مَريم لُطفي الآلوسيّ : النَّوارسُ المُهاجِرة- رحلةُ الموتِ (قُصَّةٌ مأساويَّةٌ لأرواحٍ تبحثُ عن السَّلامِ) (1)

الإهداء..

إلى كلّ الأرواح البريئة التي قضت بحثا عن السلام, عن وطن ودفئ وأمان..

كان ياما كان زينب وحيدر وغالب وإيلان..
نوارس كان لهم مع القدر شان..

إلى كلِّ الأطفال الذين حُرموا حقَّ الحياة..
إلى كلِّ طفل قد عانى من أجل الحياة..
إلى أولئك الذين وجدوا أنفسهم دخيلين على الحياة.. ومسؤولين في الحياة..
إلى كلِّ من اغتيلت طفولته.. إلى كلِّ من استُغلَّت براءته..
إلى كلِّ طفل صُودرت حقوقه..
أقولُ: قلبي معكم
والى..
القبس الذي انتهلت منه طريق النور..والداي..نور حياتي
والى..
عيوني والقلب الذي يمدني بالحياة..اولادي الثلاثة
والى..
اخوتي واخواتي وكل من دعمني بكلمة اوحرف مع خالص امتناني

ملاك صغير..

أهدى الصباح للبلاج وردا،طفلا صغيرا للرمال متوسدا، متاملا وحالما بحديقة وارجوحة من ياسمين،لن يحمل الهم اين سيبيت ليلته،فكل السماء باتت له سكنا وملتحدا..

(إهداء إلى الملاك الصغير إيلان الذي صار رمزًا لكلِّ طفل أُزهقت روحه؛ بحثًا عن السلام)

الكاتبة..

المحتويات
الاهداء
ملاك صغير
تمهيد
المقدمة
الوطن..الحياة
اطلال بغداد
صراع من اجل البقاء
المشهد يتكرر..الملاذ الامن
وطني
غريب
الغراب
مدينة كوباني
طيور الظلام
طاحونة الحرب
الموصل الحدباء
فتاة الجحيم
مخيمات
ضوء في اخر النفق
القامشلي
اعوذ بالله
في المطار
مدينة بودروم
الدار امان
غربة
نهم البحر
ليل وانتظار
عقارب كسيحة
الورقة الاخيرة
رحلة المجهول
قصيدة النوارس البيضاء
كلمتي..

تمهيد

هذه القصّة حقيقيّة، وأحداثها حقيقيّة كذلك, حدثت وتحدث كلَّ يوم أمام مرأى العالم ومسمعه كلّه، وقد أضفت إليها أحداثًا وشخوصًا من نبع خيالي، إذا أخذنا بالحسبان أنّي مواطنة عراقيّة، عشتُ وأعيش هذه المأساة كلَّ يوم..
وقد تأثّرت كثيرا في هذه المأساة التي هزَّت العالم ولكن دون جدوى، فقد مرّت مرور الكرام.. لقد زرت مدينة بودروم التركيّة التي وقعت فيها المأساة ورأيت عن كثب معاناة المواطن العراقيّ والسوريّ بعيدا عن أرض الوطن.. رأيتُ ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.. عرفتُ معنى أن يعيشَ الإنسان غريبا، بعيدا عن الأوطان، يفترش الأرض ويلتحف السماء، قُوته الماء والهواء.

المقدِّمة

الوطن .. الحياة

قد كان للوطن نكهات أُخر
وللشمس دفءٌ أوفر
وللقمر سطوعٌ ساحر
وللناس روحٌ ونفسٌ وضميرٌ..

من عاش حقبة السبعينيَّات يعرف جيّدا ما تعنيه كلمة وطن.. ويقدّر كلَّ ذرة تراب عاشها في كنف ذلك الوطن..
الوطن يعني الحبَّ.. يعني العائلة.. يعني لمّة الأهل والأقارب.. يعني الثقافة وحبَّ المعرفة.. يعني الكتاب ..
لم تكن حقبة السبعينيّات مجرّد سنين وأرقام مرّت مرور الكرام، بل كلُّ يوم فيها كان له قيمة.. الإنسان له قيمة.. الرموز .. المعالم الأثريّة .. الطقوس.. العيد.. كلّ شيء له قيمة عالية..
هذه الأمور تترك في النفس بصمة واضحة وأثرًا بالغًا لا يمكن أن تمحوه سنوات الإرهاب العجاف ..
وطني.. يعني أمّي وأبي.. يعني أخوتي وأخواتي.. مدرستي.. بيتنا.. جيراننا.. محلّتنا التي تربينا فيها كأخوة، بغضِّ النظر عن اللون والديانة والمعتقد..
تعلّمت أن أنظر إلى الأشياء على أنَّها قيمة مطلقة، فيها الكثير من العبارات الجماليَّة الكامنة وراء السطور.. حبُّ الأرض.. البساتين.. النخيل.. المطر بروعاته.. بمظلّاته.. بتدافع الصغار نحو حبَّاته..
الغروب وروعته.. الأصيل وسحره.. الشروق.. الصباح.. نشيد العلم..
هذا هو الوطن.. الانتماء.. الحبّ.. الحياة..
وكلُّ الحياةِ كانت تنبضُ بالحبِّ ..
وكلُّ الباعةِ كانوا يبيعون الحبَّ..
وكلُّ شيءٍ ينبض بالحياة..

أطلال بغداد

حيّيــــت صــــبرَكِ بغداد فحيـــــــينا..

بغداد الحبّ والسلام, عروس الشرق والغرب, بغداد الحضارة والتاريخ والثقافة والفنون, الشاخصة بمبانيها القديمة، وشناشيلها المتدلّية على جانبي المحالّ القديمة، الموغلة بالقدم، ونهرها الخالد دجلة الخير، ذلك النهر الرائع بضفافه وشواطئه المزدانة بالمقاهي والمطاعم، ورائحة السمك والشواء تملأ الآفاق، وصهيل الملاعق بأقداح الشاي يبعث النشوة في النفوس. شارع أبي نؤاس بكلِّ روعاته، بطقوسه، بألقه، بضفاف عُشَّاقه ..
الباص ذو الطابقين وهو يجوب بغداد بشوارعها العريقة, شارع الرشيد, تمثال الرصافيّ, ساحة كهرمانة، ساحة التحرير.. كلُّ تلك المعالم الجميلة باتت أطلالًا وخرائبَ..
تفجير هنا, تفجير هناك، وقد علت أصوات التفجيرات على أصوات الجوامع والكنائس.. ولم يعدْ يومي الجُمُعة والأحّد موعدًا لتجمّع الناس للصلاة، بل بات الناس يتجمَّعون ليجمعوا أشلاء الشهداء.. باتت مشاهد الدَّم لا تفارق أيَّ شارع أو زقاق، وتحوّلت الحياة إلى جحيم، وتحوّلت الضحكات إلى مشاهد مؤلمة، وأشلاء من كلِّ شيءٍ متناثرة، تبعث الحزنَ والأسى..
أمَّهات فقدْنَ أبنائهنَّ بين الركام والحطام خلف الجحيم, وأناس تحت خطِّ الفَقر، يبحثون بين بقايا القمامة عن لقمة يقتاتون عليها، ويتَّخذون من هياكل السيَّارات ملاذا لهم, وأرامل يطْحنَّ الأيامَ والسنينَ خبزًا لأطفالِهنَّ.. ولم تعدْ المقاهي مكانًا لارتياد المثقَّفين والمتقاعدين، بل صارت مكانا يندب العراقيُّ فيه حظَّه، ويترحَّم على أيام السلام, كُتلٌ كونكريتيَّة في كلِّ مكان, شوارعُ مغلقة, لافتات عزاء لمن قضوا بانفجار أو قتل, معالم الخراب واضحة في كلِّ محلّة أو زقاق، وشبح الموت يطارد من بقي على قيد الحياة يصارع من أجل البقاء.. ومظاهر العيد اختفت، التي كانت تزهو بها المدينة، وضحكات الأطفال وملابسهم الجديدة، وجريهم نحو مدينة الألعاب، والزحام الكثيف على دور السينما والمسرح، كلُّ ذلك اختفى وقد ترك الإرهاب بصمته في كلِّ مكان، وتحوَّلت بغداد من بلاد السواد لخضارها – كما كانوا يسمُّونها – إلى مدينة السواد؛ لكثرة الأموات فيها

صراعٌ من أجل البقاء

يوم عاديّ..
وبين المرايا وبين الصور
تراودني أسئلة حائرة
وتلك السلالم خلف الجحيم
تداعب أحلامنا الثائرة

لم يكن البقاء على قيد الحياة في بغداد أمرًا هيِّنًا, فمجرد بقائك حيًّا هو معجزة بحدِّ ذاتها..

في أحد محالِّ بغداد القديمة المكتظَّة بالسكان, ذات النسيج الاجتماعيِّ الرائع، الذي يضمُّ كلَّ الطوائف دون قيد أو شرط.. يصحو الناس فجرا على رائحة الخبز الحارِّ والكاهي البغداديِّ الشهير، وترَاهمْ يتزاحمُون صباحا؛ لشراء القيمر.. والصوت الفيروزيّ يصدح في المقهى صباحا، معلنًا قدوم يوم جديد..
هذه المحلَّة التي حاولتْ جاهدةً المحافظة على أصالتها، متحدِّية كلَّ قوى الإرهاب والطائفيَّة، مُحتضِنة أبناءها كما تحتضن الحمامة فراخها.. في هذه المحلَّة كان يسكن عادل كريم أبو نورس وأسرته الصغيرة, وهو شابٌّ في نهاية الثلاثين, إنسان مكافح, نشيط, قلبه عامر بالإيمان, قد ترك الزمن على وجهه خطوطا واضحة, كان يعمل سائقا لسيَّارة أجرة، يقضي النهار كلَّه بالعمل، وتربطه علاقات طيِّبة مع كلِّ راكبٍ يركب معه, يتبادل الأحاديث والقَصَص وهو في طريقه لإيصال الراكب, يجول في مناطق العاصمة ويأسف لما حدث لها, فقد كان الخراب واضحا في كلِّ مكان، وآثار الدمار والتفجيرات كانت جليَّة على وجه كلِّ حيٍّ بات هرما يتعكَّز على عكّازة الذكريات القديمة.. لأبي نورس زوجةٌ لطيفةٌ محبَّةٌ حنونةٌ, مفعمةٌ بالحياة, وحريصةٌ على بيتها وأولادها أيَّما حرصٍ, اسمها دعاء وينادونها أمّ نورس. والزوجان لديهم ثلاثة أبناء، الكبيرة وعمرها أحد عشر ربيعًا، وهي طالبة في الصفِّ الخامس الابتدائيِّ, طفلة مفعمة بالحياة، طالبة مثاليَّة, متفوّقة في الدراسة, تحاول أن تكون نسخة من والدتها، واسمها ياسمين ..
وأخوها الأصغر نورس، الذي كان في ربيعه التاسع طالبا في الصفِّ الرابع الابتدائيِّ, كان طفلا وسيما متفوِّقا مطيعًا لأبويه، وكان مهووسا بلعبة كرة القدم.. أمَّا الأخت الصغرى؛ فكانت في ربيعها السادس في الصفِّ الأوَّل الابتدائيّ، واسمها دنيا وهذه كانت آخرَ العنقود.
– هل أكملتم الواجبات المدرسيَّة؟ اغسلوا أيديكم، وتهيَّؤوا للعشاء، فأبوكم على وشك الحضور, بدأت بتحضير المائدة هي والأولاد, لكنَّ الأب تأخَّر ولم يحضر كعادته, بدأ الصغار يتساءَلُون، والأمُّ تحاول إيجاد تبريرات لهم، فربّما كان هناكَ زحامًا مروريًّا، وهذا أمرٌ مألوفٌ في العاصمة, حاولتْ الاتصال به عبثًا لم يرد، بدأ القلق يتسرَّب إليها كرائحة الدُّخان يبدأ خفيفا ثُمَّ يشتدُّ حتَّى يكبس على الأنفاس، هكذا كانت الأمُّ تشعر, اتَّصلت بأخيها تسأل عنه، قال: إنَّه لم يمر عليه اليوم، لكن ربَّما هناك ما شغله، ربَّما الازدحام، أو إنَّه ذهب لشراء شيء ما..
حُضِّرت المائدة، ووُضعت الصحون، وبدا الملل واضحًا على الوجوه، كان نورس يهزُّ رجليه تحتَ المائدة، ويهزُّ كلَّ ما عليها, قالت ناهرةً: أَلَا كففت عن هذا بربِّك؟
– ألا تعتقدين أنَّ أبي تأخَّر؟
– هذا صحيح لقد تأخَّر, قالت ياسمين وهي ترسم شيئًا بالملعقة على الصحن الفارغ.
– نعم لقد تأخَّر أبي، وأنا أحسُّ بالجوع، من سيضع لي الطعام في الصحن؟ قالت دنيا بتململ.
– أنا سأضع لك, هيَّا عليكم أن تأكلوا، ربَّما هناك ما يشغل أباكم, هيَّا أتمُّوا عشاءكم واذهبوا إلى النوم، فغدًا لديكم مدرسة صباحا.
وبمشقة نام الأولاد، حاولت أن تتصل بزوجها ثانية لكن دون ردٍّ، اتّصلت بأخيها وطلبت منه أن يبحث عنه، حاول أخوها أبو عليّ طمأنتها، وبأنَّه سيذهب ليبحث عنه، ربَّما في المقهى أو في الجامع يستمع إلى محاضرة دينيَّة.. أغلقتْ الخطَّ وبدأت تتمشَّى في رواق البيت، لا تدري ما تفعل، تدورُ حول نفسها، قرَّرت أن تصعد إلى الغرفة العُلويَّة، فإنَّ فيها شرفة يمكنها أن تراقب من خلالها ما يدور في الخارج.
كان الليل حالكا، والنجوم تبدو كلآلئ سابحة، والقمر لم يكن موجودا أو ربَّما اعتذر عن الحضور, كلُّ شيء فيه يدعو للتأمّل.. تذكَّرت عندما نعق الغراب في الصباح هذا اليوم على شجرة الصفصاف، المتدلِّية الفروع قرب البيت المقابل لبيتهم، كانت فروعها كثيرة إلى حدِّ أنَّها أصبحت كالمظلّة, وقتها كانت ذاهبةً لشراء بعض الحاجيّات من السوبر ماركت القريب, كان واقفا على أحد الفروع المتدلِّية، غراب عجوز أسود، تشوبه بعض الريشات البيض، حاجباه أبيضان منكوشان، متهدِّل الكتفين، يبدو عليه المكر والبؤس, يشبه كثيرا شايلوك اليهوديّ المرابيّ في رواية تاجر البُندقيَّة, هكذا كانت تراه, حينها تناولت حجرا من الأرض ورمته، فتساقطت منه بضع ريشات، ثُمَّ طار مبتعدا، لكنَّه قبل أنْ يطير رمقها بنظرة وكأنَّه كان يتوعَّدُها..
انقبض قلبُها وهي تتذكَّر هذا المشهد، ثُمَّ استغفرت الله في نفسها وقالت:
– ما كان عليَّ أن أضربَ ذلك الغراب، إنَّه مجرَّد طائر لا يهشُّ ولا ينشُّ.. لكنَّه نحسٌ، هكذا كانت تقول جدَّتي, لقد كان له علاقة بوفاة جدّي – رحم الله جدِّي-.. يا إلهي! ما هذه الأفكار الغريبة، يكاد رأسي ينفجر, لا بدَّ أنَّ البنزين نفدَ من السيَّارة، أو أنَّ هناك خطب ما..
كان الليل ساكنا، وليس ما يعكّرُ صفوه غير أصوات السيَّارات على الشارع الرئيس, دخلت الغرفة ونزلت من السلم ثُمَّ دخلت غرفة الأولاد، سحبت الغطاء عليهم، ثُمَّ دخلت غرفتها لترى كم الساعة الآن, كانت الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل..
شدَّ انتباهها صورة زفافها المعلَّقة على الحائط، وقفت أمامها، سرحت بها الذكريات، أخذتها ليوم عرسها وكأنَّه شريط سينمائيّ يمرُّ عليها الآن بكلِّ تفاصيله, تذكَّرت ذلك الثوب الرائع الذي اشترته من الكرَّادة، وتلك الإكسسوارات، وكلَّ ذلك الصخب الجميل الذي يبقى المرءُ يتذكَّره طوال حياته أصوات الموسيقى.. أصوات منبِّهات السيَّارات.. تلك الملابس البرَّاقة، التي يرتديها المدعوُّون والمدعُوَّات في هكذا مناسبات.. بوكيه الورد وتنافس الصديقات على التقاطه ,,تمنَّت لو أنَّ الزمن يعود إلى الوراء.. ابتسمت قليلا ثُمَّ أفاقتْ على صوت قلبها، يتبعُهُ صوت دقَّات الساعة تك. تك. تك.. فزعت من جديد، تمنَّت لو أنَّها تكسر هذه الساعة؛ لتتوقَّف عن الاستفزاز.. تناولت الهاتف النقَّال واتَّصلت بأخيها لكنَّه هو الآخر لم يرد.. بات الدُّخان الذي أطبق على أنفاسها في المساء يثمرُ إلى حريق في قلبها.. بدأت تضرب كفًّا بكفٍّ.. تدورُ حول نفسها لا تدري ما تفعل، صعدت ثانية إلى الغرفة العُلويَّة، ثُمَّ خرجت إلى الشُرفة، بدأت تسمع أصوات سيَّارات من بعيد ينقلها صوت سكون الليل، لكنَّها ليست أصواتا عاديَّة، إنَّها أصواتُ سيَّارات الإسعاف والحريق, يا إلهي! قالت في نفسها: ماذا أسمع، بدأت ركبتاها بالارتعاش، وجدتْ نفسَها ترجفُ من كلِّ اتِّجاه، وكأنَّها ريشة في مهبِّ الريح، تلعب بها الأفكار والهواجس كيفما تشاء, تناولت الهاتف النقَّال واتَّصلت بزوجة أخيها، وجدتْهَا هي الأخرى حائرة بأمرها، لا تدري ماذا تفعل، فقد خرج أبو عليّ من ساعات للبحث عن أبي نورس، وإلى الآن لا يوجد خبر، وكما يقول المثل العراقي: لا الرجل ولا مسحاته..
كانت تصعد وتنزل بلا جدوى، والدموع تفرُّ من عينيها, ثم تجلس وتتوسَّل إلى الله أن يرجعَه إليها.. توضَّأتْ وصلَّتْ ركعتين لله، ثُمَّ تناولت المصحف وبدأت تقرأ ما تيسَّر لها من القرآن.. ثُمَّ تذهب صوب الباب علَّها تسمع صوتا، لكن لا يوجد سوى صوت صرير الليل.. يا إلهي زوجي وأخي! يا ربِّ الطفْ بحالي.. ساعدني يا الله! أدركتْ أنَّ مكروها قد حدث، وعليها أن تنتظر للصباح لترى ما يمكن أن تفعله.. دخلت ثانية الى البيت وهي تقطعه جيئة وذهابا ،كل شئ يدعو الى القلق ،خرجت إلى الحديقة علَّها تسمع أيَّ شيء, كانت تمشي على اطراف اصابعها علها تسمع شيئا، وفعلا سمعت صوت سيَّارة تأتي من بعيد، تقلق نومة الليل، وتوقظ أملا في نفسِها ولو ضعيفا, مشت في ممرِّ الحديقة، اقتربت من بابها الحديديّ، نظرت من خلال الثقوب الموجودة في الباب رأت سيَّارة توقَّفت قرب الباب، فتحت الباب رأت سيَّارة زوجها، تسمرت في مكانها وقد اشرأب عنقهالتستكشف،لكنَّ السائق لم يكن هو, وقفت مفجوعةً تحملق بالسائق الذي كان أخوها أبو عليّ، وضعت يدها على فمِها صاحت بصوت متقطِّع: هل مات زوجي مات؟! يا إلهي! يا إلهي!.. ترجَّل أخوها من السيَّارة وقال:
– هوِّني عليك يا أختي، لِمَ أنتِ هنا بالشارع؟
– أين زوجي؟ هل مات؟ أخبرني عادل مات أليس كذلك؟!
– إنَّه بخير، فقط أُغمي عليه بسبب الضغط، وكان ينزف من أنفه، إنَّه ممدَّدٌ في خلفيَّة السيَّارة، ساعديني.. لكنها حاولت لم شتات نفسها المظطربة، ثم أجهشت بالبكاء، لم تصدِّق ما سمعت، ركعت على الأرض, سجدت, قبلت التراب،ثم نهضت وركضت نحو السيَّارة، فتحت باب السيَّارة، وجدتْهُ ممدَّدًا، وملابسه ملطَّخة بالدماء، حملقت بوجهه جاهدة فالظلام الدامس يلف كل شئ،ثم وضعت يدها على صدره لتتاكد انه يتنفس،بالكاد رفع راسه وقال لها:انا بخير لاتقلقي،وبنبرة جاهشة قالت له :اتكا عليّ ،فاتَّكأ عليها وعلى أخيها، وأنزلاه من السيَّارة، لم تصدِّق أنَّه حيٌّ, لكن يوجد آثار وجروح في وجهه ويديه، يبدو أنَّ في الأمر أمرًا آخرًا.. قال لها وهو يلهث: لا عليكِ سأشرح لك الأمر لاحقا،كانا يسحبانه سحبا بالكاد يسند جسده المنهك.
دخل الجميع البيت، وكانت الساعة الثالثة صباحا.. السكون مخيم على كل شئ،الاطفال يغطون في نومهم بغرفتهم،الانارة خافتة،والساعة لازالت تعمل، قص لها ما حدث، فقد كان عائدا إلى البيت مساءً، وخطر بباله أنْ يذهبَ إلى محلِّ الشَّكرجيّ ليشتري لأطفاله حلوى البقلاوة، التي كانوا مولعين بها، كان عليه أن يقطع مسافةً ليصل إلى المحلِّ المطلوب.. أوقف سيَّارته في المرآب، ومشى حتَّى وصل، وما إنْ وضعَ قدمَه بالمحلِّ حتَّى وقع الانفجار في أحد المقاهي القريبة، كان الصوت رهيبا والعصف شديدا، مِمَّا أدَّى إلى تكسّر زجاج النوافذ وزجاج الفاترينات للمحالِّ التجاريَّة، وتدمير السيَّارات التي كانت قريبة, ذلك التفجير الذي أودى بحياة العشرات, دمار، خراب، أشلاء متفحِّمة، ورائحة البارود واللحم البشريّ المشويّ تزكم الأنوف منه.. خرير السخام ينزل من السماء، وبقايا لاستيك الإطارات التي اختلطت ذرَّاتها مع ذرَّات الهواء.. رائحة الموت تملأ المكان، وتحرق الرئتين، وتثير الرغبة بالقيء، واستفراغ كلّ شيء حتَّى الأحشاء.. فزعٌ، ورعبٌ، وأمَّهات وآباء يبحثون عن آثار أبنائهم، الذين امتزجت أشلاؤهم مع الركام.. قطعُ الزجاجِ في كلِّ مكان في الأرض، والشظايا مغروزة بالأجساد والجدران، هياكل السيارات المتفحمة العارية لازال الدخان يتصاعد منها بعد ان وصلت سيَّارات الإطفاءأخيرا وقد أغرقت المكان بالمياه، التي امتزجت مع الدماء لتجري أنهارٌ بمشهدٍ رهيبٍ..
قال أبو نورس: لم أستطع أن أرى هذا الدمار وأسكت، فكنتُ أنقلُ الجرحى، أو الذين ما زال فيهم رمق إلى المشفى القريب، وهناك فقدُّتُ الوعي عندما كنت أنقلُ أحدَ الضحايا الذي قُطعت يداه وهو يلفظ انفاسه الاخيرة، لم أستطع تحمُّل الموقف، سقطتُ مغشيًّا عليَّ، في ذلك الوقت كان أبو عليّ يبحثُ عنِّي، وجدَ سيَّارتي قُربَ المشفى، فدخل كالمجنون يبحث عني بين الجثث حتى وجدني هناك.. أقسمُ إنَّه كان يوما من أيام القيامة،لم اصدق انني لازلت حيا،وكنت قلقا عليكم كثيرا .. حمدا لله على كل حال..

شاهد أيضاً

مقداد مسعود: برق ٌ مقلوب

برق ٌ مقلوب مقداد مسعود هل النخلة ٌ بئرٌ مقلوبة ؟ يتدلى مِن قاعِها / …

بريد السماء الافتراضي
حوار مع الشاعر المكسيكي أُكتافيو باث
كتابة وحوار :أسعد الجبوري

لم نستخدم مُكَبّر الصَوت للمناداة عليه.ولم نبحث عنه في سجل ما من السجلات السماوية الإليكترونية …

سعد جاسم: خريف طاعن في الوجع

خريفٌ خريفٌ خريفْ و يالَهُ … من خريفْ : وجوهٌ ” صفراءْ ” وقمصانٌ شاحبةْ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *