في الذكرى المائة لثورة العشرين الخالدة . الثورة العراقية الكبرى (ملف/8)

القيادة والتنظيم
كانت قيادة ثورة العشرين، تتكون من مجموعة من شيوخ الدين، وشيوخ العشائر، وبعض كبار ملاك الأراضي الزراعية، ومجموعة من الثوار المنحدرين من صفوف الفئات المتوسطة والميسورة؛ ومن صغار البرجوازيين، والمثقفين والمهتمين بالشؤون الوطنية والقومية والفكر التقدمي. والغالبية العظمى من هؤلاء كانت لا تنتمي إلى أحزاب سياسية، باستثناء قلة منهم كانت في قيادة أحزاب تلك الفترة، أو من المؤيدين لأهدافها الوطنية والقومية والاجتماعية العامة. تميزت قيادة الثورة بالجرأة والرغبة في تحقيق المهمات، ولكنها كانت تفتقد وحدة القيادة، والانسجام الفكري، أو التنسيق المطلوب. وإذا كان الريف والمدن المجاورة له، خاضعة لتأثير وسلطة شيوخ الدين البارزين، وشيوخ العشائر من مالكي الأراضي الزراعية، فإن مدينة بغداد والبصرة والموصل، كانت تحت تأثير الأحزاب السياسية، وأبناء العائلات الميسورة المشاركة في الثورة، وتأثير بعض المثقفين والتجار الوطنيين البارزين والوجوه الاجتماعية. ومن الخطأ هنا تقدير دور وتأثير شيوخ الدين تقديراً يقلل من شأنه على سكان المدن، الذين لم يتخلوا عن تقاليدهم وعلاقاتهم القديمة بالريف العراقي؛ لأنها كانت واسعة وعميقة يصعب التخلي عنها . وكان هناك تباين واسع في رؤية المشكلات القائمة، وأساليب المجابهة، بين أعلام الثورة. حيث كان الأسلوب العشائري- الفلاحي- الفردي هو الغالب المهيمن على تصرفات الثوار، وعلى مراكز اتخاذ القرارات و الخطط والتنفيذ. كما أن طبيعة قيادة الثورة، من حيث تكوينها والشخصيات المشاركة فيها، كانت تفتح مسالك عديدة للمساومة مع سلطات الاحتلال البريطانية، ومع الشخصيات العراقية تلك التي وقفت في وجه الثورة،

مزهر ال فرعون

وتعاونت مع قوات الاحتلال. وصحيح أنّ البنية الاقتصادية، والمواقع الاجتماعية، والمواقف السياسية والفكرية، والمصالح العامة والخاصة، لم تكن متناقضة تمام التناقض، إلا أنها كانت متشابكة شديدة التعقيد، يستطيع المتتبع لها أن يشخصها في عدد من شيوخ العشائر، وكبار مالكي الأراضي الزراعية، الذين كانوا يخشون على الأراضي التي بحوزتهم من المصادرة في حالة فشل الثورة. وفي بعض رجالات حزب العهد وبخاصة أولئك الضباط، الذين أطلق عليهم لقب الضباط الشريفيين (نسبة إلى الشريف حسين شريف مكة)، والذين كان لتخاذل العديد منهم، وارتداد بعضهم الآخر أثناء العمليات العسكرية للثورة، أثره البارز في إضعاف وتفكك قيادة الثورة وجيشها. وفي انعدام التوازن في قدرات المعسكرين، من حيث الكفاءة القتالية، والتنظيم والتسلح، والوحدة القيادية، والاتصالات بين مناطق العمليات الثورية المختلفة لصالح القوات البريطانية. وفي مساهمة الفئات المتوسطة حديثة التكوين العاملة في قطاع التجارة والنقل. فهي رغم كونها أكثر حزماً واستعداداً للمجابهة، إلا أنها كانت أكثر ضعفا وأقل خبرة وأدنى قدرة على التأثير وحسم الأمور، وكان عدد المؤيدين والمشاركين منها في الثورة يكاد لا يذكر، بالقياس إلى عدد الثوار من أبناء الريف؛ لأنّ دورها الرئيس تمركز في المدن، حيث لم يكن للمدن ذلك الدور المتميز في الثورة ما عدا بغداد، التي كان لتلك الفئات الاجتماعية دور بارز، في نضج العملية الثورية، وفي التعبئة والحشد والمواجهة السياسية مع قوات الاحتلال البريطاني.

هكذا كانت طبيعة قيادة الثورة، أما الفلاحون فقد شكلوا جيشها الأساس، بجانب أعداد قليلة من أبناء المدن من العاطلين عن العمل، ومن أشباه البروليتاريا ذوي الأصل الفلاحي، ومن العمال، وبعض الكسبة والحرفيين، والمثقفين والمتعلمين ممن استجاب لنداء القوى الدينية، والأحزاب السياسية أمثال: حرس الاستقلال، وحزب العهد، والجمعية الوطنية الإسلامية. ولا يصعب هنا تفسير النسبة العالية من الفلاحين وسكان الريف المشاركين في الثورة، فالفلاحون آنئذ كانوا يشكلون غالبية سكان العراق، وكانت أوضاعهم المزرية، والتدهور الشديد الذي يعاني منه الريف يدفع إلى الثورة. لقد لعب انخراط الفلاحين بكثرة في الثورة، والجيش والقيادة، دوره البارز الملموس في النجاحات الفعلية، التي تحققت في معارك الثورة عند بدايتها، ثم في النتيجة المؤلمة التي انتهت إليها العمليات العسكرية؛ بنجاح قوات الاحتلال في ضرب وتحطيم البنية التي كانت تعتمد عليها الثورة. وتعود أسباب هذا النجاح: إلى التبعثر الفلاحي والتباعد والانتشار الواسع على مناطق العراق. وإلى القيادات الفردية للعشائر المشاركة في الثورة. وإلى صعوبات الاتصال بين الثوار؛ بسبب رداءة الطرق وانعدام الوسائل الأخرى التي تخدم عملية التنسيق بين العشائر والقيادة، وبين الريف والمدينة، بالإضافة إلى قلة التدريب، وضعف الانضباط، وسوء الإعداد، وقلة ورداءة وقدم الأسلحة، التي كانت في حوزة الثوار وندرة العتاد، وإلى الاعتماد الرئيس على الخصائص المميزة للفلاحين في تلك المعارك، التي وإن كانت ذات تقاليد رجولية شرقية وجريئة وعلى استعداد عالٍ للتضحية، إلا أنها كانت مغامرة، وعفوية، وقلقة، وغير منظمة، وغير ملتزمة، وغير عقلانية في آن واحد. وإذا كان الهدف الرئيس واضحاً لبعض القيادات المشاركة في الثورة، فإنه لم يكن واضحاً تماماً لدى عدد كبير من جيش الثوار، ولم يكن موحداً.

من غنائم ثورة العشرين في الديوانية حاليا

وخلال فترة مقاومة الاحتلال البريطاني – ما بين الحرب العالمية الأولى وثورة العشرين – استنزفت قوات الثورة الكثير من طاقاتها وقدراتها الفعلية. فانتفاضة تلعفر ودير الزور والسليمانية والنجف، وهبّات غيرها في مواقع أخرى، قد مكنت سلطات الاحتلال، من توجيه الضربات المنفردة لها؛ مما عطل مساهمة بعض تلك المناطق في ثورة العشرين مساهمة فعالة، ولكنه لم يستطع أن يعطل تعاطفها معها وتأييدها الضمني لها.

… يتبع

شاهد أيضاً

رحلة الكينونة المعذبة من منظور أخر
الإرسي: سيرة الذات وعناء الآخر في التجربة الإنسانية
د.علاء جواد كاظم* (ملف/109)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

الدكتور زهير شليبه: حوار قديم مع الشاعر الدانماركي بني أندرسن أجراه الدكتور زهير شليبه (ملف/2)

بمناسبة رحيل الشاعر بني أندرسن يوم الخميس في السادس عشر من آب 2018 مقدمة لا …

قصة قصيدة وطن رائية العرب.. قصة المشروع
فكرة القصيدة ومطلعها وخاتمتها الدكتور صالح الطائي(ملف/13)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *