هاتف بشبوش: مكي الربيعي ,ملكُ الشوارع, في شيخوخةِ حلم القصيدة, يكتبُ نصاً رمزياً خارقاً

هذا ماكنتُ أخشاه , نص , يحملُ الروح النثرية لرامبو , رامبو الذي عرفنا عنه , بانّ اجمل قصائده , هي من النثر , كما في الاشراقات وفصل في الجحيم ,نص يحمل الكثير مما قاله شعراء كبار , فيه من التأويلات بحيث يجعلني أن اقول أنه نص مأول بأمتياز, يميل الى حلحلة أشياء كثيرة في هذا الكون , من الماء الى النار الى الهواء الى الذهب , وهي العناصر الاساسية في التشكيل الكوني , نص يميل الى الادانة الصريحة لمايدور في هذه الايام  , والتي ماعادت تعطينا الاجابة على اسئلتنا الكثيرة والتي لم نجد لها جوابا شافيا , وهذا مايحيّرروح الشاعرالقلقة اساسا , . ترددت كلمات متشابهه في المعنى , وفي مكان تواجدها في البحر او النهر (قارب, سفينة , مركب, بحارة , مجاديف ) كلها اشارات واضحة ,الى التيه والى البوصلة المرتبكة في نفس الشاعر , الى الجزع الرامبوي الملول , المتمرد ,  المتشائم , المنفرد في اتخاذ القرارات المصيرية  , المقرف من عالم ميت ( جنازة )كما ورد في النص.
لن ألومك
لان الثقب لايسمح لك برؤية اكثر مما تتسع حدقته
لذلك ساعيد العبارة الى محبرتك
لأبعد عنك الشبهات
انا المتورط بحمل جنازة الكون على كتفي

لوم لايحمل فيه اي نوع من الغنج الادبي , لايخلو من الفلسفة والمناشدة , كلمات مفادها عكس ماقاله النفري ( كلما ضاقت الرؤية كلما اتسع الافق ), الشاعر تضيق به الكلمات احيانا وتختفي كل الضروب التي يريدها , يظل تاركا قلمه على الطاولة لساعات وايام , دون ان يفرغ مافي سريرته من الم , لان حياة الشاعر هي عبارة عن تفريغ وشحن , والاّ سيكون متخما مريضا في هذه العلة بالذات , ولكن بلحظة خاطفة ينتفض من النوم ماسكا قلمه, فترى أصابعه تنساب منها انهرا من الكلمات العجيبة الغريبة , انها مثلما القول الشائع ( ان بعد العسر يسر) , الشاعرفي وقفته هذه كان متشائما نوعا ما عكس  تفائلية النفري , لأنه عراقي الهوى , ولذلك اباح لنا ( بان الثقب لايسمح بالرؤية اكثر …) متناسيا ان الثقب غالبا مايوضع للتكبير في رؤية الاشياء الخارجية التي هي اكبر من متسع احداقنا, بل تطل على الافق الرحب وان كان الثقب ضيقا . على العموم الشاعر كان موفقا في رسم الصورة هذه , لانه من بداية الثيمة هذه قال( لن الومك) .. لانه اراد ان يسقط السببية في نكوص الاشياء من نفسه ,  وانما اسقطها على الواقع المعاش وما جلبه لنا من قلة حيلة في تدبير الامور , والعمى الذي اصاب عيون الحياة , بحيث انها جعلت الكثيرون اليوم في عراقنا ,  يلتفون حول ناس جهلة , رجعيون لايفقهون غيرلغة ( السرقة اولا… ثم الدين ثانية )) .. وهمهم الوحيد هو كيفية إمتلاء كروشهم على حساب قوت الاخرين من الكادحين والفقراء, وبأساليب ما انزل الله بها من سلطان , انها الاساليب التي تجبرنا على انْ نقول( انّ الدين افيون الشعوب) ,  والبقاء للاصلح . ولذلك جاءت الشذرة الاخرى مباشرة لاسقاط السببية تلك ( سأعيد العبارة الى محبرتك/ لأبعد عنكَ الشبهات.
انا المتورط بحمل جنازة الكون على كتفي ……
اعتراف صريح من قبل الشاعر بأن العالم كائن ميت , لم يعد يعطي وغير قابل للتغيير , انه عالم متفسخ , منخور , اصابه الكساح , عالم لايعرف غير لغة الموت والدمار على يد القوى الامبريالية وعلى رأسها أمريكا وبقية دول الحلف الاطلسي وقوى الرجعية في عراقنا المحطّم. العالم الذي يفترض ان يكون جميلا , خاليا من التشوهات , لكنه انتهى الى هذه النهاية البشعة , ولذلك فالشاعر أراد ان يصرخ بوجه العالم الميت ,لعلّ الصراخ ينفع في إيقاظ الموتى , أراد أن يحميه على طريقة كازانتزاكيس , الذي يقول( الشعر هو الملح الذي  يحول بين العالم والتفسخ) وهو الذي ( يصون عظام المستقبل من الكساح).
كل شئ قابل للاختراق:
منجم الذهب المتساقط من فم الشاعر
الموجة التي تقد اللحم من جسد البحر وتلقيه الى النوارس
وخصلة شعرك التي بكت بين يدي ذات لقاء

كل شئ في هذه الحياة قابل للانكسار , قابل ان يتهدم في اي لحظة , في هذه الصورة المتماسكة التي يجعل فيها الشاعر فمه عبارة عن منجم من الذهب , لهي تصوير جميل , الفم الذي يطلق الدرر والياقوت والزمرد والذهب ,الفم بصرخته أسقط الطواغيت والجبابرة, الفم الذي قال عنه الجواهري ( اخي جعفر أتعلم أم انت لاتعلمُ …بأنّ جراح الضحايا فمُ) … ولكن في لحظة ما  يتعرض هذا المنجم الرهيب( الفم) الى الاندثار , الى السقوط ويدفن كل شئ فيه , من الاسرار , ومن الذهب الخالص ,والغالي والنفيس , ويصبح مجرد اطلال , ربما اتى الشاعر بهذه الثيمة الذهبية , تعبيرا عن الافواه التي تكمم  بالكاتم , او بأي اسلوب اخر للاختراق , فتغدوا مجرد ذكرى بارقة على ومض التأريخ .
الامواج هي رمز الموت مثلما هي رمز التجدد . تجدد الموت والميلاد , كلما تموت موجة على الساحل تخلف وراءها موجة حية , ولذلك نرى الشاعرفي عنقوده ِالرائع هذا , يقول لنا ان التضحيات التي قادها الكثيرون من الابرار والمناضلين في صفوف الحركة الوطنيةالعراقية والعالمية , هم من أعطوا الحياة الى الاخرين , اي انهم عبدوا الطريق بموتهم وتضحياتهم ,  مثلما الكثيرون ممن عرفناهم على مذبح الحرية (الحسين, جيفارا ,جان دارك, لوركا)  , فصنعوا الحياة الحرة الكريمة للاخرين … فجاءت الموجة التي تدفع باللحم الميت او الطازج فترمي به الى الساحل فتلقفه النوارس , النوارس التي هي اساسا رمز السلام , هذا يعني ان الموت( الموجة) وهب( وهبت) الحياة الى النوارس , وهكذا هي دورة الحياة .
حتى النساء الثكالى الباكيات ( خصلة شعرك التي بكت) , البكاء نوع من الحزن الشديد الممتزج بالخلاص من الهم او التنفيس عنه , هذه الخصلة قد اخترقها الحبيب كي يزق فيها الحب , والانتشاء , والغرام , واللذة ,  والغيبوبة الغزلية , كلها تعني  نوع من دفق الحياة , نوع من النبض والخفقان .
أرى يدا تحاولُ أنْ تفتح ممرا في الظلام
لأستدل على حانة في بغداد
محمولة على أكتاف قصائد الشعراء
يخبئونها بين الحروف وفي كؤوسهم يتوهج جمر الكلام
على امراة اعادت لشارع الرشيد وقاره
أنا ملك الشوارع

الشاعرملك الشوارع  , قالها صريحة دون مواربة او تحايل او تأويل كما في الكثير من التأويلات المهمة في النص ,  انه يفتخر ان يكون كذلك , يبحث عن حانة في الليل البغدادي الكئيب والمخيف اليوم  والباعث لروح الاموات , يحدق في وجوه السابلة , لعله يعثر على وجه امرأة في شارع الرشيد الذي خلا منهن في هذه الازمان التعسة , وان وجدت في هذا الشارع فانها عبارة عن كومة من الاردية والسروايل التي تغطي الجسد من مفرق الرأس حتى اخمص القدمين , انه شارع مكفهر ليس كما ايام  شارع النهر الجميل والزاهي بنساءه العراقيات الطموحات , واللاتي لولا البعث و صدام حسين اللعين ما ثكلنَ أبدا . انه شارع مظلم , وهنا اشارة ذكية من الشاعر , لعدم توفر الكهرباء في  مدن العراق , يعني قلة الخدمات , يعني رداءة الحكم , يعني الفساد المستشري في كل قطاعات الدولة ومؤسساتها .
حتى الحانة التي يبحث عنها , كي يزيل هموم صدره , التي هي ملجأ الفقراء والشعراء قد اختفت و تعرضت الى التنكيل بأصحابها من قبل( الزيدي) رئيس مجلس محافظة بغداد , الحانة هنا أراد ان يلمح لنا الشاعرمن خلالها , بأنها اتحاد الادباء العام الذي تعرض للغلق من قبل الدولة , وتعرض الى ابشع الكلمات بحق رموز الادب العراقي , حتى ان بعض رجال الدين , قال  عنه ( اتحاد اللا ادباء) .
الشاعر ملك الشوارع لاملك اللؤلؤ الياباني ميكو موتو( صانع ومخترع اللؤلؤ) , الذي اضاء اعناق النساء , كما اديسون الذي اضاء الكون , كلّ يضئ الكون حسب عمله واختراعاته , لكن الشاعرملك الشوارع والحانات , انه  مضئ الثورات كلها , انه صانع التغييرات جميعها . انه  البوعزيزي ,  الذي افترش الشارع كثيرا  , كان ملكا على الملوك جميعهم , حتى اضطر ان يغسل نفسه بالنار كي يظل شعلة ابدية في طريق الاخرين, حيث تطرق الشاعر الى النار ومفاهيمها كما سنقرأ لاحقا .
ثم يعود الشاعر فيقول:
لن الومك :
قطيع الخراف اسير عصا الراعي, لن يتحرر منها الا بالذبح
هنا الشاعر يعترف اعترافا لالبس فيه , ان الشعوب اكثرها تنقاد انقيادا اعمى , وخصوصا اذا ما قادتها قيادات شوفينية , عنصرية , كما هتلر , الذي يقول (استطيع قيادة حشر من البشر , لكني لااستطيع قيادة خمسة افراد) ..انه يقصد , حينما يلقي خطابا عنصريا يدغدغ نفسية المواطن وعرقه وطائفته , فيصفق واحد او اثنين مثلا , فينتقل التصفيق مثل العدوى سريعا الى الاخرين جميعا دون ان يفهموا ماذا قال ,انه الانقياد الاعمى كما حال شعبنا العراقي اليوم وكيف نجده منقادا الى رجالات الدين وأكاذيبهم , التي تنطلق من دكاكين افواههم, وفعلا لم يحصد شعبنا من رعونة رجالات الدين والمتأسلمين غير الذبح وقطع الرؤوس , ونحن في قرن الموسيقى الصاخبة وهزات البطن لشاكيرا , وتعرية افخاذ مادونا وبريتني .

عليك ان تصنع الهتك بيديك, لتعرف انك تعبد من…….

الشاعر هنا يقترب من نيتشة حينما قال ,( نحن نصنع الالهة , او نحن نفترض الله , ونحن الذين قتلنا الله بسكاكيننا , ان الله قد مات  ), ولكن الشاعر مكي اراد ان يخرج من دائرة التبعية وبكوننا مسيرون لامخيرون , وان يخرج من مفهوم صنع الاله الجاهلي على طريقة إله التمر , الذي صنعه عمر بن الخطاب لنفسه ليعبده , لكنه حينما جاع , أكلهُ بنهم وشراهة , انها الشعوب التي تأكل ربها . بل الشاعر اراد التحرر او اراد ان يكون مخيرا لامسيرا , وهذه تحتاج الى حظ كبير خارج اطار الممكن والمعقول , اي اننا يجب ان نكون في العدم وقبل الولادة كي نقرر . وعلى الاغلب ان الشاعر يقصد هنا ان يكون المرء سيد نفسه ولاسيد عليه , كما نرى اليوم في بلدان الغرب  , ان الواحد منهم إله , وسيد لايعلى عليه في نفس الوقت , ونجد كيف صنعوا لانفسهم جنة في الارض , جنة من المخيال الوضعي لا السماوي , لان السماوي قد ارتكن بعيدا في الكنائس التي لم يرتادها غير العجائز والشيوخ الطاعنين .
هذه روحي
قلقة مثل موج تدفعه الرياح
كل ماوضعت السفينة راسها فوق وسادته
ترتبك المجاديف.

اي شاعر هو صديق القلق دائما وابدا , لايستقر له قرار , ولذلك قال الشاعر رامبو ( اخيرا وجدتُ روحي شيئا مقدساً) , عرفنا رامبو من مركبه السكران , المركب الدائخ , القلق , المتمايل دائما كما روح رامبو الثملة , الدائخة في اكثر من مكان . بينما نجد الشاعر مكي ايظا في سفينته بين أزرقين , السفينة تحتها الماء الازرق ومن فوقها السماءالزرقاء , ولذلك نرى روح الشاعر القلقة بين ازرقين , متوترة , مشتعلة , لايطفئهاغير النار .

ايتها النار اطفئيني بحليب نهديك الشاخب….

تعبير رائع ( داوني بالتي كانت هي الداء ُ) , يلتجأ المرء في لحظات القهر والازمات الروحية الحادة الى من يحب , الى صدر امرأة حنون ,  فتصير لنا النار حليبا كي تطفئئنا , تأويل عالي الدقة , في لحظات الحب والوصال الناري  , كلا الجنسين عبارة عن كتلة نار , تطفئ بعضها الاخر . لا تلك النار التي أحرقت كريم الاسطوري حباً وشوقاً وهو يفتح أزرار قميص حبيبته بعد فراق طويل . 
( ايتها النار/ ارفعي نهديك قليلا/ كي ارى الاشياء بوضوح ) …
الشاعر جميل جدا في هذا العقد من السلسلة الطويلة للنص ,هذا البيت يسبق الذي قبله في النص لكني تطرقت اليه لاحقا كي اتناول مفاهيم النارالمأولة المختلفة لدى الشاعر ,النار الحارقة الرهيبة التي لايمكن الاقتراب منها , فما بالنا ان يستحم بها البوعزيزي  , كي يرى عالمه المعتم بوضوح , كي يرى الجانب الاخر من العالم , الجانب الذي يعطيه السلامة والاطمئنان , الجانب الذي لم يثمر الا بالتماهي مع النار ولهيبها , نار المجوس الابدية , والتي صارت للبوعزيزي قميصا ابديا .
النار تحمل الخير والشر , مثلما تستخدم النار في البيوت الآمنة لطبخ الطعام , والحصول على الدفئ في أيام الشتاء القارصة , لكنها في نفس الوقت , وفي غفلة من الانسان , ممكن أنْ تؤدي الى احراق البيوت ومن فيها , لنا درّك أيهّا الشاعر في هذه الثيمة الرائعة.
كذلك نرى الشاعر يردد بأسى وحزن عميقين , راجيا عدم البقاء في دائرة التساؤل  وما من مجيب , ما من صدى  يرد على وحشة الغريب .
لا اريد ان امكث في حديقة السؤال طويلا………….
علما ان الذي لايسأل يظل غبيا مدى الدهر, يظل في العتمة وفي الزاوية التي وضع فيها من قبل اسلافه , كما يحصل لدى شعوبنا اليوم التي لاتستطيع ان تسأل مجرد سؤال عن طبيعة الخلق , وعن النصوص المقدسة التي وضعت في قالب لايمكن المساس به ,  خوفا من الغضب الالهي المزمع . لكن الشاعر هنا كثير التساؤل بدليل اشارته الى حديقة السؤال , الحديقة هنا هي الاثمار , هي الاخصاب , هي التناسل الكثير والانجاب للعديد من الاسئلة المتشعبة , كما اغصان الشجر في الحدائق المعشوشبة , الشاعر التساؤلي يدخل في مبدأ الشك واليقين , المبدأ الذي حير الكثير من الفلاسفة والكتاب والشعراء على امتداد العصور ومن ضمنهم الشاعر المبدع موضوعنا اليوم مكي الربيعي .
كما اشار الشاعر في الكثير من عناقيد النص التي تتعلق على سبيل المثال على ماهو وطني من عدمه , او عبارات ومفاهيم لم نعد ندركها كما ايام زمان والتي لم تدخل في محتوى الديالكتيك , او تطور الفكرة والحوار الجدلي .  امريكا عدوة الشعوب بينما هي اليوم لدى البعض  , هي بمثابة المنقذ والمخلص وصانعة الربيع العربي , لكن الغمامة الهائلة امام انظار الكثيرين , جعلت منهم لايرون الاشياء بحقيقتها ,  والشاعر هو الوحيد المتألم,  المتفصد بين اجنحة الخلاص المكسورة ,  الشاعر الذي يعطي ذهبا خالصا من فمه , هو الوحيد الخاسر في هذه الدوامة المهلكة ,  الشاعر الحالم بقصيدة اقتربت من شيخوختها .
لم يعد هناك سقف اطمئن اليه
لم تعد القصيدة غير حلم يدنو من شيخوخته

هنا اشارة واضحة من انّ الشاعر في غربته غير مطمئن , هو تحت سماء غير سماء وطنه , تحت سحب لها لون غير لون السحب التي عاشتها طفولته ونزقه , أن خيوط الذاكرة لديه مقطعة , لاتصله بالحنين , حاله حال العراقيين الذين تشتتوا في المنافي, توزعت عليهم الاحزان بأشكال شتى , ونصيب الشاعر هو الاعظم في ذلك , بكونه المرهف الاحاسيس , المتقد على الدوام ,  وما من ناستولوجيا تخفف من وطأة السقف الثقيل على رأسه , وتفكيره وكل تحركاته التي أصبحت مشلولة , محبطة أينما كان , وأنّ  كلّ حياته ودروبه خراب , طالما ترك البذرة هناك , في الوطن الام . 
ونتيجة لذلك أصبح الشاعر يشكو من هرم الحلم أثناء كتابة النص , بينما يفترض أنْ يكون اكتمال النص هو أشبه بالولادة , يفترض انْ يكون الحلم هو صانع الفتوة والشباب والحيوية والنشاط ,  لا حلم عجوز , معوّق يمشي على عصاه  ,لاحلم يريد من خلاله ان يحارب الوحوش , والا فأنه يتحول الى وحش , وهذا يتناقض مع روح الشاعر وشاعريته على حد سواء.
ايها الكلام:
دلني على منطقة وقوفي
كن فاصلة بين الالوان
الابيض :ابيض
الاسود:اسود
ومابينهما الغموض يدفع عربته الفارغة

يتكأ الشاعر بعد ارهاقه المضني , على الكلام والبوح الذي ليس للشاعر غيره في تهدئة أعصابه , وفي تمييز الاشياء اسودها من ابيضها , لايريد الوقوف على الهاوية السحيقة  , انه يريد ان يكون معطاءا خاليا من التشوهات الفكرية , انه يبغي الاستمرار في قول الشعر وانشاده , أنه يريد الحياة , كما حصل لشهرزاد المحكومة وشهريار المحكوم من قبل الموت ,  حينما يقول( شهريار تكلمي والا قتلتك) , هنا دعوة صريحة من عنيد جبار يريد البقاء ايظا , دعوة لقول الرأي والتعبيرعن مايجول في الخاطر, ولكن هذه المرّة من دكتاتور مجرم وياللعجب العجاب ,  انها دعوة ليكون الفم فاغرا ,  انها المحطة الاخيرة للشاعر وهي محطة وقوفه التي تبقيه حيا , حرا وكريما , ويقول ( انا أقول الشعر اذن انا موجود ),  بعيدا عن الضجيج الذي يأتي دائما من العربات الفارغة .
الذي يؤلم الشاعر في هذا النص, هو ان العالم حقيقي , مهما قال وفعل وجانب الصواب , ومهما اباح لنا من التمرد والمداليل الصادقة,  وهذا هو المؤلم لديه , وهنا يقترب شاعرنا المبدع من بورخيس الشاعرالارجنتيني الفلسفي الشهير الذي يقول ( العالم لسوء الحظ حقيقي , ولسوء الحظ اني بورخيس)….. فلسوء الحظ انه مكي , الكون بالنسبة للشاعر ( جنازة ) , الكون ميت , لاحراك فيه , ما من اوصال تدب في بدنه , مامن دم يعطيه الحيوية , الكون عبارة عن حروب , عن ذبح , عن قتل الانسان لاخيه الانسان وعلى مرأى النهار ,  لكن الكون حقيقة , وان كان الحقيقة المرة , فشئنا ام ابينا , علينا القبول بها على مضض.
أوجز قولي في النهاية عن هذا النص الرمزي الجميل, بما قاله رابندرنات طاغور .( إنك لو استنشقت اريج زهرة , وقلت لاأفهمُ شيئا , فالجواب يعني انه ليس ثمة شئ يتطلّب الفهم , فليس هناك سوى الاريج , وكذلك الشعر المبهم الرمزي المأول , الذي تطرب له , ولاينقاد معناه لفهمك ). ولذا أقول , هذا ما شممته من اريج الشاعر مكي الربيعي في هذه الرمزية الرائعة.

هذا ماكنت أخشاهُ
 
انظرْ،
سربٌ من الغبار يتسللُ،
يحفرُ جحراً في نخلة الليل ويضعُ بيوضه اللزجة،
يبني اسطبلهُ من رماد الحروف، ثم يقررُ أن يكتب قصيدة.
لن الومكَ،
لأن الثقب لا يسمحُ لكَ برؤيةٍ أكثر مما تتسعُ حدقته،
لذلكَ، سأعيد العبارة إلى محبرتكَ،
لأبعدَ عنكَ الشبهاتْ.
أنا المتورط بحمل جنازة الكون على كتفي،
أتوضأ بالماء،
تشتعلُ يدي بالأنهار،
ياهذا القارب الموشك على الغرق بين أصابعي،
تمسك بحبل قلبي الممدود اليكَ،
هذه رسالةٌ من حجر، القيها في بريد الزجاج / ليتشظى.
كل شيء قابل للإختراق:
البيت المتحصنُ بنار المدفأة،
الشارع المطلي بالمطر،
الحديقة المختبأة تحت جنح فراشةٍ،
منجم الذهب المتساقط من فم الشاعر،
خطوط يدي التي أضاعتني،
الموجة التي تقد اللحم من جسد البحر وتلقيه الى النوارس،
وخصلة شعركِ التي بكت بين يدي ذات لقاء.
أيتها النار:
ارفعي نهديكِ قليلاً،
لأرى الأشياء بوضوح.
2
أرى يداً تحاول أن تفتحَ ممراً في الظلام،
لأستدل على حانةٍ في بغداد
محمولة على أكتاف قصائد الشعراء.
يخبئونها بين الحروف وفي كؤوسهم يتوهجُ جمر الكلام.
على امرأةٍ أعادت لشارع الرشيد وقارهُ،
على سنارة تجرُ ثقالتها المساء إلى أعماق دجلة.
أنا ملكُ الشوارع،
تتناسلُ الارصفة بين أصابعي، ويُسقطُ الليل طيورهُ الميتة تحت قدمي.
لن الومكَ:
قطيعُ الخراف أسيرُ عصا الراعي، لن يتحرر منها إلا بالذبح.
عليكَ أن تصنعَ آلهتكَ بيديكَ، لتعرف أنكَ تعبد منْ.
لو لم تُقطَعْ يدُ الحلاج،
ماعرفنا أن الدمَ يصلحُ مكياجاً للوجوهِ المصفرةِ،
يا إلهي،
كم هو عميقٌ حزنُ الماء،
لا تدركه، إلا المراكب الراكسة في أعماقه.
هذا صوتي، شجرة تتدلى من أغصانها الحناجر المليئة بالمصابيح.
حشدٌ من الأصدقاء يتسلقون السلالم، ليندسوا في نسغ الجملة، ويضيئون.
3
القصيدة غزالتي المشدودة إلى يدي بحبل نبعها
الأخضر،
أنفردُ بقميصها، لأشعل الحرائق في أزراره.
أيتها النار:
امسكي يدي، ها أنذا انزلقُ قلادة بين نهديك.
أنا ملكُ الشوارع،
أستضيفُ العواصف في جيّبي الخالي من النقود،
وأمدُ يدي في زيق الهواء لأسرق محفظته.
يقتلني، من يترك الكلام يترملُ في أوراقهِ،
يقتلني، وغداً أعترضُ طريقهُ بالمطر، حتماً سيصل الى المللِ، حيثُ كل ما قتلني، يراني أرتدي نفسي معطفاً وأقابلهُ.
على اتساع يدي يتساقطُ الضوء،
على ضيق يده يتسعُ الظلام.
قلتُ لهُ:
لا تفتح درج أوراقكَ،
هناكَ جثةٌ،
دعها ترقدُ بسلام.
قلتُ لهُ:
الهواء الذي بقيَ يعدو ورائي، لم يكن صالحاً للإستخدامْ.
هذه روحي،
قلقة مثل موجٍ تدفعهُ الرياح،
كل ما وضعتْ السفينة رأسها فوق وسادتهِ،
ترتبكُ المجاديف.
أيتها النار:
اطفئيني بحليب نهديكِ الشاخب،
لا أريدُ أن أمكث في حديقة السؤال طويلاً،
أنا ضد الأبدية.
4
هذا ما كنتُ أخشاهُ،
لم يعد هناك سقفٌ أطمئن اليهِ،
لم تعد القصيدة غير حلم يدنو من شيخوخته،
غير طعنة تكتسي بدم قتيل.
نتساقطُ،
يالهذا البهاء الذي يحملُ رائحة موتنا،
لم يعد هناكَ شاعرٌ،
لم تعد هناكَ قصيدةْ.
بحارةٌ يضعونَ على رؤوسهم قبعات زرق،
ويجرون حطام سفينة عاطلة.
أيها الشاعر:
التقط النار من الموقد لتعيد الشجرة لأصلها الأخضر،
وتذكر:
أن الفراغ ندبة في جبين الوقت،
تذكر:
حين تفل حبيبتكَ جدائلها،
يتساقطُ الليل قتيلاً.
تعال، نقتطف نجمة من حقل السماء، نأخذها زوادة في طريقنا الطويلة،
قبل أن يجف دم الطير فوق قميص الشجرة.
أيها الكلام:
دلني على منطقة وقوفي،
كن فاصلة بين الألوان،
الأبيض: أبيض،
الأسود: أسود،
ومابينهما الغموض يدفعُ عربتهُ الفارغة.
 

هــاتـف بشبــوش/ عراق /دنمــارك

شاهد أيضاً

روايات مترجمة: (8)أناس في ليل الصيف (من الأدب الفنلندي) فرانس ايميل سيلامبا
ترجمة: كاظم سعد الدين
قراءة: ناطق خلوصي

يقول توماس ووربرتن في الدراسة التي كتبها عن الروائي الفنلندي ” فرانس ايميل سيلامبا” ان …

شوقي كريم حسن: د. سلمان كاصد… قرءات التحول المعرفي.

*قد تنحرف الرغباتْ، دون تخطيط او دراية، ثمة ما يشير الى طريق غير ذاك الذي، …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (14)

توق التغيير في مجابهة تحديات المكان محمد حسين الداغستاني يشكل هاجس الاغتراب دافعاً مهماً للتغيير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *