د. صالح الرزوق: رسائل ودروس الرواية: قراءة في كتاب «رسالة وجودنا الخطيرة»

■ يبدأ حسين سرمك حسن كتابه «رسالة وجودنا الخطيرة» تحليل رواية «رسالة» للكاتب قصي الشيخ عسكر من بعض المصلطحات. وينظر بعين الشك لفكرتين مهمتين:
الأولى أن عنوان النص ليس بالضرورة بمثابة عتبة أو ثريا. والعناوين غير مرتبطة مع المحتويات في كثير من الأحيان. ويمكن أن يتكلم النص عن شيء وتفهم منه شيئا آخر. وبغاية التوضيح أذكر روايتين لكورماك مكارثي ونجيب محفوظ، وكلتاهما بعنوان واحد هو «الطريق» . الأولى عن دايستوبيا تأويلية، تنظر للماضي وكأنه هو المستقبل المحتم، بينما الثانية هي بحث عن الذات المفقودة في الحاضر الممزق الذي يتحكم به أموات.
الفكرة الثانية هي أن الراوي ليس دائما هو صوت الكاتب، حتى في أدب السيرة يكون هناك الكثير من التستر بسبب الحياء والخجل والتابو، إن لم يكن بسبب رقابة الشعور وتكتمه. وصوت الراوي لا ينقل أفكار الكاتب، في كل الأوقات، إن لم نضع معه أصوات بقية الشخصيات، وبنية العمل وسياقه إجمالا، كما تبين مدرسة الجشتالت المعروفة، فمعنى أي جزء يتحقق من خلال بقية الأجزاء أو الكل، وأيضا يمكن للراوي أن يخالف الكاتب بكل معتقداته ومواقفه الإنسانية، كما تجد حتما في «لوليتا» نابوكوف. ولا يوجد شخص واحد عاقل يؤمن بأن همبرت بطل «لوليتا» هو نفسه فلاديمير عاشق الطبيعة والفراشات، الذي نتعرف عليه في سيرته الذاتية «تكلمي أيتها الذاكرة». والنزوع التدميري المشبع بالعنف والاستهتار ثم الندم والعدمية في «لوليتا» لا يشبه التوجه الإنساني والنخبوي للمذكرات.
بعد ذلك ينتقل سرمك لموضوع الكتاب، وهو الحرب الباردة. ويبدأ من المختارات التي صدر بها قصي الشيخ العسكر روايته «رسالة» تحت عنوان «تهويمتان». ويلاحظ أن الرواية استعملت التهويمات للانتقال من مسرح أحداث إلى غيره. وهي 3 دوائر مكانية: العراق (بلد الراوي) وروسيا (بلد الإيفاد للدراسة) والدنمارك (بلد اللجوء، حيث يبتسم الحظ للراوي ويجد عائلة تتبناه). وينظر سرمك للحرب التي هرب منها الراوي وكأنها باب من أبواب الجنة. فقد سهلت له اللجوء والعودة إلى جنة الطفولة وإلى رعاية الأم. وكانت قسوة الطبيعة في أيام الجليد والثلوج تجد ما يلغيها، ومن ذلك البيت الدافئ (أحضان الأم) والحدائق الغناء (خمائل الطفولة). وينتهز سرمك هذه الفرصة ويحدد رمزية شخوص الرواية على النحو التالي:
2 من الشرق+ 2 من الغرب.
2 من الديكتاتوريات العسكرية المؤمنة بالعنف لحل المشاكل+ 2 من الأنظمة الديمقراطية، التي تؤمن بحق الاختيار وتضمن الحد الأدنى من الحرية.
وقد عملت هذه التعاكسات مثل مرايا متقابلة، وكان الظاهر يعكس الباطن. وهنا ينتبه سرمك لأساس النموذج الفني للرواية، وهو تعاكس الضمير مع الشعور بالذنب، أو حالة الندم المازوشية التي تقود الإنسان أحيانا لإلحاق الضرر بنفسه. ويستنتج أن المحرك الذي جر الأحداث من وسط الحبكة إلى نقطة التنوير هو الأنا الأعلى. وهذا يصدق أيضا على لحظة أحلام اليقظة التي تورط بها الراوي مع اليزابيث، ابنة باول الدنماركي. ولك أن تتخيل الاضطراب الذي سيقع فيه. كانت أحلامه مثل حجرة سقطت في بئر جاف، لها دوي، ولكن لم ترسم الدوائر الوهمية والمؤقتة في ضميره، لقد ذكرته بمغامراته السابقة في موسكو، وبتجاربه اللامتناهية مع النساء هناك، وفي الوقت نفسه غطت الأنا الأعلى ببرقع من الشعور بالربح. لقد فاز بمعركته على السرير وفي غرفة النوم. وهذا يتيح لنا التمييز بين الأنا المثالي (الأعلى – سوبير إيغو) وهو صفة تشترك بها كل الأمم، وتقع مسؤولية تفسيره على عاتق النمط، ومثال الأنا (يسميه سرمك في لمحة عابرة: الأنموذج) أو القدوة البراغماتية التي تختلف من أمة لأمة.

لقد كان يهرب من الموت ولكن ليذوب في بوتقته. وبقيت في هذه المسألة نقطة لم يتطرق لها سرمك، أن هذا البطل الضعيف يرى في الهرب رجولة.

ولذلك ومن وجهة نظر الحضارة يمكن أن نجزئ متلازمة فرويد (أو تناذر الصدع نتيجة عصاب المعرفة) إلى تفكير، وأداء بحيث لا يتساوى الاثنان، كما يفهم فرويد من معنى الضمير. وهكذا يمكن للشخصيات التي تعيش في الواقع أن تعزل أناها الأعلى عن قدوتها، وأن تعطي الضمير إجازة قصيرة حتى استكمال الأدوات، أو حلول الوقت المناسب. وهو ما يدعوه سرمك بالانتقائية ويعزوه لظاهرة يقول عنها العمى النفسي. ويعرفها بالشكل التالي: أن لا يرى الفرد من جرائها غير مشاهد يريد أن يراها، وهي التي تحدد له الأفكار والدروس والعبر «الناقصة والمجتزأة حتما». ونجد في الرواية عدة طرق في هذا الاتجاه:
أولا بالاختباء في صندوق المعرفة. فالسفر من بغداد إلى موسكو للدراسة لم يكن إلا حجة واهية للتملص من الالتزامات.
الطريقة الثانية، بالاختباء في صندوق الديمقراطية. والفرار من موسكو إلى الدنمارك تحدوه حجة مضحكة، وهي عدم المشاركة في حرب الديكتاتور.
أما آخر وثالث طريقة فهي التواري في صندوق الحضارة. ولم يكن هذا المفهوم واضحا في الرواية، وهو أشبه بموشور متعدد السطوح. فهل كان يعني بالنسبة لشخصية الراوي الهشة والضعيفة، الحياة، غريزة البقاء، المسرات اليومية التافهة، أو إشباع مبدأ السعادة (الفرويدي المبسط)؟ لا يمكنك أن تحدد بالضبط لأن كل الشخصيات كانت ثابتة في مواقعها، وتحمل هوية واضحة، مع انتماء متبلور وجازم، باستثناء الراوي. فقد مرّ بعدة تحولات بدون أي باعث واضح. ويمكن القول إنه ببنيته شخصية مركبة، أينما انبثق نور الحقيقة يهرب منه. لقد كان مدمنا على تبديل معارفه وخلفياته، ودائما يحجب الحقيقة في ساعة الشدة، ويترك لأساليب التلاعب بالواقع أن تعمل عملها. وبدون أي تردد أضع الراوي بين الشخصيات المرجئة. كان يعزم على فعل ما ليؤجل نفاذ مصيره أو قدره. وإن تتبعت خطواته تجد أنها ترسم خطا مستقيما بين عدة نقاط مشتعلة.. الحكومات العسكرية، النزاعات المسلحة، والحرب الباردة. لقد كان يهرب من الموت ولكن ليذوب في بوتقته. وبقيت في هذه المسألة نقطة لم يتطرق لها سرمك، أن هذا البطل الضعيف يرى في الهرب رجولة. ومثل هذه الادعاءات تدل على ضعف نفسي وخلل في الهوية والانتماء. وهذا يضعنا أمام سؤال مباشر: ما معنى أن تنفصل معرفيا عن ذاتك السابقة، ولا تجد أي مفصل أو عروة ارتباط؟ ويمكن تعديل سؤالنا ليصبح كما يلي: هل يوجد شيء يفصل بين الحرب والموت؟
أعتقد أنهما وجهان لعملة واحدة، ولذلك يمكن اختصار مضمون الرواية بعنوان عريض: إنها عن الموت، وليس عن العائلة. وهي بذلك رواية ذات هم وجودي وحضاري، وتتحرك من فوق خط السياسة. بمعنى آخر: هي رواية عن استراتيجيات وليس شخصيات، وعن موضوع وليس عن أحداث. ومن الصعب أن لا نفهم دور الموت في كل شيء. حتى أن الرسالة (موضوع الرواية) كانت مجمدة لخمسين عاما، ولم تصل إلا بعد موت المرسلة إليه. وتستطيع أن تقرأ في ذلك: أنها أداة تبليغ مجهضة وميتة ولا جدوى منها، أو أنها عمل عقيم. وما الجدوى من مخاطبة ميت؟ وبتعبير سرمك نفسه: الأموات لا يشمون الزهور. وهكذا تسقط رسالة الانفتاح واستراتيجية ما بعد الستار الحديدي، وتسقط الكلمات في آذان لا تسمع.

٭ صدر الكتاب عن دار أمل الجديدة في دمشق بالتعاون مع مؤسسة المثقف العربي.

*عن صحيفة القدس العربي

 

شاهد أيضاً

عبدعلي حسن: مابعد (المطبوع)

لا يخفى على أحد التحول الحاصل في وسائط الإتصال بين البشر ، فقد بدأت شفاهية …

الدكتور زهير ياسين شليبه*: بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل شاعر الشعب الدنمركي الساخر بني أندرسن 1929-2018 (ملف/1)

قصائد للشاعر الدنمركي الساخر بني أندرسن الأعداء الأعزاء أنا أحترمه أكثر من اللازم كان دائما …

ثامر الحاج امين: رواية (مصير بلقيس)… صرخة احتجاج بوجه العنف

عن دار ميزر للنشر في السويد صدرت للكاتب العراقي المقيم في الدنمارك ” كريم عباس …

تعليق واحد

  1. مقالة جميلة استمتعت بقراءتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *