رياض رمزي : مقتل الشاعر

 ليت السماء الأرض ليت مدارها\ للعبقري به مكان شهاب
  يوما له ويقال ذاك شعاعه\ لا محض أخبار و محض كتاب
                       محمد مهدي الجواهري
اتخذ تكوّن الدولة الروسية الشكل الإمبراطوري قبل المرور بمرحلة الدولة القومية. عندما انهارت الإمبراطوريتين الخارجية( المعسكر الاشتراكي) والداخلية( الجمهوريات السوفيتية السابقة) أصيب الروس بإحباط عظيم. كي تحافظ الأمة على توازنها بدأت بعملية رجوع إلى الماضي. في آخر أكبر استطلاع للرأي طلب من الروس التصويت لصالح أهم ثلاثة ركائز، في تاريخهم، أكسبتهم تماسكا روحيا. فكانت النتيجة التالية: ثلاثة أشخاص يأتي في مقدمتهم بطرس الأكبر ثم بوشكين وبعده لينين. لم يصب أحد في روسيا بالدهشة. فكما قال أحد المثقفين” نعم لان حزننا على شاعرنا مستديم، فنحن أمة عظيمة”. لماذا بوشكين؟ كيف يأتي لينين بعده؟. فيما يلي جزء من الإجابة؟
افرد له الديسمبريون مكانا في أكثر وثائقهم خطورة. بين محاضر اجتماعاتهم وخططهم السرية لإسقاط الحكم القيصري فقد وجد المحققون، بعد فشل انتفاضتهم، قصاصات تحوي أشعاره. وصف الناقد الروسي بيلنسكي روايته الشعرية(يفغيني أنيغين) بكونها دائرة معارف للحياة الروسية. كانت شاعريته مصدر الهام لعدد من كبار المؤلفين الموسيقيين بدء بغلينكا الملقب بأبي الموسيقى الروسية الذي ألف صيغة اويرالية لقصيدته الرومانسية( روسلان ولودميلا) والتي تعتبر نقطة البداية للموسيقى الروسية. من قصيدته عفريت الماء أستلهم غلينكا، كذلك، إنجازه الموسيقي المهم( روسالكا). وشرع قبل وفاته بفترة وجيزة بكتابة اوبرا (الضيف الحجري) أكملها عقب وفاته ريمسكي كورساكوف الذي أستلهم بدوره من شعر بوشكين أوبرا( القيصر سلطان). أما قصيدته المأساوية( يفغيني أنيغين) فقد صاغها جايكوفسكي عملا اوبراليا رائعا. وقصيدته الاخرى( بوريس غودونوف) أصبحت موضوعا لمقطوعة أوركسترالية شغلت رائد الموسيقى الروسية مزورسكي أربع سنوات. عندما جاء البلاشفة إلى السلطة تحركت آلتهم الثقافية الضخمة لاسترداده ميتا وتحويله إلى أيقونة حية لبناء أسس نظرياتهم في الأدب من جانب، ولتحميل النظام القيصري وزر موته من جانب آخر. أقام ستالين في عام 1937، ذروة سنوات التطهير، احتفالا عظيما بمرور 100 عام على وفاته، في نفس الوقت الذي كان يرسل فيه  إلى معسكرات الاعتقال النخبة المثقفة كي تتحمى بأشعار الشاعر من برد ووحدة معسكرات غولاغه سيئة الصيت. عندما سمع السفراء المعتمدون ،آنذاك، في روسيا نبأ وفاته كتبوا إلى حكوماتهم”  فقدت روسيا شاعرها الأعظم  في عز عطائه… يعود سبب موته إلى طبع عنيف مرده دماؤه الهجينة الأفريقية…غيرته القاتلة على زوجته الفاتنة… وصلت شكوكه حد الجنون على علاقة مفترضة بين زوجته نتاليا نيكولايفنا غونتشيروفا وعديله الضابط الفرنسي جورج دي أنثيس” . عندما مات تجمع عشرات الألوف لمرافقة نعشه المحمول على فرس مطهمة. حدث شئ يشبه ما  قاله الجواهري  بعد أكثر من مائة عام : صرعت فحامت عليك القلوب\ وخفّ لك الملأ الأعظم. لم تستطع الجموع تحمل انقطاع نبعه الشعري. هجمت على الفرس، حلّت أطقمها وسيورها ورمتها في نهر النيفا، وهو أمر جعل أحد البسطاء الروس يقول واجما ” يا الهي لقد شاهدت موت عديد من العسكريين، غير أني لم أشاهد جنازة كجنازة هذا الجنرال”. شعرت الدولة المشغولة ،آنذاك، بكيفية الحفاظ على سلطتها أن تململا يثيره شاعر كهذا يمكن أن يودي بعروش وممالك، غير قادرة جيوش وقوى معادية منظمة على إنجازه. قررت السلطات، على عجل، نقل الجثمان من الكنيسة المركزية في قلب بطرسبورغ وإعادة دفنه  في الضواحي. تحول القاتل إلى أسم ملعون. فهو لم يودي  بحياة الشاعر مرة واحدة، بل في كل مرة تسمع أو تقرأ قصائده، في كل مرة تصدح فيها سمفونية أو أوبرا ألهمتها أشعاره.                                                              
 تعج كتب السيرة الذاتية المكتوبة عن الشاعر من قبل أغلب الباحثين الروس والأجانب بما يشير إلى موت الشاعر  كحدث قديم قدم الزمان الغابر. وهي محاولة لاواعية ( ربما بسبب طريقة موته) تهدف إلى رفعه إلى مرتبة القديسين. فموته  لا علاقة له بعلل خارجية، بل هو حدث أزلي، فعالية منافية للمألوف تتجاوز ابتذال الحادثة الطارئة ذات الأسباب مدركة الكنه.                                                 في عام 1989 أذن للبروفيسور الإيطالية سيرينا فيتيل  بالبحث في أرشيف عائلة هيكيرن، السفير الهولندي في البلاط الروسي ، الذي قام بتبني القاتل. أكتشفت الباحثة ، بعد بحث مضن، مجموعة من رسائل أرسلها الابن المتبّنى إلى والده ، وهي رسائل أتاحت لدارسي بوشكين رؤية جديدة لشكل العلاقة بين كل من الزوجة والشاعر والقاتل. تبدأ  رسالته الأولى بتاريخ 20\1\1836 أي قبل عام من موت الشاعر، ويقول فيها ” وقعت في حب جنوني… لن أقول لك مع من، لأنني أخاف ضياع هذه الرسالة. لكنك ستعرف أسمها ، لا محالة، فهي اكثر المخلوقات جمالا في بطرسبورغ. ما يؤلم إنها تبادلني الحب أيضا، بيد أننا غير قادرين على اللقاء لأن زوجها ذو غيرة قاتلة “.                                                                                         
  
الشاعر                                                                                              
 
لم تكن أسرة الشاعر بلا تعقيدات. فالعلاقة بين ألأم والأب لم تكن ألا انعكاسا لأخلاقيات ذلك العصر مضافا أليها تعقيدات أسرية تنبع من طبيعة الوالدين أنفسهما. كان المجتمع الروسي، آنذاك، تحت تأثير مباشر من المجتمع الفرنسي حيث التهتك والرؤية الفرنسية لأمور الحياة رائجتان في ذلك الزمان. كانت حياة الفئات العليا من المجتمع متخمة بالمعاصي. الأب من النوع الذي يخشاه الكل ليس لهيبة مردها إنجاز شخصي، بل لأنه بلا فضائل مميزة  خلا القسوة والنزق اللذان طبعا شكل علاقته مع أفراد الأسرة. يتمتع الرجال في عائلة الوالد بسمعتهم السيئة في تعاملهم مع نسائهم. فاحد أجداده حبس زوجته حتى الموت لشكه بوجود علاقة عاطفية مع مدرسها للغة الفرنسية. تجاوز والد الشاعر العيش  بنمط حياته حدود استطاعته المالية. بات الغضب والبرم بالحياة المعاشة سببا آخر لتوجيه النقمة نحو أقرب الناس. وأهمل شؤون البيت والعمل حتى انه أخفق في أداء مهامه كضابط في الجيش فعين بوظيفة مدنية براتب اقل. أما ألأم فيرجع نسبها إلى إبراهيم هانيبال الذي اختطف من أحد الدول الأفريقية لصالح لويس الخامس عشر، وأرسل إلى القاهرة، أين أخذه الأتراك إلى اسطنبول، كي يلحق بقسم الحريم لدى السلطان. وجده السفير الروسي هناك فاعجب به . بعثه إلى روسيا حيث ألحقه بطرس الأكبر في خدمته. عانت ألأم من  الشقاء في طفولتها. فوالدها  الضابط في الجيش والذي أشتهر بكثرة مروقه وخياناته المتعددة لزوجته قام بطردها مع ابنتها( أم الشاعر) من البيت. دفعت الحياة البائسة ألأم إلى تلقين أبنتها بما يكفي من النصائح لجعل وجودها أمام زوجها المقبل ملموسا، عن طريق جعل المحافظة على التصنع، الشكليات والمظهر نزعة سائدة في السلوك. أفرطت ألأم في استخدام نصائح أمها على نحو متقن، لاكتساب سيطرة غير ناقصة على مستقبلها. لم يكن هذا الترتيب مريحا للبيت الغاطس في فوضى شاملة. محولة، بنفس الوقت، عواطف الأمومة إلى تفضيلات خاضعة للأهواء. كانت تفضِّل أولغا على أخيها ألكساندر، المعامل دائما بنفاذ صبر. عندما رأته يمسح يديه دون استخدام منديل، عقدت يديه خلف ظهره لمدة يوم كامل. ثم أتبعت ذلك بإظهاره أمام الضيوف دون اكتراث. هكذا حولت ألأم دارة البيت إلى مسرح لنزواتها، الأمر الذي دفع الشاب الكساندر إلى هجر البيت العائلي عند إكماله الدراسة وحصوله على عمل في وزارة الخارجية بمرتب 700 روبل في الشهر  وهو مبلغ غير كافي لمجاراة ما يتمناه من أسلوب عيش باذخ  كان سائدا لدى الفئة الأرستقراطية آنذاك. كان الشاعر رغم وجهه ذي البشرة النحاسية وعينيه الزرقاوين اللتين تتوسطان وجهه  المولّد الصغير المشدود نحو الأسفل وشعره الكث بلونه الشبيه  بلون الحبر الصيني وقامته القصيرة، فانه كان يأخذ على محمل الجد في مجتمعات النساء لقابلياته الفذة الملفتة للانتباه لعذوبة حديثه و تنوعه. بيد أن هذا لم يكن سعيه الأول، بل العمل الفكري- ممارسة الشعر.ففي غرفته الصغيرة كان فراشه مغطى بقصاصات عليها أبيات أو مشاريع لأعمال شعرية غير منجزة. كان بعد ليالي القصف يأتي إلى غرفته كي يقضي أياما طوالا مبالغا في التزامه بإنجاز أعماله غير المنجزة.  فمن يقرأ عملا كروسلان ولودميلا ،على سبيل المثال، وهو عمل يتألف من 3000 بيت شعري، يجد انه نتاج ذهن متأمل ومستريح. هذا وهو العمل الذي نفذت طبعاته حال صدوره مما حدا بالقراء على استنساخه. بدا الكتاب يباع بـ25 روبل للنسخة الواحدة ممهدا الطريق لخلق تجارة السوق السوداء للكتب. لكنه رغم الفائض الغزير من المخيلة لم يستطع مجاراة تلك العرافة الألمانية التي أجلسته ذات يوم شتوي،  حيث لجاجة الثلج المتهاطل في الخارج لم تكن لتثنيها عن التنبؤ بمصيره بسطور تشابه أو تفوق ما كتبه هو عن  يفغيني أنيغين التي تقع في حبه أولغا زوجة صديقه الشاعر  لينسكي، وتبادله الرسائل الغرامية، كي يكتشف زوجها ذلك فيتحداه لمبارزة يقتل على أثرها الشاعر. قالت له العرافة بحضور أخيه ليف” تذهب منفيا إلى الشمال. زيجتك تنتهي قبل فوات الأوان. تموت على يد رجل طويل أشقر”. دفعته النبوءة، رغم عدم أيمان الشاعر بالرقى والتعازيم، لتحدي كل أشقر طويل كي يؤكد لنفسه هشاشتها. وهي حالة تشبه هوس البلابل المتجهة بجنون نحو أماكن نصبت لها فيها أفخاخ ترسل إشارات على شكل نداءات يلتقطها العقل المهووس كي يقنع نفسه ”  كلا حتفي ليس هنا”. أن ما جعل هذه النبوءة تسير في طريقها المرسوم هي طباع الشاعر العنيفة المتجاوزة حدود الشجاعة  نحو جسارات مميتة تستهين بالخطر. كي يلقي بمشاعره الغامة لمزاجه نحو الخارج فهو لم يفعل شيئا عدا إلحاق الأذى  بنفسه كالجمرة اليائسة لا تتغذى إلا على فنائها. يشبه الشاعر رساما أدمن الألوان القانية ولم يعد يستثار إلا عند رؤيتها. فهو الوحيد الذي رأى- على سبيل المثال- إن الملمح الوحيد الجدير بالذكر من حاكم البلاد المطلق القيصر ألكساندرألأول هو تخاذله في معركة اوسترلتز. نظم الشاعر قصيدة كانت كافية لتعفير وجه القيصر في التراب أمام المثقفين الذين سرعان ما حفظوها عن ظهر قلب. لم يتأخر القيصر طويلا عن القيام بجرده لحسابات هذه المواجهة غير المجدية مع شاعر أشبه بقاطع طريق يعتبر معركته مع القوافل صراعا طويل النفس ينتصر فيه عن طريق  اللجاجة والنفس الطويل لبس آلا. حاولت السلطات رشوة خادمه للحصول على نسخة من القصيدة كشهادة إثبات جرمية. رد على ذلك الشاعر بإحراق كل أوراقه بعد أن أخبره الخادم. عندما أستدعي أمام المدعي العام قال بوشكين وهو رابط الجأش” أتت  النار على أوراقي كلها ماعدا هذا المستودع- مشيرا الى رأسه- فهو يحوي كل شيء”. عندها أتخذ القيصر قرارا بنفيه الى الجنوب. لم يكن هذا القرار، في نهاية المطاف، ألا أمرا منحولا إلى القيصر. فهو لم يفعل سوى  تثبيت كارثة أزلية، دونت في مكان ما، فانتبهت العرافة الى وجودها ثم أكدتها فحسب.                                                                                                     
 نفي الشاعر الى الجنوب صوب مدينة يكاتيرينوسلاف تحت رقابة عسكرية ورسالة موجهة من وزير الخارجية الى الحاكم العسكري الجنرال أنزوف يرسم فيها صورة شخصية للشاعر، لا تترك للحاكم الكثير من الحيرة فيما يتوجب عمله حيال الزائر الجديد” حياته المريرة- كما تقول الرسالة- مع والديه اظطرته إلى هجران البيت بدون أسف. فقلبه المحروم من الحنان جعله يتعلق بشدة بالاستقلالية..جاء إلى هذا العالم وهو مزود بخيال ملتهب.. لا توجد ذرى عصية على مواهبه..جعلت قصيدته الغنائية عن الحرية السلطات توليه اهتمامها اللازم”. لم يأخذ الشاعر معه، في سفرته، غير قائمة دون جوان الشهيرة التي ضمّت أسماء النساء اللواتي أحببنه أو أحبهن. أنتقل الشاعر من هناك إلى كشنيوف في مولدافيا حيث تعرف على الموسيقى والرقص الغجريين. يقال أنه قضى فترة طويلة في تجمعات الغجر الرحل. ينتقل بعدها إلى أوديسا. ينتج في هذه المرحلة أعمالا عظيمة كسجين القفقاز ونافورة بقجة سراي، الغجر. يبدأ العمل على ملحمته العظيمة يفغيني أنيغين وهو في سن الرابعة والعشرين كي ينهيها في سن الثانية والثلاثين .وهي رواية شعرية تحكي عن حياة غندور من بطرسبورغ يذهب إلى ريف قريب يتعرف هناك على شاعر عاطفي هو لينسكي. وفي إحدى الحفلات يبدأ بمعابثة أولغا التي تربطها علاقة حب بالشاعر. لكن أخت اولغا وأسمها تاتيانا تقع في حبه بدون إن يبادلها الحب. تدفع ملاحقته لأولغا بالشاعرالى طلب المبارزة التي  تنتهي بموت الشاعر. بعد عدة سنوات يرجع أنيغين إلى بطرسبورغ حيث يلتقي بتاتيانا التي تزوجت من رجل ذي غنى وجاه. يجد انيغين أن الفتاة أصبحت اكثر جمالا من السابق فيقع في حبها بجنون ، لكنها ترفض خيانة زوجها.                                                                                             
في1 ديسمبر\ كانون أول من عام 1825  يموت القيصر الكساندر الأول ويتولى الأخ الأصغر نيقولاي الأول العرش. يسمع بوشكين بخبر الوفاة في 27 تشرين الثاني\نوفمبر. يقرر السفر إلى بطرسبورغ في 1 كانون الأول\ديسمبر. في طريقه  نحو المدينة يعّرج بوشكين على قرية ميخائيلوفسكيه. لو لم يتخذ الشاعر قراره بالذهاب إلى ميخايلوفسكيه لكان وصل المدينة في 13 كانون الأول\ديسمبر ولذهب إلى بيت صديقه الأقرب ريلييف حيث كان الثوار الديسمبريون يعقدون اجتماعا لمناقشة الخطة النهائية لثورتهم ضد القيصرية يوم 14 وهو يوم أداء القيصر الجديد القسم. عندما حدث تمرد الديسمبريين لم تشارك سوى فرقة عسكرية واحدة. تم القضاء على التمرد الذي قاده وشارك  أصدقاء له أعدم جزء منهم ونفي الباقون إلى سيبيريا.                                                                                                    
 لدى قراءة محاضر التحقيق، وجد القيصر أن المصدر الفكري للديسمبريين وبدون استثناء- حسب اعترافهم-  قصيدة بوشكين الغنائية عن الحرية. رغم عدم اهتمامه بالشعر والشعراء أصاب القيصر الذهول لرؤية علية القوم- الديسمبريين- وهم يتقدمون بثبات نحو الموت تحت تاثير عمل شعري. أصدر القيصر أمرا في 3 أيلول\سبتمبر 1826 بدعوة الشاعر للقائه في موسكو. أستغرقت سفرة الشاعر من بطرسبورغ خمسة أيام. بمجرد وصوله يستدعيه القيصر يوم 8 أيلول\سبتمبر. في الساعة الرابعة عصرا يدخل شخص ذي شعر طويل وسحنة  داكنة لم تغيرها عدة أجيال من الزواج المختلط، وبمنظر جانبي لوجهه ورأسه أشبه برليف فرعوني. كان يتنفس تنفس من يعاني من مرض مزمن. لم يكن هذا المخلوق القصير القامة ذي الهيئة المدهوشة غير شاعر روسيا الأعظم الكساندر سيرغييفتش بوشكين.أستمر اللقاء ساعة واحدة لم يصلنا من مضمونه سوى جملة واحدة قالها القيصر لأحد ضباط حاشيته” هل تعلم؟ البارحة قابلت من هو اكثر الرجال ثقافة في روسيا”. هناك 28 رواية لما دار بين الرجلين . كيف تصرف الشاعر؟. جلس مسندا ظهره على كرسيه في جلسة مستريحة مثل كشخص مستند إلى جدار منتظرا مجيء أيام أفضل . شبك يديه وظل يتكلم في وضعية واحدة مستريحة لم يغيرها طوال حديثه، غير معوّل على فضل أو إعجاب من أحد.. تتفق الروايات الثمانية والعشرين على المحاورة التالية:                                                                                      
القيصر- أنا أعرف أنك تكرهني لأنني شردت أصدقائك، صدّقني أنا أحب روسيا ولست عدوا لشعبها، أريد لها الحرية ولكن قبل ذلك أريد لها أن تكون قوية. بعد فترة صمت تابع القيصر قائلا: هل المتآمرون أصدقاؤك.
الشاعر- احب وأحترم الكثير منهم وما زلت أحمل نفس الشعور.                                
القيصر- ماذا كنت ستفعل لو كنت هناك يوم 14 ديسمبر\ كانون الأول.                         
الشاعر- لم اكن سوى أحدهم. الولاء والصداقات هي قضية شرف يا صاحب الفخامة.           
ربما نظر القيصر ألان إلى الشاعر،الذي دفع باناس مرفهين نحو الموت ووجد ان سلطته بحاجة إلى مداراة شروره التي يمكن لها أن تباغت أية سلطة عندما تكون بلا  احتياطات. سأله :
–         ماذا تكتب الآن؟
 الشاعر- القليل                                                                                                  
القيصر- لماذا؟                                                                                       
الشاعر- الرقابة                                                                                      
القيصر- أبعث لي بما تكتبه فأنا رقيبك منذ اللحظة.                                                
                                                                      
                                                   
هكذا أضافه إلى مشاغله في أداره بلد يبلغ سدس مساحة العالم يقرر حاكم البلاد المطلق قراءة أعمال شاعر كي يقرر مدى خطورتها على عرشه. عندما خرج القيصر مودعا الشاعر وجّه الكلام إلى ديوانه الإمبراطوري قائلا: اقدم لكم بوشكين الجديد، دعونا ننسى القديم.                              
خرج الشاعر كي يكتب المأساة الشعرية الرائعة بوريس غودونوف  التي دفعها إلى القيصر الذي اكمل قراءتها في ثلاثة أسابيع.                                                                                                        

الزوجة( ناتاليا نيكولايفنا غونتشيروفا )
                                                                       
في سنة 1828 ذهب بوشكين في موسكو إلى حفلة رقص شاهد فيها ولأول مرة زوجته المقبلة ناتاليا ذات الستة عشر ربيعا. كان جمالها المتوهج من بشرتها المصطبغة بحمرة العافية وبرائحة عطرها الياسميني مصادر كافية لتقويض وقار الرجال وإدخال الهذيان إلى قلوبهم. كانت تلبس ثوبا من الفراء مزّررا حتى العنق، تعتمر عمامة مرصعة وهي تشبك صدرها بحقيبتها، حيث لم يكن  من سبيل أمام الحضور غير الخضوع لهيمنة هذا الاكتشاف المثير. كتب بوشكين عنها” أدارت رأسي عندما رأيتها لأول مرة بجمالها المخيم بثقله على الحضور. أحببتها”. عاد إلى بطرسبورغ التي قضى فيها فترة قليلة حيث قرر بعدها العودة إلى موسكو كي يطلب من صديقه الكونت تولستوي تعريفه بعائلة غونتشيروف. قام بطلب يدها للزواج أثناء ذلك اللقاء الأول. لم يكن عملا كهذا في معايير طقوس العشق غير عمل أخرق. فالشاعر الذي حمل قائمة دون جوان في جيبه تصرف كعاشق غير عابئ باحتياطات سبق له أن نادى بها” كي تكون لك حظوة لديهن، تباطأ”.                                                                                                     
ناتاليا واحدة من ثلاثة أخوات. أذهب الإدمان المفرط على الكحول بعقل والدها . حلت ألام محل زوجها مسندة  لنفسها صلاحيات رجالية. انشغلت ألام بإعدادهن مهنيا وتلقينهن كيفية الحصول على أزواج موسرين. لكن نتاليا لم تكن بحاجة لنصائح كهذه. فجمالها ذو الألوان غير المرقّقة ليس بحاجة إلى تصنع ، بل إلى حسن استخدام: ابتسامة آسرة، بساطة ذات مغزى، إشارات مفعمة بدهاء مضمر، نظرات عفوية غير أنها فطنة وذات قصد لأنها موجهة إلى الكل والى لا أحد.                                                                                                      
ترددت ألام كثيرا في قبول العرض. أطلق عليها بوشكين اسم كارس، وهي تحصينات أقامها الأتراك في أرمينيا لكنها سرعان ما تهاوت أمام هجمات الروس المتكررة. عاد الشاعر إلى بطرسبورغ حيث نقل أليه أن ناتالي قبلت عرضا للزواج من شخص آخر. قرر معاودة العمل على دك تحصينات ماما كارس. كتب رسالة طويلة إلى الام عارضا مجمل أوضاعه خاصة المالية منها، أردفها برسالة شفاعة كتبها له وزير الداخلية يبين فيها نية السلطات الحسنة تجاه الشاعر. تم قبول عرضه للزواج في 16 أبريل\نيسان 1830.                                                            
لماذا وافقت على الزواج من بوشكين؟. هل هي بحاجة إلى شهرة لم يكن بمقدورها الوصول إ

 

شاهد أيضاً

حسين سرمك حسن: هل تصدّق هذا: المحتلون الفرنسيون يقطعون رؤوس الجزائريين ويحتفظون بها في المتحف الفرنسي؟
يحتفظ متحف الإنسان الفرنسي بـ18 ألف جمجمة من الشعوب المحتلة قطعوا رؤوس أصحابها؟
تمّ التعرّف على 32 منها لقادة جزائريين قُطعت رؤوسهم!

(مدير المتحف الفرنسي وسط الجماجم المحفوظة في علب كرتونية) جماجم” الجزائريين في فرنسا.. نسخة “داعشية” …

حيدر حسين سويري: عدوٌ محترمٌ خيرٌ من صديقٍ ذليل

قيل: عدو جائر خير من صديق خاذل. وذلك لأن سهم العدو يصيب الجسم، أما سهم …

مدارات في الذاكرة والكتب الصفراء
حمود ولد سليمان “غيم الصحراء”

1/مدار الحكاية : (..انتشر السحر في عبيد أهل المدن من شنقيط وفشا حتي ان العبد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *