة جديدة (ملف/25)

كتب مسرحية (صورة جديدة) عام 1964و مثلت عام 1967، وتتكون من أثنتي عشرة شخصية ، وسبع لوحات، وتدور حوادثها في أسرة عراقية تتألف من الأب
والأم والأبن الشاب حكمت والأبن الصغير خلدون والأبنة رافدة حول رغبة الأبن بفتح محل خاص بأسمه بعد اشتغاله أثر رسوبه لسنوات في محل والده لبيع المخضرات ، ألآ أن الأب يرفض أن يلبي طلبه بذريعة أن الناس سيقولون أن اباه قد أفلس وفتح محلا بأ سم أبنه،ولأصرار الأب على رأيه تقف الأم الى جانب أبنها لتحقيق مسعاه ويؤيدها أولادها في موقفها هذا،ويحتدم النقاش بين الأب والأم ويبلغ حد طرد الزوج زوجته من البيت، حيث تنتهي اللوحة الأولى التي جاءت تحت عنوان :(المشكلة) لتبدأ اللوحة الثانية تحت عنوان(الخطوبة) التي تجري حوادثها في مكتب أبو حكمت وهو يكتب في دفتر سميك ويحسب النقود، ويجلس خلدون خلف الطاولة الثانية يلهو بطي ورقة وبين حين وآخر يقترب أبو نعيمة من المكتب وهو كاتب في المحل مترددا بالدخول، لربما بسبب وجود خلدون الذي يخرج ويقف قرب باب المكتب كمن أثاره موقف أبو نعيمة ، وعندها يستغل أبو نعيمة هذه الفرصة يدخل المحل ويفاتح أبا حكمت وبأرتباك موافقته الزواج بأبنته نعيمة البالغة من العمر تسعة عشر عاما، أي بفارق أربعين عاما بين عمر الأثنين، ولأن خلدون يسمع الحديث الجاري بين والده وأبو نعيمة يقوم وعلى وجه السرعة بنقله الى أخته رافدة، وتبدأ اللوحة الثالثة تحت عنوان (العقدة)، أذ بعد أن يجلبا خالد وخلدون نعيمة الى دارهما تقوم شقيقتهما رافدة بأستدراجها لمعرفة موافقتها أو عدم موافقتها من الزواج بأبيها وبالتالي مدى أرتباطها بعلاقة حب مع شخص آخر لتحثها على الفرار معه وبعد أن تتأكد من صحة المعلومة الأخيرة تطلب منها أن تلتقي بحبيبها جاسم لتوضح له ما أستجد من أمر، أذ يلتقيان في اللوحة الرابعة تحت عنوان(الضوء) في أحدى الحدائق، وفي اللوحة الخامسة التي جاءت تحت عنوان (الموقف)في بيت خال حكمت يحاول أبو خالد وهو صديق أبو حكمت أقناع أم حكمت بالعدول عن رأيها بالعودة الى زوجها، و في اللوحة السادسة (الزواج)وبعد أن يعرف الأب بهروب نعيمة مع الشخص الذي تحبه يعود الى أسرته في اللوحة السابعة (النتيجة) .
تبدأ المسرحية من قمة الازمة، أذ كما يبدو أن هذه ليست المرة الأولى التي يطلب فيها الأبن من أبيه فتح محل خاص به، ما يعني في عرف الأب المنحدر من الطبقة البورجوازية وذات الميول الرجعية أنه بهذا الطلب يخرج عن طاعته وسلطته وبالتالي التمرد عليه وتكوين حياة خاصة به وهذا ما لا يمكن أن يستوعبه عقله العفن .
وشروع المسرحية بجملة (لا أريد أن أسمع مثل هذا الكلام مطلقا )هي التي تخبرنا بهذا الموقف (قمة الازمة) لأنطلاق المؤلف( من النقطة التي يتحتم أن لا يسبقها شيء، ويتحتم أيضا أن يلحقها شيْ . . .)1،لذلك فقد بدأت المسرحية بصراع قوي وحاد في اللوحة الاولى ولكنه بارد في بقية اللوحات ، وهذا الصراع القوي والحاد قريب الى الصراعات القائمة في مسرحيات غوركي وببرودته قريب الى مسرحيات تشيكوف.
ولقيام بناء هذه المسرحية على وحدة الحدث بناء محكما بالترابط بين البداية وا لوسط والنهاية، موحيا المؤلف الى هذه الوحدة عن طريق تقسيمها الى لوحات وعنونة كل لوحة بمصطلحات قريبة الى مصطلحات المراحل التي تمر بها وحدة الحدث، فمن الطبيعي أن تأتي البداية كذلك ذلك (ان من لا يستطيع أن يبدأ لا يستطيع ان ينتهي . .)2، ألا أن حدة هذا الصراع يخفت تدريجيا (لأننا في الدراما نجعل هذه المشاعر تبدو طبيعية كجزء من الحدث فهي تتمشى مع الشخصية لأنها التعبير الطبيعي لها).3
وهذا ما سأحاول التصدي له . .
فأذا كان الأب في اللوحة الأولى قاسيا مع أبنه وزوجته، ألآ أنه لم يكن كذلك في اللوحة الثانية رغم أقدامه على خطوبة نعيمة .قد يبدو هذا الرأي غريبا بعض الشيء ولكن منحى شخصصيات المسرحية تؤكد ذلك .
أن تكرار جملة (أن هناك من سحر لأبيك) لمرتين من قبل عفتة الخادمة ،دليل على عدم قناعتها بطرد ابو حكمت زوجته وأبنه من البيت وبالتالي الأقدام على خطوبة نعيمة ، وقد جاءت عدم القناعة هذه لها وكما يبدو من خلال معاشرتها الطويلة لعائلة أبوحكمت ومعرفتها بمدى تعلقه بأولاده وزوجته، لذلك فمن المستحيل من وجهة نظر الخادمة وان كانت شخصية ثانوية فرأيها جزء من الحدث، أن يتخلى أبو حكمت عن أسرته اللهم سحره ساحر، ولخلو المسرحية من الساحر، بالأحرى وجود أمرأة أخرى تتودد الى أبي حكمت طمعا بثروته، يطرح هذا السؤال نفسه بألحاح :ترى لماذا اتخذ الأ ب هذا الموقف اللامعقول تجاه أسرته ؟
صحيح أن موضوع المسرحية هو الصراع بين الجيل القديم والجيل الجديد،والجيلان يلغي أحدهما الأخر، وبقدر أهمية هذا الألغاء يقف في الجانب الأخر أهمية مسوغاته، ومسوغاته هي رجعية العقل القديم المتمثلة بالأب وتقدمية العقل الجديد المتمثلة بالأبن، ولكن بفضل تجربة العاني الطويلة في التأليف المسرحي لا يكتفي بتوظيف هذا المسوغ الخفي وأنما يعززه بما يجعل الحدث يسير بشكل طبيعي وبأتجاه تبريده بدلا من تفويره،لغلبة الجديد على القديم من خلال تحجيم دوري الأبن والأم في هذا الصراع وأناطته برافدة أبنة أبو حكمت التي تحل المشكلة بعقلانية وهدوء،
وأذا كان السبب الأول في تبريد الحدث وسيره بشكل طبيعي أناطة حل المشكلة برافدة، فأن السبب الثاني يعود الى تحرك الأب على صعيد الخطوبة بسرية مشوبة بخجل تشي الى تهديد زوجته على عدم الوقوف بصف أبنها أكثر من الأقدام على الزواج ، بدليل ان الأب يحذر لمرتين
أبو نعيمة و على التوالي بعدم رفع صوته وهو بصدد الحديث عن خطوبة نعيمة . .
أبونعيمة:عمي أبو حكمت لم تكن هناك حاجة لأرسال ملا عبود ( يتحدث بصوت عال وحماس ) كان يجب أن تأمرني وأنا أطيع . .
الاب :لا ترفع صوتك
أبو نعيمة: نعم . .
ألاب:لا ترفع صوتك
وفي المرة الثانية في الحوار الدائر بين أبو حكمت وأبو نعيمة حول هروب نعيمة مع الشاب الذي كانت تربطها معه علاقة حب ،حيث لا يعير أبو حكمت هذا الموضوع الأهمية الذي يستحقه لدرجة أن ابو نعيمة يتفاجي ء
من موقفه
أبونعيمة:والله لم تكن راضية . .
الأب :هس بلا صراخ خذ الرسالة وأنصرف . .(يرمي الرسالة أليه).
أبو نعيمة: (يفاجأ بموقف أبي حكمت ) الى أين انصرف ،نعيمة راحت مع. .
يقول الكاتب الامريكي الذائع الصيت أدغار الن بو، ( ان العمل الفني له مستويان من المعنى _ المعنى الخارجي والمعنى الداخلي – والمعنى الخارجي يتألف من تصوير الواقع أما المعنى الداخلي فهو ما يفصح عنه
هذا التصوير ) 3.
وهذا ما ينطبق تماما ليس على هذه المسرحية فحسب وأنما على مسرحيتيه الأخريين،المفتاح والخرابة، فالمعنى الخارجي في المفتاح هو عجز الزوجين عن الانجاب ،والمعنى الداخي لها هو رحلة البحث عن الوهم، أما في الخرابة فأن المعنى الخارجي هو في المعاناة الاجتماعية التي يتعرض لها البشر في العالم والمعنى الداخلي هو نكسة حزيران عام 1967،بينما المعنى الأول في صورة جديدة هو الصراع القائم بين الأب وأبنه والثاني في الصراع القائم بين الجيل القديم والجيل الجديد .
تستغرق أحداث هذه المسرحية (23)يوما بحسب توزيع المؤلف للفترة التي أستغرقتها كل لوحة من لوحات المسرحية، أذ تبدأ اللوحة الثانية بعد مرور عشرة أيام على اللوحة الأولى واللوحة الثالثة بعد أربعة أيام من مرور اللوحة الثانية واللوحة الرابعة في اليوم التالي والخامسة في اليوم الثاني والسادسة بعد أسبوع .

شاهد أيضاً

رحلة الكينونة المعذبة من منظور أخر
الإرسي: سيرة الذات وعناء الآخر في التجربة الإنسانية
د.علاء جواد كاظم* (ملف/109)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

الدكتور زهير شليبه: حوار قديم مع الشاعر الدانماركي بني أندرسن أجراه الدكتور زهير شليبه (ملف/2)

بمناسبة رحيل الشاعر بني أندرسن يوم الخميس في السادس عشر من آب 2018 مقدمة لا …

قصة قصيدة وطن رائية العرب.. قصة المشروع
فكرة القصيدة ومطلعها وخاتمتها الدكتور صالح الطائي(ملف/13)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *