نصيـر عـواد: “الإرسي” لسلام إبراهيم/ العزلة مصنع الذكريات (ملف/85)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

المعاناة غير التجربة. الكتابة عن الحرب نقلا عن أفواه الجنود لا تعدم المعاناة لكنها قد تهمّش التفاصيل الصغيرة التي تشكًل مناخ القص. وإذا حضرا معا ً، التجربة والمعاناة، فأنهما سيزيدان من عمق الكتابة إلا أنهما قد يضيقا من مساحة الحياد خصوصا ً إذا كان المؤلف لم يتخلص بعد من ضغط المعاناة التي سببتها له التجربة.

في روايته “الإرسـي” الصادرة عن دار الدار في القاهرة يُدْخلنا الكاتب سلام إبراهيم من جملته الأولى في عالم الرعب على إيقاع حبيبات الآجر المنخور وهي تتساقط في وحشة الغرفة الواقعة على سطح البيت والتي يطلق عليها بالدارجة العراقية “الإرسـي” حيث سيلجأ إليها البطل كلما تجددت دورات العنف في شوارع المدينة التي يخيم عليها شبح الحرب. في غرفة الإرسي تجري حوادث القسم الأول من الرواية بعنوان(في برزخ الإرسي) وتستمر أشبه بخلفية لأحداث القسم الثاني عندما يلتحق البطل بسرايا الأنصار في جبال كردستان(في برزخ الجبل). عنوانان رئيسيان تضمنا دلالة المكان، إضافة إلى عناوين فرعية لا تذهب بعيدا عن ذلك .

“تب.. تب، فاصلة صمت..تب..تب، اصطدام مكتوم أشبه بوقع رذاذ خفيف. تب..تب..تسقط الكتلة المفتتة من السقف الخفيض “. هذه الحروف القليلة التي يستهل بها المؤلف حكايته تطلق صوتا واحدا عميق الأثر، يرتب تكراره عزلة البطل ومخاوفه وأشواقه بين جدران “الإرسي” الذي لجأ إليه هربا من موت يلبس ألف قناع في زمن الحرب. هروب سيصاحب البطل ثمانية أعوام (زمن الرواية) و262 (عدد صفحات الرواية). حبيبات الجص التي تدوي في صمت “الإرسي” يوزع سقوطها المؤلف على جسد بطله الوحيد تارة وأخرى على أبريق النحاس وثالثة على الكتب المكدسة محددا بذلك خطوط المكان، ويستمر الصوت “تب..تب” حتى يصل صداه إلى القارئ ليزرع فيه بذرة الرعب تلك. مشهدية “الإرسي” الغرفة المعزولة عن البيت والتي أمحت الفوارق بين نهارات وليالي وأيام البطل الهارب من الموت، حوّلت حياة الساكن المختبئ إلى أحلام يقظة لا تنتهي عن الأهل والحبيبة والأصدقاء الذين فرغت منهم الشوارع بعد أن هيمن الخوف والقمع على حياة المدينة، وهو ما تشير إليه لوحة الغلاف للمصمم(عمرو الكفراوي) بكراسي فارغة إلا من صور وأحذية جنود موزعة برتابة على فراغ أبيض.

في “الإرسي” يواجه البطل أشباحه وذكرياته وآماله في إيجاد معنى لحياته حتى تحوّل “الإرسي” إلى مصنع لإنتاج الاستيهامات والأخيلة والأمكنة والأصوات تجلى ذلك في أحلام يقظة غطت عشرات الصفحات، تكررت فيها أثناء السرد مفردات محددة من مثل /دوي،احتدام، ضجيج الصمت، محتشد/ . السرد أشبه بكاميرا تسير أمامنا تلتقط أدق التفاصيل “مسارب الضوء، غبار الشبابيك، الخطوط الباهتة للجدران، تساقط فتات آجر السقف الخفيض”. ما يجري في الإرسي معزول وخانق أنتج نصا وصفيا لتضاريس المكان ولحظات الصمت إلا أن القارئ يشعر وكأن معاناة البطل تأتي كذلك من أمكنة نائية أخرى في نفسه وذاكرته، فالعزلة كما يبدو مصنعا لإنتاج الأمكنة. الزمن كذلك نشعر به بطيء وثقيل، ومع طول المكوث يتحول الإحساس به إلى مفردات الضوء والظل والغبار، يدخل ذلك ضمن صراعات وتوترات داخلية بين البطل وذاته معبرا عنها بالحركات والتهويمات والسير رواحا ومجيئا في فراغ الإرسي. يكشف لنا المؤلف من فتحات الإرسي المطلة على باحة الدار وسطوح الجيران عن أمكنة أخرى محتشدة بأنفاس أحباب غياب وطفولة بعيدة عمقت من عزلته، ثم ينثر لنا مفردات الحراك الاجتماعي الواقعة تحت مرمى الفتحات “عمته الأرملة، أبنتها وزوج أبنتها السلطوي” ويتناول الوجوه الحميمة البعيدة عن مرمى الفتحات والذاهبة إلى السوق وفرن الخبز، حيث يحضر وجه الحبيبة كمعادل لما يحدث في الإرسي من معاناة وانكسارات وحاجات، مصحوبا بصور ومواقف جنسية ملتاعة. مع أن شدة الصراعات والعواطف غالبا ما تؤدي إلى كثرة الحوارات إلا أننا نجد القص قد هيمن على الحوار وأعطى الرواية جرعة إضافية للتماسك بغياب الشخوص عبر لغة ممتعة تحفر عميقا في الإنساني وفي المسكوت عنه من رغبات ونذالات تضج بها حياتنا اليومية. فالبطل وحيد ومعزول يقضي نهاراته تائها بين المخيلة والذاكرة ومستمتعا بالضجة التي يتابعها من النافذة، أنتج ذلك حوارات داخلية وأحلام وذكريات، جعل من قطع الحوار والانتقال من شخص إلى آخر ومن حلم إلى آخر غير مربك لاستمرار هيمنة القص.
الصفحات الأولى حددت الزمن الخارجي للرواية، الحرب العراقية ـ الإيرانية في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، اللحظة التاريخية التي أنتجت حروبا داخلية وخارجية أنهكت دول المنطقة وفي المقدمة منها العراق الغني والقوي. وهي مرحلة تم تناولها من قِبَل كتّاب السلطة وأنشأت نصوصا كثيرة لا يمكن الاستهانة بها بعد أن وثقت محنة العراقيين وأخرى طواها النسيان بسبب انشغالها بالتعبئة والولاء. في الأعوام الأخيرة ظهرت نصوصا تحكي عن تلك المرحلة ولكن بمناخ آخر، والرواية التي بين أيدينا تنتمي إلى جهة من بقيت رائحة المخابئ في ثيابهم وواجهوا الدكتاتورية بالسلاح، إلى جهة ضحايا الحرب ووقودها الذين لم يحصل كثير منهم على حقه في قبر كما حدث مع الأخ الأصغر للمؤلف وأبن عمته الأرملة وآخرين مروا مسرعين على لسان الراوي. لذلك لا يبدو مفاجئا أن يكون نثر الكاتب خانقا في استحضار من غابوا وشديد القسوة في وصف تفاصيل الذات المسحوقة، حاولت جاهدة مشاهد العشق والأحلام والذكريات تخفيفه أو ترطيبه. نحن وبشكل مفاجئ نقع في المتعة وتغمرنا مفردات الحب والجنس إلى حد الدهشة والتلفت، فكيف وسط هذا الخراب والخوف تحضر وبكثافة تفاصيل الجسد والعشق والبلل؟ هل التمسك بالحياة هو من يقف خلف ذلك؟. قد يبدو الخوف الذي سحق البطل أحيانا خوفا طبيعيا جعله يقظا ومستعدا لمواجهة الخطر المجهول وحفز خياله في استدعاء مشاهد جنسية متنوعة ولكن حضور الجنس بهذه الكثافة والتنوّع والتكرار وعري لغوي صادم أعطي الإحساس أحيانا بغياب الانسجام مع سياق الكتابة، وكأن المواقف الجنسية المسرودة مادة لموضوع آخر غير الذي تناولته الرواية.

الرواية لم تنح مباشرة إلى تصوير الصراع السياسي والعسكري عبر مصطلحات أو تحليلات أو شعارات غير أنها عمدت، عبر تجربة حياتية بالغة التكلفة ولغة عذبة قاربت الشعر، إلى تصوير انسحاق الإنسان الهارب من جبهات الحرب. على الرغم من نجاح الكاتب في إخفاء ميله السياسي(إلى حين) عبر لغة متدفقة ومواقف جنسية دقيقة التفاصيل وأحلام يقظة وذكريات طفولة ممتعة ساعدت على ترطيب وتخفيف التوتر الذي ساد مناخ الرواية، إلا أنه (السياسي) اندس في خلفية المشهد نراه في سيادة اللون الأسود على أثواب المارة وخوف المواطنين من بعضهم البعض وتناقص الأصدقاء في الشارع وطبيعة المناشير التي تحتفظ بها زوجته.

الهروب من الموت هي الفكرة المحورية لرواية “الإرسي” وهي فكرة عراقية ضاربة في القِدَم ازدادت حضورا في زمن الحرب العراقية ـ الإيرانية وتحولت إلى ممارسات وطقوس يومية لا غنى عنها لإدامة الحزن العراقي. الكاتب يروي لنا حكاية نعرفها بحسنا عن الهروب الدائم من الموت وحتى مواجهته أحيانا، عن الكائن الذي لم يرَ راحة في البيت أو نصرا في الحروب ولم يمجد البطولة حتى عندما كان يجترحها يوميا في الجبال بين صفوف الأنصار الذين التحق بهم لمواجهة ديكتاتورية السلطة بعد تركه الإرسي. كان حب البطل لزوجته وطفله وعدم إيمانه بالثورة والسلاح، يزيدان من تمسكه بالحياة وتغيير مخبئه بين الإرسي والجبل، كاشفا في تنقلاته السرية عن تناقضات الذات الإنسانية حتى وهي في أبهى صورها النضالية والبطولية، هادما بذلك المثال الذي صنعته الماكينة الرسمية لأحزابنا السياسية عن المناضل السياسي. لقد تناولت الرواية في قسمها الثاني تجربة الأنصار الشيوعيين في كردستان العراق، الشهداء والمناضلين والخونة، وما يعانيه الإنسان حين تُسْتَلب خصوصيته ويُمَسْ الحميمي والسري في حياته من دون أن يستطيع فعل شيء، الأمر الذي يشير إلى أهمية التجربة الحقيقية في حياة الكاتب. ففي غابة العيون بالجبال يصبح الحب من أصعب الأشياء ويتعين على المقاتل أولا الدفاع عن حبيبته وحمايتها من قطعان العيون التي تترصدها والنوايا التي تحاول إبعادها عنه تحت مسميات نضالية وسياسية ورفاقية براقة مستثمرين في ذلك طيبة الحبيبة وعنادها ونقاءها الإنساني وكذلك عدم قدرة الحبيب على فعل شيء سوى “ترك المياه تجري كما تشتهي التضاريس”.

سقوط ندف الثلج المأسورة في الريح الجبلية تُذكّر البطل بنثار الجص المتساقط من سقف الإرسي على إيقاع شق قميص الذاكرة على الرغم من أن التنقل بين المخابئ أكسب البطل طباع المخابئ من فراغ وعطن وحجر. الجص والثلج حالتان، صوتان لدلالة واحدة منذرة بالهلع نتلمسها في النهاية المأساوية للبطل في جبال كردستان والمتمثلة في إصابته بالسلاح الكيمياوي في أحدى المعارك. دلالة مفتوحة على أسئلة الموت والحرب والخوف التي عبر عنها البطل في اختفائه الأول في غرفة الإرسي عندما كان يتجمد رعبا من التفكير في لحظة القبض عليه وجره إلى ساحة الإعدام. طبيعة السرد تشي بأن المؤلف عاش التجربة على الرغم من الميل التخييلي وقطع الوقائع بأحلام وكوابيس وذكريات تحاول جاهدة تخفيف حقيقة الواقع، إلا أن الذي بين أيدينا ليست سيرة ذاتية نقية على الرغم من حقيقة الحوادث وأن البطل واحد يروي تجربته مرة بضمير المتكلم وأخرى بضمير الغائب. ونحن لم نعرف اسم البطل في الرواية قبل سقوط القنابل الجرثومية وأصابته بمقتل ثم مناداة زوجته له باسمه الصريح “سلام”. أنها رواية مشبعة بعناصر واقعية وتجارب حقيقية تعلن عن نفسها عبر المكونات الداخلية للحوادث المروية متمثلة بالأسماء الحقيقية للشخوص”الموتى والأحياء والمفقودين”والأمكنة الواقعية “الإرسي، الجبل، جبهات الحرب، أحياء مدينة الديوانية” وزمان وقوع الأحداث في ثمانينيات القرن الماضي. “الإرسي” سيرة روائية ليست بعيدة في مناخها عن قصص وروايات سلام إبراهيم “رؤيا اليقين، رؤيا الغائب، سرير الرمل” لكنها أكثر معاناة وجرأة في كشف النقاب عن الحالة الشوهاء التي عاشها الإنسان العراقي في ظل الحروب والصراعات السياسية في الربع الأخير من القرن الماضي.

شاهد أيضاً

رحلة الكينونة المعذبة من منظور أخر
الإرسي: سيرة الذات وعناء الآخر في التجربة الإنسانية
د.علاء جواد كاظم* (ملف/109)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

الدكتور زهير شليبه: حوار قديم مع الشاعر الدانماركي بني أندرسن أجراه الدكتور زهير شليبه (ملف/2)

بمناسبة رحيل الشاعر بني أندرسن يوم الخميس في السادس عشر من آب 2018 مقدمة لا …

قصة قصيدة وطن رائية العرب.. قصة المشروع
فكرة القصيدة ومطلعها وخاتمتها الدكتور صالح الطائي(ملف/13)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *