مَريم لُطفي الآلوسيّ : النَّوارسُ المُهاجِرة- رحلةُ الموت (قصةٌ مأساويَّةٌ لأرواحٍ تبحثُ عن السَّلامِ) (2)

المشهد يتكرَّر..
الملاذ الآمن

الخيرُ يعمُّ والشرُّ يخصُّ، أم الخير يخصُّ والشرُّ يعمُّ؟ لقد التبست الأمور، واختلطت الأوراق، ولم تعد هناك ثوابت في الحياة, فالشام ليست أحسن حالا من العراق، فما طال العراق طال الشام أيضا، المسلسل نفسه، والمشهد نفسه يتكرَّرُ.. قصفٌ.. قتلٌ.. تهجيرٌ.. بنايات تتهاوى وتجثي على أصحابها.. عوائل أبيدت بالكامل، وبقيت تحت الأنقاض, لم يسلم الناس على أنفسهم, البيوت هُدمت، وسُلبت، ونُهبت، أو احتلَّتها الغربان..
دمشق التي كانت بالأمس قرَّة عين الوافدين لها من كلِّ مكان في العالم للسياحة، والاصطياف بما حباها الله من نِعمٍ وجمالِ طبيعة وشلالات، وذلك الهواء العليل الذي يشفي العليل, تلك النسائم التي اختلطت برائحة الورد تجعل المرء يستنشق أكبر قدرٍ منها، ويقول: الله.. والعيون التي ترقرق الماء العذب ليتدفَّق زلالا يروي الرمض.. وتلك الجنان التي تجعل المرء يُغمض عينيه ليتأمَّل خلق الله، امتدَّت يدُ الشرِّ إليها لتعبث بكلِّ ما هو جميل, تقتلُ، وتسبي، وتسلبُ، وتنهبُ، وتهجّرُ دون رحمة.. بعد أن كانت العوائل الشاميَّة في دمشق وحلب وبقيَّة المدن السوريَّة تعيشُ بأمان، بكنف تلك البيوت العريقة، التي تمتدُّ أصالتها إلى عمق التاريخ، بباحاتها الجميلة، ونافوراتها التي تبثُّ الحياة، وذاك الخضار الذي يضفي على المدينة الساحرة سحرًا لا يُقاوم، ويُحيلُ المدينةَ وبيوتاتها بما تحويه من أشجار إلى جنَّة عدن..
لم يبقَ من هذا الجمال غير الخراب والذكريات المؤلمة، وأصوات أصحابها وضحكات أطفالها، تركوها مع ألعابهم تأنس مع الأطلال، وتلك الأرواح العارية من كلِّ شيءٍ إلَّا من الانتماء لهذا المكان، أو ذاك المكان..
تهجَّرت العوائل من ديارها هربًا من جحيم الحرب، التي شنَّت غاراتها على كلِّ ما هو جميل، استعر أتونها كما جهنم تريد المزيد من الحطب لكي تستمر.. صار الناس يبحثون عن أيِّ مكان آمنٍ يلجؤون إليه؛ ليأمِّنوا على أرواحهم ..
تفرُّ العوائل بأرواحها، بأطفالها، تاركة جنانها!! إي والله فالبيت قطعة من الجنان بدفئه، بسكينته، بالشعور بالأمان.. فالإنسان خُلق من تراب وهو ثقيل أينما حلَّ، لا يحمله غير تراب بيته الذي امتزج معه..

كانت الأوضاع الأمنيَّة عندما تسوء في العراق فإنَّ أوَّل ما يفكّر به العراقيُّ الملاذ الآمن سوريا، التي طالما فتحت ذراعيها لاستقبال اللاجئين العراقيِّين الفارِّين من جحيم الطائفيَّة والقتل والتهجير.
فقد احتضنت سوريا أعدادًا كبيرة من العراقيِّين، حتَّى أنَّك عندما تمشي في شوارع دمشق أو أيِّ مدينة سوريَّة ترى وتسمع بين كلِّ سوريَّين اثنين عراقيًّا يتحدَّث.. وقد بلغ الأمر أنْ أنشأ العراقيُّون سوقا خاصًّا في حيِّ السيِّدة زينب، يسمى سوق العراقيّين… فعندما تزور هذا السوق تشعر وكأنَّك في بغداد، حيث تنتشرُ المحالّ على الجانبين, فتجدُ المطاعم, والمخابز, ومحالّ الحلاقة، الصاغة, الحُلويات, الأقمشة, المخلَّلات, وتشمُّ رائحة البهارات تملأ الأجواء, وكانك في اسواق الشورجة، بحيث أنَّ الكثير من العراقيِّين باعوا بيوتهم في العراق واشتروا بيوتا في سوريا، وأسَّسوا حياة جديدة لهم..
لكن بعد انهيار الأمن في سوريا، ودقِّ طبول الحرب، اضطرَّ العراقيِّون لترك سوريا التي هجرها الكثير من أهلها، والبحث عن مكان أو ملاذ آمن بديل؛, فتفرَّق العراقيُّون الذين كانت تحتضنهم سوريا؛ بحثا عن مكان أكثر أمنا وسلاما، وقد انطوى الحال كذلك على السوريّين الذين انتشروا في كلِّ أصقاع الأرض، وسكنوا في مخيَّمات على الحدود، الظروف فيها صعبة للغاية، مخيَّمات تفتقرُ إلى أبسط شروط الحياة..
ولمَّا كانت ظروف العراق وسوريا متشابهة؛ فقد بات المصير واحدًا، فقرَّروا الذهاب إلى بلاد العمِّ سام، وهذا القرار فيه الكثير من المخاطر،فالوصول الى اول محطة،وهي الجزر اليونانية امرا في غاية الخطورة،لكنه يبدو للمظطر حلا لابد منه! ، والتي ستكون المفتاح للطريق إلى أوربا، حيث الأمان، والعمل، والمساعدات الاجتماعيَّة، مع بعض الاحترام للإنسان.

هذه كانت طموحات الإنسان العراقيّ والسوريّ، الذي تجرَّد من كلِّ شيءٍ، من وطنه، من بيته، من عمله، من جذوره، من هُويَّته!
حتَّى أوراقه الثبوتيَّة فقدها، إمَّا في حريق، وإمَّا تحت الأنقاض، وإمَّا اضطرَّ لإخفائها؛ لكي لا يعرفه أحدٌ إنْ كان ينتمي لدينٍ معيَّن، أو طائفة معيَّنة، وظلَّ يرزخ تحت ظروف الضياع، حتَّى يتبيَّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود..
وما زال هذا الوضع المأساويّ على حاله منذ سنوات، عوائل أبيدت بالكامل، وعوائل هُجِّرت، وعوائل هاجرت الى حيث لارجعة!
وكلُّ الهموم وكلُّ المآسي ألقت بظلالها على الطفولة، حتَّى عمليات الخطف والقتل والابتزاز تطال الطفولة ودون أدنى رحمة، وتعبث بكلِّ ما هو مقدّس وبريء..

وطني

لي وطنٌ أباهي به الشمس كلَّ يوم
وتسألني هي عن قصَّة ألف يومٍ ويومٍ

وفي صباح اليوم التالي أخذتْ أمُّ نورس صغارها إلى المدرسة؛ لتعذّر قيام الأب بذلك بعد ذلك اليوم الدامي.. وانهالت أسئلة الصغار كالسيل..
– متى جاء أبي بالأمس؟ قال نورس.
– صحيح أين كان؟ قالت ياسمين بنبرة عصبيَّة.
– لم أُقبِّله قبل أن أنام. قالت دنيا.
– لقد جاء متأخِّرا كان لديه عملٌ ما انشغل به.
– ولكنَّه لم يعتد أن يتأخَّر هكذا.. ولم يعوِّدنا أن نتناولَ الطعامَ دونه، قالت ياسمين.
لا تشغلوا أنفسكم، كلُّ شيءٍ على ما يرام، هيَّا لقد وصلنا إلى المدرسة، أدخلوا وخذوا حذركم، لا تخرجوا وحدكم أبدًا، سأنتظركم هنا ظهرا، لا تقتربوا من باب المدرسة، ولا تذهبوا مع أيِّ شخصٍ لا تعرفونه، وإنْ رأيتم شيئًا غريبًا في ساحة المدرسة أخبروا المديرة عنه، هيَّا يا أمِّي لقد بدأ الاصطفاف، لقد تأخرَّنا وها هو النشيد الوطنيّ بدأ، قالتها ياسمين باستعجال وجزع؛ لأنَّها سئمت هذه التوصيات اليوميَّة.. دخل الصغار وكان النشيد الوطنيُّ قد بدأ، موطني موطني.. وبقيت الأمُّ تردِّدُ بداخلها بقيَّة النشيد، وتتذكَّر أيام مدرستها، والتفافهم نحو العلم يوم الخميس، فقد كانت من ضمن فرقة الكشَّافة، الذين يرفعون العلم، وذلك الانضباط والزيّ الموحَّد وكلمة المديرة، يا الله كلُّ شيءٍ كان له نكهة، حتَّى الدوام الذي يتململ منه الصغار الآن.. بقيت تردِّدُ:
موطني موطني
الجلال والجمال والسناء والبهاء
في رباك في رباك
موطني موطني..
وفي طريق عودتها إلى البيت، وبينما كانت تردِّد النشيد وغارقة بذكريات مدرستها، صديقاتها، حقيبتها المدرسية ،طريق المدرسة والباعة المتجولون المتجمهرون اما الباب والتفاف الاطفال حولهم ،ويوم الخميس الذي كان له نكهة خاصَّة في نفسها، فبعد رجوعها إلى البيت وفي الساعة الرابعة عصرا، لها موعد مع برنامج سينما الأطفال حيث تشاهد فيلما للأطفال يعرض كلّ خميس، وغدًا الجُمُعة سيذهبون إلى بيت الجدَّة، وربَّما يذهبون إلى حديقة الحيوانات، ثُمَّ تقوم بأداء واجباتها، وتحضير ملابس المدرسة، وغسل الجوارب والشرائط البيضاء ووضعها تحت المخدَّة لتصير شبه المكويَّة، ثُمَّ انقطع هذا السرحان الجميل بسلام أمِّ دانيال عليها.. هذه المرأة الخمسينيَّة المسيحيَّة ذات الوجه البشوش، الحَسَنة الهندام، تكاد تخفي أحزانها وراء ابتسامةٍ هادئةٍ متسامحةٍ، يتلوَّن شعرها بخَصل بيضاء من الشيب، هذه الجارةُ الرائعة فقدت ابنها الوحيد دانيال بالتفجير الإرهابيِّ على كنيسة النجاة، الذي أودى بحياة الكثير من إخواننا المسيحيِّين على يدِ انتحاريِّين إرهابيِّين حوَّلوا العيد إلى مأتمٍ كبيرٍ..
– كيف حالك يا جارتي العزيزة؟
– حمدا لله على كلِّ حال، وأنتِ كيف حالك يا أختي العزيزة؟
– حمدا للربِّ، أنا بخير، هل سمعتي بتفجير الأمس؟
– نعم، لقد كان مُروِّعا، زوجي كان قرب التفجير وبمشقَّة نجا منه..
– يا إلهي! حمدا للربِّ على سلامته.
– شكرا لكِ يا أختي، ولكن إلى أين تذهبين مبكِّرَة؟
– سأذهب إلى الكنيسة، فاليوم الأحَّد كما تعلمين، وبعدها سأذهب إلى زيارة قبر دانيال، فقد اشتريت له بعضَ الورود والشموع لآخذها معي.
– رحمه الله وأعانكِ يا أختي، وماذا عن ابنه كم عمره الآن؟
– في هذه السنة سيُكمل العاشرة، إنَّه ولدٌ جميلٌ يشبهُ أباه كثيرا، وهذا ما يصبِّرُني على هذه الحياة.
في هذه الأثناء، توجد شاحنتان محملتان بالأثاث، قد توقّفتا والعمال يُنزلون منهما الأثاث.
– ما هذه الشاحنتان؟ هل عاد بيت أبي أشرف إلى بيتهم؟
– هه، لا بل هؤلاء جيراننا الجُدد، مهجَّرون من محافظة ديالى، لا أعتقد أنَّ بيت أبي أشرف سيرجعون إلى العراق بعد أن اغتيل والدهم.
– إييييه هذا صحيح، كان أبو أشرف طبيبًا محترما، وشخصًا مرموقًا، لا أدري ماذا يستفيد الإرهابيِّون من اغتيال الكفاءات والناس الآمنة، ومتى تُحمَى العقول العراقيَّة من القتل والخطف؟!
– ولهذا السبب أكثر الكفاءات هاجروا إلى خارج العراق؛ لينجوا بأنفسِهم، تاركين وراءهم كلّ شيء..
– معكِ حقٌّ، حتَّى زوجي يُلحُّ عليَّ بالهجرة، ولكن كما تعلمين
بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة وأهلي وإن ضنُّوا عليَّ كرام (1)
– إي والله يا أختي صدقتي، بلادُنا عزيزة علينا على الرغم من كلِّ شيءٍ، ففيها وُلِدنَا، وفيها تربيّنا، وفيها قضينا شبابنا وعمرنا..
– اااااه، إي والله، ولكن حسبي الله ونعم الوكيل، حسنًا يا أختي لن أطيل عليكِ، اذهبي في أمان الله.
– ليحفظك الربُّ، إلى اللقاء..
مضت أيامٌ على حادثة التفجير، وأبو نورس يعيش المأساة بكلِّ تفاصيلها، والكوابيس تطاردُه ليلا ونهارا، وتقلق مضجعه، يحاول أنْ ينسى ذلك بأيِّ طريقة، ولكن عبثا يحاول..
قال لزوجته في مساء ما: إنَّ جيرانًا جددا سكنوا في بيت أبي أشرف. كان يقصد من وراء هذا الحديث أن يفتح معها موضوع الهجرة، ويجسَّ نبضها.. قال لها: إنَّ بيت أبي أشرف الآن في أوربا ينعمون بالأمان الذي هم محرومون منه، ولقد بدأ يفكِّر جدِّيًا بالهجرة، فلا أحد يعلم متى ستتحسَّن ظروف البلد، والإنسان هنا بات مهدَّدا وطعما للإرهاب، والتفجير يطال الكلَّ بغضِّ النظر عن الدين والمعتقد، لا يفرِّق بين غنيٍّ وفقيرٍ، صغير وكبير، الموضوع أكبر بكثير مِمَّا نفكِّر به، ولا أحد يعلم متى تستقرُّ ظروف هذا البلد المنكوب..
– رويدك يا زوجي ماذا دهاك؟! إلى أينَ سنذهب؟! والله لو كانت سوريا على حالها ما تردَّدت في السفر أبدًا، ولكن كما تعلم أنَّ أكثر العراقيِّين عادوا من سوريا؛ هربا من أتون الحرب المستعرة.. ولكن لا بدَّ أنْ يأتي يومٌ وتتحسَّن فيه ظروف البلد، لن يبقى شيءٌ على حاله.. لن تبقى شمعة مشتعلة إلى الصباح.. هوِّن عليك، فأنتَ ما زلت تحت تأثير الصدمة..
– آمل ذلك.. متى سنذهب لزيارة الجيران الجدد؟
– في أيِّ وقت، لا بدَّ أنْ نقوم بزيارتهم، فهذه هي الأصول.
– هذا صحيح، سأذهب لشراء بعض الهدايا، لنأخذها معنا.
وفعلا ذهبت عائلة أبي نورس إلى بيت أبي سرمد بصحبة الأولاد، ليتعرَّفوا عليهم. أبو سرمد رجلٌ ميسور الحال من أهالي مدينة ديالى العراقيَّة، ذات الطوائف والقوميَّات المتعدِّدة، فتجد فيها العربيَّ والكرديَّ، والتركمانيَّ، والسنيَّ، والشيعيَّ، والكلّ بنزاع واقتتال طائفيّ عنيف، قائم على تمزيق هُويَّة الآخر.. لم يهدأ بال أهلها أبدًا، تفجيرات، اغتيالات، قتل على الهُويَّة، والتفجير طال حتَّى دور العبادة.

(1): قائل هذا البيت الشريف قتادة، أبو عزيز بن إدريس، يرجع نسبه إلى الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام عندما كان أميرًا على مكَّة عام ( 597هـ). وقد أنشده لأمير ركب الحاجّ حُسام الدين بن أبي فراس، الذي دعاه لزيارة الخليفة في بغداد.

غريب

هذه بلادي اتنقَّل فيها أملًا
بالعودة إلى وطني الحبيب

تلقَّى الرجلُ تهديدا بترك البيت فورا وإلَّا سَيُقتل هو وأفراد أسرته، لم يفكِّر بشيء، فقد نفَّذ الأمرَ فورا؛ لأنَّه يعلم تماما أنَّ الأمر ليس مزحة، وأنَّ المدينة قد وقعت أسيرة العصابات الإرهابيَّة.. أخذَ ملابسَ أطفاله وأوراقهم الثبوتيَّة، والأشياء النفيسة، وانطلق إلى بغداد، التي ليست بأحسن حالٍ، لكنَّ الأمر أهْوَن، ولأنَّ أهلَ الرجل هاجروا إلى الأَردن، وما بقي إلّا شقيقة أمِّ محمَّد التي تسكنُ في بغداد، في حيٍّ قريبٍ لهذا الحيّ..
مكثوا قليلا في بيت الخالة، ثُمَّ حصلوا على بيتٍ من طريق أحد المكاتب العقاريَّة، وكان الشرط الوحيد للرجل أن تكون المنطقة آمنة، بعيدة عن الإرهاب والإرهابيِّين، لا تشكو من سرطان اسمه الطائفيَّة..
لم يكن الرجل يستوعب ما آل إليه الوضع الآن في العراق، فقُبيل عام 2003 كان العراقيُّون يعيشون كالجسدِ الواحد..
في الصفِّ الواحد كنتَ تجدُ عليَّا وعمرَ ودانيالَ ودلشادَ وووو.. أين ذلك الخليط الاجتماعيّ الرائع.. كان الناس يحتفلون بعيد الأضحى، وبعيد المسيح، ورأس السنة، وكانوا يجتمعون ليشجِّعوا لعبة كرة القدم، اللاعبون أنفسهم يتألَّفون من خليط اجتماعيٍّ متكامل.. فإذا كان الدين لله، والوطن للجميع، فمن أعطى الحقّ لفلان وفلان أن يعيثوا في الأرض الفساد..
كانت هذه الهواجس تأتيه من داخل نفسه فيسمعها، ويريد إجابة لها، فلا يجد اجابة،
الله.. هو الحبُّ.. هو الجمال.. هو الحياة.. والدين هو السكينة، هو الأمان، هو دستور الحياة.. فمن أبدل هذه المفردات؟! الدين لله، والوطن للجميع، يعيش فيه الإنسان على اختلاف أديانه وطوائفه، كما تعيش الأزهار على اختلاف ألوانها،هذه كانت نظرته للحياة..

الغراب
ارحلْ إلى لا عودة ففيك نحسٌ
وليكن الله بروحي متلطِّفا

تعارفت الأُسرتان فيما بينها، وكان للرجل ولد واسمه سرمد، عمره تسع سنوات، وبنت اسمها مها، عمرها ثمان سنوات، وكانا في مدرسة أولاد أبي نورس نفسها.. مضت الأيام وقد توطَّدت العلاقة بين الأسرتين كثيرا، حتَّى صار أبو نورس بمثابة الأخ لأبي سرمد، وكذلك أمّ نورس وأمّ سرمد، والأولاد كانوا يزورون بعضهم بعضا، ويذهبون إلى الرحلات في العطل، ويذهبون إلى التسوُّق معا، على الرغم من الأجواء المشوبة بالحذر، وقد كانوا سعداء جدًّا بهذه الجيرة..
كان أبو سرمد شخصًا ميسورًا، يملك شاحنة حمل طويلة لنقل البضائع بين العراق والأَردن، أو بين كردستان وبغداد والبصرة، وكان لديه سائق خاصٌّ لتلك الشاحنة، ولديه أيضًا سيَّارة حديثة ذات دفع رباعيّ، ناهيك عن بيته الذي تركه للسلب والنهب في مدينة ديالى..
لقد عانت هذه العائلة على مدى سنوات من الاقتتال والصراعات الطائفيَّة، التي ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، سوى أنَّهم وجدوا أنفسهم على هذه الأرض التي بدأت تزفر أبناءها لتكون كأمٍّ عاقَّة ترفض حضانة أبنائها..
وأخيرا التقطت العائلةُ أنفاسها بهذه المحلَّة الآمنة، بدا نوم الليل هنا أمرًا طبيعيًّا إلى حدٍّ ما، والذهاب للتسوُّق أو المحالّ العامَّة على الرغم من الحذر الشديد، لكنَّ الحياة هنا أفضل بكثير من مدينة ديالى!!
استقرَّت العائلة إلى حدٍّ ما، وبدت بينهم وبين الجيران علاقات طيِّبة، وكحال كلّ العوائل العراقيَّة بوجه عامٍّ والبغداديَّة بوجه خاصٍّ كان الأب يأخذ أبناءه إلى المدرسة صباحا، وينتظرهم عند البوابة ظهرا ليأخذهم إلى البيت، هكذا فقط كانت العوائل تَسلَم على حياة أبنائها!!
وفي أحد الأيام كانت عائلة أبي نورس تستعدُّ للذهاب لأحد المجمَّعات لشراء ملابس جديدة، فالعيد على الأبواب.. صعد الجميع إلى السيَّارة، وعندما همَّت أمُّ نورس بالصعود أثار انتباهها شيءٌ ما، لقد رأت نفس الغراب العجوز واقفا على شجرة الصفصاف أمام بيتهم قرب بيت أبي سرمد.
كان متجهما إلى حدِّ اللعنة، يرتدي البؤس، مقطب الحاجبين، يفرُّ الشرُّ من عينيه كالشرر، كان يرمقها بنظرة لا أحد يفهمها إلَّا هي، وكأنَّه يقول لها أنا واقفٌ في مُلكٍ عامٍّ، والعراق وطنُ الجميع، أفعلُ ما يحلو لي غير آبه بكِ..
كانت ترى البؤس والموت في عينيه، وتشعر بقشعريرة تنتابها، تـشعر أنَّه يدبِّرُ أمرًا وراء الكواليس..
وقفت متسمرَّة بالأرض، تركّز في نظرها عليه، تشعر أنَّ لا حولَ لها ولا قوَّة، تشعر بغضب عارم يفرُّ من عينيها، وقد احتقن وجهها من شدَّة الغضب.. عاد بها شريط الذكريات إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي شعرت فيه أنَّها فقدت زوجها..
– لماذا لا تصعدين السيَّارة؟ قال أبو نورس مستغربًا.
لم تُجبه، ظلَّت صامتة وشاردة.
– أنا أكلِّمُكِ يا امرأة، لِمَ لا تصعدين؟ ماذا دهاك؟
– لن أبرح هذا المكان حتَّى تقتل هذا الغراب.
– عن أيِّ غراب تتحدَّثين؟!
– عن ذلك الغراب العجوز على تلك الشجرة، إنَّه نذيرُ شؤمٍ، هكذا كانت تقول جدَّتي.
– رحم الله جدَّتك، ما هذه الترَّهات؟! إنَّها محض خرافات، إنَّه مجرد طيرٍ لا يهشُّ ولا ينشُّ.
– أقول الحقيقة، أتذكر ذلك اليوم الذي اختفيت فيه رأيته في المكان نفسه، وقد كان يخفي أمرا، كأنَّه يدبِّرُ شيئًا..
في الحقيقة أنَّ أبا نورس ارتاب قليلا عندما سمع هذا الكلام؛ لأنَّه إلى هذه اللحظة يعاني من تلك المشاهد المروّعة، لكنَّه أخفى ذلك في نفسه، وتظاهر بعدم الاكتراث..
– لا عليكِ، لا تخلطي الأوراق فهذا الطير لا حولَ له ولا قوَّة، هيَّا اصعدي، ستُغلق المحالّ بعد قليل..
صعدت السيَّارة وهي حزينة شاردة، أفكارٌ تأخذها وأفكارٌ تُرجعها، كانت السيَّارات تتخاطف كالأشباح، والطريق يبتلع السيَّارات الواحدة تلو الأخرى، كأنَّه أفعى عملاقة.. وصلوا إلى المجمّع، وترجَّلوا من السيَّارة، وبدأوا جولتهم في الأسواق، تبضَّعوا من هذا المحلِّ وذاك، ثُمَّ عادوا إلى البيت، وهي صامتةٌ طوال الوقت تفكِّر بالغراب..
دخلوا البيت وكان الأولاد فرحين بما اشتروه من الملابس، يستعرضونها ويقيسونها أمام المرايا،الفتيات يتاملن الاكسسوارات والحقائب البراقة والجميع يتمنّى أن يأتي العيد سريعا؛ ليلبسوا ملابسهم ويتباهوا بها.. حينها قال أبو نورس لزوجته: إنَّ الأمور قد مرَّت بسلام، وإنَّها كانت واهمة.. وفي هذه الأثناء رنَّ هاتفه الجوَّال، والمتصلُ هو أبو سرمد، أخبره أنَّ انفجارًا كبيرا وقع في أحد المجمّعات في الكرَّادة، وقد حصد آلاف الأرواح، والاغلب عوائل كانوا يتبضَّعون للعيد، وإنَّ المجمَّع قد تفحَّم بمن فيه، وقد كانوا عند طبيبة الأسنان في المنطقة نفسها، وكانوا ينوون الذهاب إلى المجمَّع بعد الانتهاء من الطبيبة، لكنَّ الله ستر.. ذُهل أبو نورس لسماع هذه الأخبار الحزينة، وحمد الله على سلامة أبي سرمد وعائلته. وفور إغلاق الهاتف بادر لفتح التلفاز، إذ تناقلت القنوات التلفزيونيَّة أخبار التفجير الإرهابيّ، وقد كانت الضحايا بالعشرات، ولم ينجُ أحدٌ تقريبا؛ لأنَّ المجمّع كان مؤلّفا من عمارة من أربعة طوابق..
قالت أمُّ نورس وهي تضرب كفًّا بكفٍّ: لا حولَ ولا قوَّة إلَّا بالله لقد علمتُ أنَّ الغراب يدبِّر أمرا، ألم أقلْ ذلك؟! ها ألم أقلْ لك ذلك؟! أجابها والحيرة والحسرة تملؤه: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ما ذنب هؤلاء الأبرياء؟!
– ذنبهم ذهبوا لشراء ملابس العيد..
– إي والله هذه ليست حياة، ماذا يريدون منَّا، الناس تحضِّر للعيد في كلِّ العالم ونحن ندفن أمواتنا ليلة العيد وفي يوم عرفات! أيُّ شريعة هذه! الله أكبر على الكافرين..
هكذا تحوَّل العيد إلى مأتم كبير يضمُّ كلَّ الأديان والطوائف، ولبست بغدادُ السواد، أذَّنت الجوامع، ودُقت أجراس الكنائس، وأُعلن الحداد في بغداد، وتعطَّل الدوام لتشييع الضحايا، انتشرت لافتات العزاء في كلِّ الشوارع والأزقَّة، حتَّى الأطفال لم يلبسوا ملابس العيد، وهكذا انتهى يوم دامٍ آخر، والقادم أسوأ..

………….. يتبع

شاهد أيضاً

مقداد مسعود: برق ٌ مقلوب

برق ٌ مقلوب مقداد مسعود هل النخلة ٌ بئرٌ مقلوبة ؟ يتدلى مِن قاعِها / …

بريد السماء الافتراضي
حوار مع الشاعر المكسيكي أُكتافيو باث
كتابة وحوار :أسعد الجبوري

لم نستخدم مُكَبّر الصَوت للمناداة عليه.ولم نبحث عنه في سجل ما من السجلات السماوية الإليكترونية …

سعد جاسم: خريف طاعن في الوجع

خريفٌ خريفٌ خريفْ و يالَهُ … من خريفْ : وجوهٌ ” صفراءْ ” وقمصانٌ شاحبةْ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *