أسعد الجبوري: بريد السماء الافتراضي حوار مع الشاعر الأرجنتيني خوان خيلمان

(3 مايو 1930 – 14 يناير 2014)

عندما عثرنا عليه ،وهو يمارس السباحة في بحيرة(( الكوارث)) بين مجموعات من طيور (الرارا) الشبيه باللقالق عندنا،سرعان تجمعتْ كسورُ وجهه وجزئياته المتناثرة من شدّة التعب،ليبدو الشاعر خوان خيلمان في صورةِ أخرى،غير صورة ذلك التمثال الذي لا يقوى على مقاومة نسمة هواء عابرة،ليسقط أرضاً من استبداد ذلك الإرهاق التاريخي الذي لم يتخلص بدنهُ منه بعد.
ما أن خرج من الماء،حتى حطت قربه مركبةٌ فضائية صغيرة،فغطى جسمه بمنشفة زرقاء،وأخذنا من أيدينا إلى داخل تلك المركبة،لتحلق بنا على الفور.
بعد ذلك بثوانٍ،تقدمت نحونا خادمةٌ تحمل له علبة السيجار والقداحة وزجاجة النبيذ مع كاسين من الكريستال ولبّ الفستق مع السجق .كلّ شئ كان يمضي بسرعة.سكبت الخادمة الجميلة الشراب في الكأسين،وأشعلت السيجار في فم الشاعر خوان ،ثم عادت لمكانه في كابينة القيادة.
أنت جئت لتطرح أسئلةً .فتفضل يا سيدي.أنا جاهزٌ تماماً .

■ سنفتتح الحوارَ معك حول الجغرافيات. فأنتَ عشتَ بين طبقات المنافي طويلاً يا سيد خوان خيلمان.. ما الفكرة الدائمة عن المنفى ؟
_ الفكرة التي استخلصتها عبر السنوات الفائتة،أن المنفى يتحول مع الزمن إلى أرض في داخلك.أرضٍ تستولي على اللحم،وتكون بديلاً عنه.
■ تعني أن المنفى يصبح من أعضاء الجسم؟!!
_بل يصبح هو الجسمُ الذي يحاول الحفاظ على القلب والمخ وبقية الأعضاء من التلف الذي طالما يطاردُ المنفي، ويبدأ بالزحف عليه من أجل أن يمنحه استراحة أبدية.
■ وهل تعتبر السموات من المنافي كذلك
_ بالطبع.
■ولمَ الإصرار على ذلك يا خيلمان ؟
_ لا أظن أن للإنسان راحةً أينما حلّ أو رحل. والسموات هي من المنافي المثالية ،تُدار بقضايا أخرى ،لا تتعلق بالسياسة والحروب والصراعات الإيديولوجية.
■ وبأية قضايا يمكن أن تُدار برأيك .أو كما تتوقع ؟
_ بقضايا وجودية.فالله ليس من رعاة التنابلة.إنسانُ الله هو المتحرك الجدلي ،كما أن السموات ليست منازل للاستراحة الطفيلية أو داراً من ديار البغاء الجنسي والترفيه .
■ وهل وجدت عند الربّ ديانات أخرى هنا ؟
_ بالتأكيد .فالأديان هنا كتبٌ للنقاش،ومن لا يعرف الحوار أو يدرك المعرفة،ستهبطُ به الملائكةُ نحو الدِرك الأسفل.الدِرك الدوني،حتى لو كان المرء إماماً أو شيخاً عمامتهُ بوزن الطن.
■ هل تشغلك الدياناتُ هنا أكثر أم الشعرُ؟
_الشعرُ بالطبع،لأنه أهم مصادر للأديان.
■ ولكن الأديان تخشاهُ،فعادةً ما تحاول نفيه أو طرده خارج جلدها!!
_ ذلك بسبب عدم وجود رغبة للدين بالاحتكاك بالشعر ،خوفاً من أن تتسرب إلى العقل اللاهوتي الشيطلائكة،ويتم استبدال الذهن الديني بالمخيّلة الشعرية ،فيتم القضاء على الخرافة اللاهوتية بالجماليات القائمة على تصوير الأكوان مخازن للذّة ،وليست لجهنم وبئس المصير في الأفران.
■ أية معادن هي الأصلح في بناء جسد القصيدة ؟
_ المعادن الموجودة في المياه.
■ هل من أجل أن تمارسَ الكلماتُ السباحةَ برأي خيلمان؟
_ لا.بل من أجل أن تبتعدَ عن نفايات الحديد ومشتقاته.فالمسألة الأهم،أن لا تتعرض المخيّلة الشعرية للضرر،فتدفنُ تحت أنقاض البقية الأخرى من المعادن الميتة.
■ ولمَ يعتبر خيلمان بقية المعادن ميتةً ؟!ّ! وكيف؟
_ لا أحبُ تصلّبَ الكلمات.أريدُ اللغةَ مجرىً مائياً للشعر. مجرىً لا يتوقفُ أو يجفُ أو ينتهي بمستنقع.هذا الشذوذ يشبه تصلب الشرايين في الجسد الآدمي.أنه لا يليق بكلّ حيّ .بعض المعادن المنتهية الصلاحية ، تَقتلُ الجسدَ أو تُفسدهُ .ذلك أمر مُحزن بالتأكيد.
■ هل تعود بك الذاكرة يا خوان إلى أيام إنشاء مجموعة “الخبز القاسي” التي تجمع حولها الشبابُ الاشتراكيون من الشيوعيين في أواخر الخمسينات من القران العشرين ؟
_ كانت أياماً لا تُنسى.أياماً اعتقدنا بأنها ستكون بمثابة ملاءات لتدفئة الأجساد المشردة الباردة من صقيع الأنظمة الديكتاتورية،إلا أنها سرعان تمزقت بفعل الاضطهاد،لتفتح لنا أبواب الجحيم ،لنحترق ونموت ونُهَجْر من الأرجنتين إلى مختلف أصقاع المنافي في أمريكا اللاتينية وغيرها من بلدان العالم.
■هل كانت الشيوعية في الأرجنتين بمثابة نكتة سياسية لم يستسغها العسكر المنغمسين بالتجهم والجدية والعصي المارشالية ؟
_ لا أعتقد ذلك. فلقد قصم النظام العسكري ظهر الثورة الأرجنتينية (1966-1973) وفتحت لنا آفاق المقاومة المسلحة التي سرعان ما انتسبتُ إليها تحت لواء منظمة ((مونتونيروس)) التي أسسها القائد ((خوان بيرون)) المساند للعدالة ولحقوق الإنسان .
■ لقد دفعَ خوان خيلمان أثماناً باهظة مقابل حرية الأرجنتين من قبضة الديكتاتورية : اختطفت ابنتك وابنك مارسيلو وزوجته التي وضعت حملها ،لتتم تصفيها بعد ذلك.كيف تحملتْ أعصابُك كلّ هذا الوزر الكارثي الثقيل؟
_ كنت عتالاً أحملُ الأرجنتين على ظهري، ولكن ليس مثل سيزيف الذي حَمَلّه زيوس الصخرةَ عقاباً على مكره وخداعه لتلك الآلهة،أنما لأنني كنت أصعدُ بأحزان بلادي إلى جبل الحرية، ودمائي تنزفُ مني دون أن أكترث لكلّ ما كان يحصل لي .فأن تحمل بلادك على ظهرك،أعظم من أن تحملك هي على ظهرها، وربما ينكسر عمودُها الفقري ،وتخسر كل جسم الوطن.

■ هل كان عثورك على حفيدتك ((ماكارينا)) التي ولدت في الأسر في الأوروغواي،تعويضاً عن مفقوداتك الثمينة الأخرى؟
_ بالتأكيد لا.ولكنني وجدتُ في ماكارينا خيطاً من العطر العائلي الذي سرعان ما أعادني إلى توازني في الشعر وفي الممحاة التي وجدت فيها ما يمكن أن يشطب بعضاً من شجني المُعَقد.
■ هل تشغلك الطفولة يا خوان ؟
_ ليس كثيراً.فلقد قضتْ المخالبُ عليها بشكل مبكر،وانتهى عهدي بها كقطعة لحمٍ بور.
■ لماذا كلّ هذه القسوة على طفولتك .هل جاء بفعل الاختلاف جينياً ما بين أرض العائلة التي تنحدر من أوكرانيا وما بين أرض الشعر في الأرجنتين ؟!!
_ هذه ليست قسوةً،بقدر ما هي اعتذار للشعر الذي أخرتني طفولتي عنه لسنوات،لأختبر لغتي بعدها وأدخل الشعر متسللاً من الباب الخلفي.
■ وما الفرق ما بين أن يدخل المرء الشعرَ من الباب الخلفي أم من الباب الأمامي؟
_ ثمة فرق شاسع.فكل من يدخل من الباب الأمامي،لا يكون إلا طائشاً.فيما الباب الخلفي،فهو من اختصاص الشعراء المغمورين بمياه العقل الآسنة.
■ لماذا تسمي مياه الرأس بالمياه الآسنة ؟!!
_ لأن مياه العقل،سرعان ما تركَدُ على الشعر،فتقومُ بالتجَمّد عليه ومنعهُ عن القيام بأية حركة يتطلبها فوران العواطف في شرايين القصائد.
■ كم من الزمن ،استمرت إقامتكَ في الحب يا سيد خوان؟
_ لم انضج حباً بعد.لقد غادر الأرض وأتيتُ ميتاً إلى السماء،كي أحيا وأفتش عن حب.
■ كأنك تعيد جملاً قديمة سبق لك وأن قلتها أنت : (( هناك ذكريات لا تحتاج أن تستدعيها، فهي موجودة على الدوام وتكشف لنا وجهها دون تعب. إنها وجوه الكائنات المحبوبة التي أخفتها الدكتاتوريات العسكرية)) .
_ أجل.لقد اختفى الحبُ من جسدي،أيام اختفاء البشر في سجون الأرجنتين.
■تقصد أن الديكتاتورية البربرية هناك،قد أوقفت مضخة الغرام عن العمل ،أو حطمتها في جسد الشاعر خوان خيلمان ؟!
_ أجل.ففيما كان الشعرُ يمنح اللذّة عبر المرأة ومشتقات الحياة الجمالية ،كانت البربرية تمنحنا الظلام،لنغرق تحت غباره الأعمى متلاشين حتى الصفر.
■ وعن ماذا يقدر الشاعر أن يكتب بغياب الحبّ ؟
_ بالحبر النفسي .
■ هل ستأخذ موعداً لزيارة سيغموند فرويد هنا ؟
_ لا مانع عندي يحول دون ذلك.فالرجلُ فرويد طبيب وصديق ،وقد تعلمَ كيف يصنعُ من الشعر أدواته وأفكاره وجنونه البراغماتي.
■ هل من أجل ذلك استعنتَ بالموسيقي خوان سيدرون، ليقوم بتلحين الكثير من أشعارك سيد خوان سدّا للفراغات في حياتك؟
_ كنت خائفاً من نشاط البُرْغوثِياث في أثناء نومي .
■ وما تلك البُرغوثياث سيد خوان ؟
_ أنها فصيلة البراغيث ،من رُتبة عَديمات الأجنحة.وقوائمها طويلةٌ كما يقول المعجمُ .

■ هل تواجه هجمات منهنّ بدلاً من الأشباح ؟
_ أنا مُصابٌ بصُداعٍ الموت النصفي.نصف رأسي للأمل .ونصفهُ الآخر مرتعٌ لوحوش الجحيم.
■ وهل تساعدك بعضٌ من تلك الوحوش الكتابة في الشعر؟
_ لا. لم يساعدني أحدٌ قط.فالأملُ ،عادةً ما يتملّص من غسل الأطباق التي يلتهمني فيها وحوش الليل،ممن يتركون خلفهم الأبوابَ مفتوحةً للرياح مغادرين الأمكنة في جسدي.
■ هل في الشيوعية أشباحٌ يا سيد خيلمان ؟
_ الشيوعية مرآةٌ،ولكنها لا تحتملُ وجود حلمٍ على سطحها الزجاجي.فالأحلام ليست طبقياً بالقدر الكافي.
■ لقد بدأت معجباُ ببوشكين.والآن .بمن يستطيع الشاعر خوان خيلمان قياس نفسه شعرياً على سبيل المثال؟
_ به نفسه.بوشكين لا يمكن استبداله بشاعر آخر،لأنه تحجر في داخلي كتمثال من الصلصال منذ أعوام طويلة.
■ ولكن الشعر ضد التحجر وعبادة الرموز.حداثتهُ تمضي به كما الزلازل في أعماق اللغة.كيف لم تتكيف مع ذلك سيد خوان؟
_ كلما حاولت التخلص من تأثيرات التماثيل القديمة،وجدتُ نفسي تفيض بالخوف،فأقوم بفرملة قلمي،وإبعاد الورق عن طاولتي صوناً لعلاقتي نفسي من الانحراف.فلا تعتقد أن الانتقال من مدرسة شعرية إلى أخرى بالأمر اليسير السهل.كان الوضع يشبه العودةَ إلى رحم الأم من جديد.
■ بعد تكريمك بجائزة سرفانتس حذرت من مغبة التوقف عن تحديث اللغة ،فقلت: (( منذ بضع سنوات أطلق بعض الشعراء تحذيراً شبه تشريعي بعدم المساس باللغة، وكما ولو كانت اللغة نهراً متخثّراً ، أو كما وأن الشعوب لم تمسّ باللغة منذ أن بدأت بإطلاق الأسماء”، علماً بأن التجديد في اللغة يؤكد حيويتها لأن اللغات الوحيدة التي لا تتبدل هي اللغات الميتة. )) هل تعتبر نفسك شاعراً مُجدداً ؟
_ التجديد ليس مهنةً برأيي ،بل هو السيروم الذي تتغذى اللغاتُ بفيتاميناته لإدامة العمر.لا يمكن اعتبار اللغة حجر زاوية في القواميس فقط.ذلك خطأ فادح بالتأكيد.
■ هل من الضروري وضع اللغات موضع الفئران في المختبرات ؟
_ هذا وصف دقيق وفي محله تماماً،خاصة بالنسبة للشعراء.فما من مادة أو من روح خارج الاختبار .فحَريّ بالشعر أن يتعايش مع طقوس المختبرات وأعمالها التقنية والفنية ،لإنقاذ النصوص من الأعطال والتحجر واللا معنى .
■ أيصح القول بأن على الشعر أن يكون طبقياً كما يعتقد الشاعر خيلمان ؟
_ طالما ناضلتُ من أجل أن يكون الشعر طبقياً،إلا أنني سرعان ما توقفتُ عن ذلك في منتصف الطريق.وجدت أن الطبقية مِعويّة،لا تناسب الشعر أبداً.خجلتُ من رؤية رامبو أو المتنبي وهما يقومان بتخزين قصائدهما في مصارين !بينما الوجود الطبيعي للشعر ،فيكمن في منازل الآلهة .
■ أليس هذا تعالياً خيالياً ؟؟
_ نعم.والشعرُ الأقوى منطقةٌ للتخيّل .بل هو الخيالُ السامي الذي يلبس اللبوس الواقعي بأنماط غير مستهلكة في مواجهة أنواع الموت المختلفة التي عادة ما تظهر أعراضها على اللغة .
■ هل اجتمعت ببعض أسلافك هنا ؟
_ لم أتذكر منهم أحداً .
■ ولا حتى ملهمك الأول الشاعر الروسي بوشكين ؟!
_ أجل.حتى بوشكين نسيته.لقد أعدت قراءته ولم يضرم برأسي ناراً كما فعل ذلك يوم كنت على ظهر تلك الأرض قديماً .
■ هل يجدُ خوان خيلمان ضرورةً بأن يعيدَ الشعراءُ الموتى كتابةَ أعمالهم الترابية القديمة إلى نصوص أثيرية سماوية؟
_ لا أفضل ذلك.فعَفا اللهُ عَمّا مَضى.تلك نصوصٌ ميتةٌ ،ولا تصلحُ للتدوير أو التكرير هنا.كلُّ شاعرٍ قادمٍ إلى هنا،إنّما هو شاعر مبتدئ وغير مُتقمّص لروحه الأولى .
■ كأنّما تحاول المضي باتجاهين: أن تتخلصَ من شعراء الصف الأول ممن عاصروك على الأرض،والاتجاه الآخر،أن تُرَوّج لفكرة الكتابة أو التأليف الجديد،وليس تدوير وإعادة إنتاج القصائد القديمة؟
_ ما أن خرجتُ من قبري ،وصعدتُ في الكابينة الفضائية قادماً إلى هنا،حتى وجدت طاقماً طبياً مشغولاً بتركيب أعضاء جديدة في جسمي القديم – قلب وعقل ورئتين والبقية الأخرى من الأعضاء-.وآنذاك راودتني فكرة أن يعود بي ذلك الطاقم إلى الأرض،لأحضر معي كتبي .ولكن فكرتي رُفضت بالمطلق،بعدما أخبرني أحدهم بأنهم يلتزمون بمقولة السيد كيركيغارد القائلة : ((إن ديالكتيك التكرار سهلٌ )) وهو ما حال دوني ودون كتبي الشعرية التي تركتها على الأرض .
■ ولكن قد تكون مقولة الفيلسوف الدانمركي كيركيغارد في غير ذلك الاتجاه الذي تقصده؟
_ كل ذلك والنتيجة واحدة.فـ (التكرار والتذكّر هما نفس الحركة ،ولكن في اتجاهين متعاكسين،لأن ما يتم تذكّره هو أمر قد كان ،وهو يتكرر باتجاه الوراء.في حين أن التكرار الذي تدلّ تسميته عليه ،يتم تذكّره باتجاه الأمام.بناءً على ذلك ،التكرار ،إذا كان ممكناً،يجعل المرء سعيداً بشرط أن يعطي نفسه وقتاً لكي يعيش ولا يعيش في آن معاً.))
■ ألا تعتبر الفلسفةَ قتلاً للشعر،أو محاولة لتوريط الشاعر بإعدام نصوصه على سبيل المثال ؟
_ ليس هذا صحيحاً البتة.لأن الفلسفةَ غرابُ كلّ الفنون.الغرابُ الذكي المُدعى عليه بطير الشؤم، الذي يثير استفزاز الدواب.فيما هو رائي الطيور بالضبط.
■ هل تعلمت من (سرفانتس) أصول القتال شعرياً ؟
_ سأضعك بالصورة : الرجلُ الرائع ميغل دي سرفانتس، أعطانا دونكيشوت كفكرةٍ عن حروب الطواحين ،ولم يعطنا سيوفاً وجثثاً وسيولاً من الدماء ومدناً من خرائب معلقة على رؤوس الرماح. كان سرفانتس رجل مسرح تهكمي لم يعط بطلهُ دونكيشوت أمراً بقتال أحد سوى المضي بالحرب ضد الطواحين.أي أن سرفانتس قدمَ للبشرية فرجةً سوريالية هائلة.
لقد قلت ذات يوم ((إن دون كيشوت وانطلاقاً من موقع الفارس المتوهم والجوال الذي يشكو لأن السلاح الناري حل محلّ السيف ولأن الرصاصة البعيدة أفقدت جدوى صراع العضلات، إن دون كيشوت بذلك يبرز الظاهرة التي بدلت كلّياً مفهوم الموت في الغرب، أي ظاهرة الموت من بعيد، ففي كل مرة يكون هذا الموت أكثر إحكاماً بالنسبة للقاتل، وأكثر فظاعة بالنسبة للمقتول. وقد دخلت في طي النسيان المراسم العامة والمنظّمة التي كان يرأسها المحتضر نفسه وهو على سرير الموت، أي مراسم وداع الأهل والأصدقاء والجيران، وتدوين الوصية أمام الثكالى. وحلّ هذه الأيام موت المستشفيات بمواكبه الخرساء والكاذبة. وماذا نقول عن المائتي ألف ضحية مدنية في هيروشيما الذين أبادهم العقيد باول توبيتس من أعلى بمجرد ضغطة زر، وكان يقود طائرة سماها باسم أمّه وألقى القنبلة الذرّية ثم نام قرير العين حسب قوله؟!!
قليلون هم الذين يعرفون أسماء الضحايا الذين أزهق العقيد أرواحهم ، فقد أصبح الموت مغفلاً بل وهناك ما هو أشنع، فهناك اليوم مئات الآلاف من البشر محرومون من موتهم الطوعي ، وهذا ما يحصل في العراق )) .

■ هل يستطيعُ الشاعرُ محاكمة التاريخ ؟
_ لا وأبداً.لأن الكلماتَ ترفضُ أن تكون أقفاصاً للحبس أو قاعاتٍ للمحاكمة .وإذا ما فعلتْ الكلماتُ ذلك ذات يوم،فهي ستعتذر لاحقاً .فمحاكمات التاريخ،غالباً ما يقودها الجلادون ،كون التاريخ مجموعة قواويش وزنازين وكهوف ومعسكرات ،لا تقدر المخيّلة على التسلل إليها والتعامل مع الجرائم التي تقع هناك،كما تفعل ذلك الرماحُ والعصي والبنادق.
■ ألا تُعَدّ ذلك انهزاماً بالنسبة للشعر ؟
_ خبرةُ الشعر لا تقع في محاكمة التاريخ،بقدر ما تتموضع في تهشيم رموز التاريخ شعرياً.أي هناك ضرورة للفصل ما بين السياسي والشعري ،وصولاً إلى اللذّة الكبرى.
■ لذّةُ ماذا أو منْ ؟
_ اللذّة الاستقصائية التي تنجم عن الربوبية الشعرية التي تحدث عنها هوميروس وآخرون .
■ هل يشعرُ خوان خيلمان بأن الساعة التي تلتفُ حول معصمهِ،تنتجُ شعراً هي الاخرى؟
_ أبداً.فالساعة اليدوية،تشبهُ إلى حدّ ما مقعداً في حَمام مطعمٍ يَزدحمُ بالزبائن .
■ ثمة من يقول بأن ((كلّ قصيدة هي نوعٌ من التأويل الضاّل للقصيدة الأم .القصيدة ليست محاولة للتغلب على القلق،بل هي القلق عينه)) .ما رأيك؟
_ لم أعطِ تلك الأفكار انتباهاً.كنت أحترمُ النقادَ ولا أتفاعلُ معهم من كثرة انتهازيتهم التي عادةً ما يوصفون بها على مر التاريخ.
■ إلى أية درجةٍ تعتقدُ بأنك ستؤثر في الأجيال القادمة من الشعراء؟
_ لا أرى في ذلك ضرورة،لأن التأثر والتأثير شأنٌ يخصُ ذات الشاعر ،وقدرتهِ على التفاعل اللغوي ما بين داخله وخارجه.

■ هل تكيفتْ مخلوقاتك الشعرية ما بين الداخل والخارج ؟
_ أجل.لقد ارتدوا ملابس بعضهم في أعلب الأحايين .
■ وهل تكفي الملابس وحدها ،لتخلق انسجاماً ما بين الاثنين يا سيد خوان ؟
_ إذا كان الاتفاق أبعد من الملابس،فذلك يعني الصدام والتنافر.وذلك هو هدفي بالضبط.لا إبداع في الاتفاق على الانسجام في الشعر.
■ تقصد أن الانسجام معادل موضوعي للتناسخ والتناص والنقل التحويري ؟
_ بالضبط. فالاتفاق جهازُ قياس اللصوصية في حقول الشعر .
■ بعد أن كتب خوان خيلمان دواوينه: «الكمان وأسئلة أخرى»(1956)، «اللعبة التي نمضي فيها »(1959)، «غوطان »(1962)، «أحداث وعلاقات» (1980)، «مواعيد وتعليقات» (1982)، «باتجاه الجنوب»(1982)، «بشارات» (1988)،« رسالة إلى أمي» (1989)، «أجور الكافر» (1993)، «يستحق العناء»(2001)، «البلاد التي كانت ستكون» (1982)، «تحت مطر غريب» (2009)،«واليوم» (2013).ماذا ينتظر في السموات الآن هنا ؟
_ لا أنتظرُ غودوت بالطبع،ولكنني سأتعلم الفروسية وأحصل على حصان ورمح وتذكرة سفر لمدن الطواحين الواقعة في الجانب الغربي من دار الأوبرا السماوي.
■ من أجل ملاقاة دونكيشوت في فصل جديد من معارك التاريخ الوهمي مثلاً ؟
_ أجل. أريد أن أحقق حلمي بمعركة مع بطل سرفانتس .
■ تريدُ قتل دونكيشوت؟
_ أبداً.ولكنني أريدُ مرافقته إلى مدن الطواحين الإلهية .فصحبة ذاك الفارس مع غرامفون لتغليف الأرواح بالموسيقى والأغاني ،ستفتح لي الطريق واسعاً إلى الفردوس .
■ لماذا ترغب بفعل ذلك.هل لأنك سبق وأن قلت: ((الأوجاع “منطقة شاسعة وإنها على الأرجح أرجنتينية ؟ ))
_ لقد حاولتُ أن أجعل الحزن ثلاجةً مُجمدةً في عين على وجهي.لم تمتلكني الرغبة بأن أفيض دمعاً على كل إنسان يموت ظلماً على الأرض.رفضي لذلك، لا يعني التخلي عن المتألمين والبؤساء ،بقدر ما هي محاولة لمنع انهياري .
■ هل أمكَ مَسْقَطُ رأسكِ أم الأرجنتين أم القصيدة ؟
_ المورفين بالتأكيد .
■ وهل كنتَ مدمناً يا خوان خيلمان ؟!!
_ أنا مدمنٌ بالأرجنتين التي علّمتنا القسوةَ والألمَ والمنفى وحملَ صخور سيزيف.الأرجنتين البلاد أو الرحمُ الأعظم للآمال التي تضخ فينا الدمَ ،وتعيشُ عليها قصائدُنا .
■ كأنك رُوبوت آلي للتراجيديات الشعرية ، لا تحرككَ سوى المآسي يا خوان ؟
_ لو كنتُ غَشّاشاً في حياتي ،لاستخدمتُ الثلوج في طمر ما رأيته من جثث ،وأخذتُ كأساً من الويسكي،لينتهي الأمر.
■ هل سبق لك وأن وقفتَ أمام مرآةٍ،وحاكمتَ نفسك يا سيد خوان ؟
_ كان ذلك يتم عبر سنوات من سني وحدتي ومغامراتي المرتبطة بالموت الرومانتيكي الذي وجدته في مرحلة،بأنه الخيار الأفضل لإنزال الكرة الأرضية من على ظهري.
■ هل تعاني من سوء الهضم ؟
_ عندما يتحول المرء فجأة من صيغة المُتكلّم إلى صيغة الغائب.
■ والحبّ يا سيد خوان.هل سبق وأن أتلفَ لكَ شيئاً من حواسّكَ ؟
_ بلا أدنى شَكّ. فقد أصبحت عندي مُدلكةٌ خاصة بآلام جسمي الفائض بالأسئلة والحرائق وتصاوير الذين أخذهم الغيبُ إلى غرفته الأخيرة في الطابق العلوي الزمن .

شاهد أيضاً

يا لذّة التفّاحة
فراس حج محمد/ فلسطين

يا زهرتي الفوّاحَةْ يا وردتي يا قُبلتي المتاحةْ يا بهجتي، يا مهجتي يا قِبلتي في …

غاستون باشلار: حلم التحليق(الحلقة الأولى)
ترجمة: سعيد بوخليط

” عند قدمي،لدي أربعة أجنحة لطائر أَلْسيون،اثنان عند الكاحل،أزرقان وأخضران، تعرف كيف ترسم فوق البحر …

مقداد مسعود: سيف ٌ في غرفة الضيوف على الجدار

واقفٌ يتباهى بسيف ٍ صائمٍ غمّدهُ الغبار صاح أصغرهم : هذا سيفٌ لا تخشاه طيور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *