صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي
2- الخرابة (ملف/24)

كتب (الخرابة) بعد مسرحية المفتاح بثلاث سنوات عام 1970، وتتكون من ثلاثين شخصية تقريبا، ويقوم أكثرمن ممثل بأداء شخصياتها بالأنتقال من دور الى أخر كالأول الذي يقوم بالأضافة الى أداء دوره أداء شخصية نجم البقال وشخصية الممثل كما أن الثاني يقوم بأداء دور لعيبي ويقدم شخصيات الشعراء، أما الثالث فيقوم بأداء دور حساني، وتقوم غنية بدور الشخص الرابع ، وسكينة بدور الفدائية الأولى .
ويعلن المؤلف أبتداء من الصفحة الأولى المكرسة لأداء دور الشخصيات ،أنتماء مسرحيته هذه الى المسرح الوثائقي لأعتمادها على الوثائق والصور والنشرات وكل ما يشير الى جرائم الأستعمار والأمبريالية في أيصال فحواها الى المتلقي، ولا يكتفي بهذا القدر وأنما يذهب أكثر من ذلك عندما يقوم بتوضيح ملامح شخصيات المسرحية طبقا للرموز التي تمثلها، لترمز شخصيتي الواحد والواحدة الى الجانب المظلم والمسيْء في عالمنا، و الأول والثاني والثالث الى الجانب الخير منه، والفلاح وزوجته سكينة وغنية الخادمة والحاج نجم البقال والممثل ولعيبي وحساني الى الطبقة الكادحة والمظلومة، وعودة والسركال والمحامية والدمى الثلاث الى الأنتهازية ،وكلكامش وانكيدووعشتروت وايشلينوالى التأريخ.
يبدأ العرض من لحظة دخول المتلقي عتبة باب بناية المسرح لمواجهته معرضا للصور الفوتوغرافية وملصقات جدارية تعكس مأساة شعب فلسطين، وتشير الى جرائم الامبريالية، ويفضل المؤلف أن تمتد هذه المعروضات الى داخل الصالة وتقديم معروضات أخرى على شكل سلايدات أو أفلام تعكس مستوى المعرض ذاته وتعبر عما سيدور في المسرح من أحداث أو عما سيجسده العمل المسرحي.
أذن نحن هنا أزاء مسرح سياسي يعمل على تفعيل فكر المشاهد ومراقبة الأشياء التي يشاهدها على خشبة المسرح وتحريضه على تغييرها وذلك بأضافة عناصر بصرية أخرى الى النص المسرحي كالصوروالنشرات وسلايدات العرض، جاعلا من المسرح الشامل أو ما يسمى المسرح التسجيلي المقترن بأسم بيتر فايس نهجا لمسرحيته هذه .
تبدأ المسرحية على لسان الواحد الرامز الى الشر، وهو جالس بين المشاهدين وينهض ويقف في مقدمة المسرح، ويبدو في حديثه صادقا في أول الامر، كاشفا عن ضياع القيم وأنقلاب الموازين وأختلال المقاييس في الخرابة .
الواحد:الكلام الذي أزعجك وأنا آسف كلام ليس من عندي . .
الواحدة:من من؟
الواحد:من المسرحية مسرحية الخرابة . .
أن المؤلف لأشاعة عنصر التغريب البريشتي من خلال أزاحة الجدارالرابع وجعل الممثل بين المشاهدين يعمد الى أظهارالأزدواجية في موقف الشخصيات، كشخصية الواحد الذي يمنح في البداية أنطباعا أيجابيا ثم يتحول الى شخصية سلبية، موحيا بذلك الى التناقض القائم في مواقف الدول العربية تجاه فلسطين بين المعلن منها والمخفي ، الأعلامي والتطبيقي ،ممتدا أشاعة هذا العنصر أستخدام قصائد لشعراء عالميين وعرب وعراقيين وكورد أمثال بابلو نيرودا وبوشكين ومحمود درويش ومظفر النواب وعبدالله كوران ،بالأضافة الى أستخدام الكوميديا والجوقة بأعتبارهما الى جانب القصائد عناصر أساسية في المسرح الملحمي .
تجري أحداث الجزء الأول والثاني من المسرحية في نفس المكان وهو شبه مقهى حيث يقف الأول قرب الموقد يسكب الشاي، ينظر أليه فيراه ماء بلا لون ليخرج بنتيجة من عدم تغير لون الماء مؤداها وجود أمر غير طبيعي، وهو مشاهدة الثاني لمجموعة من الناس يقفون قرب شاب يتهامسون ويسألونه متى تفرجنا وتضحكنا على الخرابة ومن فيها وشاهدهم يشترون التذاكر وبيدهم دفاترصغيرة مكتوب عليها:الخرابة .
لهذا حين سمع أن البعض منهم يريد أن يتفرج عليهم بسوء نية أحس أن قدميه قد ثقلتا وأن الأرض التي يقف عليها تمسك به ولا تدعه يتحرك ،ولكن بالرغم من ذلك يعتقد أن هذا البعض لا يقترب من الخرابة ويبتعد عنها ،ذلك لأنها تدعك ملابسه وتوسخ أحذيته وتعكر مظهره .
وهي مثل المفتاح تفيض بالرموز القابلة للتأويل، فالجملة الأخيرة التي يطلقها الثاني لا ينحصر معناها في أطار الطبقة الرأسمالية التي تأبى أن تحتك بالناس الفقراء القاطنين في الخرابة فحسب، بل تتعداها في قابلية تأويلها الى رفض الدول العربية بأتخاذ موقف ما أزاء العدو الأسرائيلي خوفا من ضرب مصالحها أو بدخولها في حرب طاحنة لاتحمد عقباها، وقول الأول وتكراره ثلاث مرات لجملة لا أحد يستطيع الوصول الينا . ليس هناك ثقب في الجدار، فتحة في السقف ،شقق في الأرض والباب مغلق ،لا توجد سماية . .. . فهي في الوقت الذي توحي فيه الى أتحاد كلمة الثلاثة الأول والثاني والثالث الذين يمثلون جانب الخير في المسرحية لعدم وجود جواسيس بينهم يقومون بأفشاء سرهم الى العدو، توحي الى طردهم من ديارهم وايوائهم في أماكن أخرى أقرب الى المعتقلات والسجون وحظائر الحيوانات منها الى دور سكن البشر، لأفتقارها الى دخول الشمس وأحكام أبوابها عليهم وعدم رؤيتهم للسماء، أما رفع الجدار الرابع يرمزالى أغتصاب الأرض وطرد السكان الأصليين منها ، راسما المؤلف هذه اللوحة عبر ملاحقة الأطفال لحساني وهم يرددون :صفقوا له يرقص الحائط الرابع ينقص، صائحا الثالث:الحائط الرابع مرفوع لقد ازالوه الأصوات اللعينة سوف تلاحق حساني من هنا من هذا المنفذ ، أي ان العدو سيستمر في عدوانه بعزم واصرار لا يلينان .
وفي هذه الاثناء يتقدم الثاني كما تقدم تقدم الثالث الى الحائط الرابع وحين تخرج يده من حدود وجوده يتعالى صوت أغنية وهي مقطع من منولوج هذا نصه :
بالفتنة والغش والدس كثيرا سمعنا كلمة يس
ثخنتوها كافي عاد نو نو لهناو بس
ففي هذه الأغنية الكوميدية يكمن فهم العاني لمسرح بريشت، ذلك أن مسرحه الديالكتيكي مبني على صراع الأضداد، هذا الصراع القائم بين نقيضين اللذين يولدان نقيضا جديدا متمثلا هذا النقيض بتبريد الحدث بدلا من تثويره، أنشاء لعملية التغريب عبر المفارقة والشيء غير المتوقع، لأنه في مسرحه هذا يدعو الجمهور الى التفكير والمراقبة ، أوبمعنى أوضح، ان
المشهد الأنفعالي والعاطفي لا يكسبان ويأتيان بمثلهما ،بنفس الأنفعالات والعواطف بل بما يناقضها بعكس المسرح التقليدي تماما، فالمشهد الحزين مثلا لا يعبر عنه بموسيقى حزينة وأنما بموسيقى مفرحة،
والعكس صحيح أيضا، وهذا ما فعله العاني في معالجته لأزالة الجدار الرابع،فبدلا من أتخاذ الثلاثة موقفا أزاء ازاحة الجدار الرابع كتحريض الناس على التظاهر أو الأضراب تلجأ الى ترديد أغنية كوميدية.
والحوار الجاري بين الثالث والواحد حول سعي أتهام الثالث بالأعتداء على غنيمة يمنح نفس المعالجة بصراخه في البداية بوجه الواحد قائلا:لا ، لتتعالى أصوات الصبية والناس يرددون:صفقوا له ليرقص ،وبعد فترة قصيرة يعود الواحد الى استجوابه . .فأذا بالثالث يتراجع عن موقفه الأول ناقضا اياه . .
الواحد:أجبني نعم ام لا
الثالث : بكل هدوء لا
الواحد:أستراحة .
ويمكن ملاحظة مثل هذه المواقف في أماكن عديدة من المسرحية ولكن هذا لا يعني أن كل هذه المواقف تفضي الى التغريب، أذ غالبا ما تؤدي الى الكوميديا السوداء التي تكاد أن تقترب من خاصية التغريب المختلفة عنها بترك غصة في حلق المشاهد والناجمة عن معالجة الموقف أو الحالة بدون أيجاد حل أو بديل له يسعى الى تحريره من ميلودراميته ،ذلك أن عملية التغريب تقترن بالعقل بينما الكوميديا السوداء بالعاطفة .
ولعل كون الجنون عملا يمتهنه الأنسان يعد بحد ذاته أمرا غريبا ،وأختار حساني هذه المهنة لنفسه لأن جماعة الواحد لم يفسحوا له مجال العمل ،والعمل هنا المقصود النضال، مع أنه أعقل منهم بدليل أنهم لا يفهمون كلامه بينما هو يفهم ما يقولون، ويذكر للواحد خمسة نماذج من الكلام الذي لا هو ولا جماعته يفهمها متمثلة بالبطيخ والنحل وناظم باشا والسمنت والمكاري ،مختصرا هذه النماذج بجملة: كل شيء ملتوي ومقلوب .
وغالبا ما تأتي هذه المفارقات على لسان الثالث، كقوله في الحوار الجاري مع غنية وهو يحلم بأمتلاك عربة وحماما وقصرا، لكي يتجول في العربة وينام في الحمام ويستحم في القصر، وعندما تنبهه غنية بأنه سوف يتركها لوحدها لو نام في الحمام، يتدارك خطأه ليقول:لا لا لقد أخطأت . . ويضحك . .
وحادثة سعي السركال الزواج بأمرأة متزوجة وهي سكينة عنوة تدخل هي الأخرى ضمن هذا الأطار وترمز الى أغتصاب فلسطين، ذلك أن سكينة هي رمز للأرض، وكذا الحال بالنسبة لحادثة غنية فهي في الوقت الذي تدخل فيه ضمن المفارقات الموظفة للأعتداء عليها من قبل الواحد ومن ثم طردها من البيت ترمز الى الحقيقة.
يبدو لي أن العاني في هذه المسرحية أكثر نضجا قياسا بمسرحياته السابقة ،ذلك أدراكا منه أن هذا النمط من المسرحيات (البريشتي) بدون أستخدام الرمز سوف تنزلق في متاهات التقريرية والمباشرة، أو أنها ستؤثر سلبا على ذهنية المتلقي بالأنحياز الى فكر المؤلف وعدم ترك المجال له في أتخاذ قراره، لذلك فقد ألتجأ الى أستخدام الرمز ليس بصيغة واحدة وانما بعدة صيغ متنقلا بين البريشتية والكوميديا السوداء والتلويح باللمز والغمز، والصيغة الأخيرة أكثر أستخداما من الصيغتين الأخيرين، وتبدأ من كلمة الخرابة التي هي عنوان المسرحية مرورا بكلمة الكراج وخبالو وأنتهاء ببعض الحوارات التي سنتوقف عندها قليلا .
في الحوار الجاري حول الأرض والقمر يحلم الثلاثة بالكوكب الأخير لخلوه من الصغار الذين يصفقون للمجانين ولأن الكل يتكلمون فيه بصدق ولكن الواحد واتباعه يريدون أن يؤسسوا بورصة ومعملا للأسلحة ،أي مثلما شنوا الحرب على الأرض وخربوها كذلك هم الآن بصدد نفس التوجه على كوكب القمر، في اشارة واضحة الى الأمبريالية العالمية ، وجملة :وجوه لا تظهر منها غير فقط رؤوس ملفوفة بيشماغ، بالأيحاء الى الوشاح الذي يلفه الفدائي برأسه وهذا ما يوضحه المؤلف في النص ،
وخلو الثلاثة من أسم معين أيماءة الى تمثيلهم للشعب، وجملة :فيتحدث معهم لكن كلامه لايسمع ،تدل الى أن الشعب ليس معه اي ضده ،وقول الواحد :أنا تفرجت على الصور،معناه أنه بدون موقف، وهكذا في قائمة طويلة من الجمل والحوارات .

شاهد أيضاً

توفيق الشيخ حسين: قراءة في الأعمال الشعرية للشاعر د. صدام فهد الأسدي (ملف/3)

اشياء تسقط في الذاكرة اشياء تصعد في الأشياء افياء يفضحها النور، واشياء تخنقها الظلماء احياء …

الدكتور صدام فهد الأسدي: أنا ملك الأحزان دون منافس وقد ابتليت مذ امتلكت يراعا
حاوره: حيدر الاسدي (ملف/2)

حيدر الاسدي / من هو صدام فهد الاسدي الإنسان قبل أن يكون شاعرا وأستاذا جامعيا؟؟ …

أ.د. صدام فهد الأسدي.. سيرة حافلة بالعطاء (ملف/1)

الأستاذ الدكتور صدام فهد طاهر شريف الحمد الأسدي تولد قضاء القرنة 1/7/1953 حصل على شهادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *