علوان السلمان: اكتناز الومض الشعري في (قبلة بحجم العالم) للشاعر سعد جاسم (ملف/8)

إشارة:
يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن الشاعر العراقي المبدع “سعد جاسم” المجبول إنسانا وشعرا من طين فرات الديوانية السومري العراقي الحرّ.. كائن من شعر وموسيقى حمل هموم وطنه في المنافي وجسّد واكتوى بقيامته عبر الكلمة الملتهبة الصادقة الخلاقة. تدعو أسرة الموقع أحباءها القرّاء والكتّاب إلى إغناء الملف بما يتوفر لديهم من مقالات وصور ووثائق. وعلى عادة الموقع سوف يكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية لأن الإبداع الحقيقي لا يحدّه زمن. تحية للشاعر المبدع “سعد جاسم” .
أسرة موقع الناقد العراقي

النص الشعري تعبير مقتضب عن لحظة انفعالية بايجاز وتكثيف جملي متميز بعمق المعنى..كون الوجدان الشعري مؤسس على الاهتزاز للاضاءة الوامضة فكريا او وجدانيا والمتميزة بنزعتها البلاغية وتقنية الانزياح واستنطاق الرموز وصورها..
و(قبلة بحجم العالم)المجموعة الشعرية الوامضة التي تعد ممارسة شعرية حداثية ارتبط ظهورها بالتغيرات الحاصلة في البنية الاجتماعية والثقافية والفكرية وكانت نتيجة من نتائج العصر الذي وسم بعصر السرعة والايجاز..لذا فهي تقوم على التكثيف الدلالي والمعنى الايحائي المتحرك داخل النص والمتنامي فيه.. والفني المحرك للخزانة الفكرية والقرائية لمتلقيها كي تحثه على كشف ما خلف الالفاظ نتيجة تفاعله معها..والتي نسجتها انامل مبدعها الشاعر المغترب سعد جاسم واسهمت دار الحضارة في نشرها وانتشارها/2010..كونها تستنطق اللحظة الشعورية عبر نسق لغوي قادر على توليد حقول دلالية ..فضلا عن انها شكل من اشكال الانزياح بتصوير اللحظة وتشكلها فنيا وفق رؤية الشاعر ورؤياه..اذ(الشكل والمحتوى مندمجان في عملية الخلق الادبي)على حد تعبير الناقد الانكليزي هربرت ريد.. واسهمت الدكتورة انعام الهاشمي في ترجمتها الى الانكليزية كنشاط انساني يواكب التطور الاجتماعي والمعرفي الانساني وخلق حالة من التواصل بين الامم من خلال اخراج النص من حدوده الجغرافية وتفاعله واللغات الحية الاخرى بعد ان توفرت فيها الثقة المطلقة باستيعاب تاريخ اللغتين (العربية والانكليزية)..فضلا عن ادراكها لعوالم الشاعر الحسية والعقلية..ابتداء من العنوان الجملة الاسمية المتشكلة من ثلاثة فونيمات تعبر عن الاحساس العاطفي والانساني انطلاقا من قول الرسول(ص) المتصل والجذر التاريخي للقبلة (كونها شيء غريزي ظهر منذ بدء الخليقة لانها تعبر عن الاحساس العاطفي..)على حد تعبير الدكتورة عزت كريم..(لا يقعن احدكم على امراته كما تقع البهيمة وليكن بينهما رسول..قيل:ما الرسول يارسول الله؟ قال: القبلة والكلام) ومرورا برسالة بولس الرسول الثانية(سلموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة) وانتهاء بما حدده الفقهاء من اوجه للتقبيل انحصرت في(قبلة المودة وقبلة الرحمة وقبلة الشفقة وقبلة الشهوة وقبلة التحية..)..
القبلة
قصيدة نثر
يخربشها العاشق
المغامر
على جسد حبيبته
فيضيء العالم /ص20
فالشاعر يستثمر القبلة ومعجمها القولي على لسان الاخر لتشكيل التراكيب والبنيات الشعرية والصور والرموز باعتماد العنوان بصفته الموجه الاول للمتن(بؤرة النص) فالنهاية الادهاشية غاية الصورة الشعرية التي لا يخضع سياقها لوعي مقصود لان الشاعر يكتب بالوعي الشعري لا بالوعي العقلاني..مع اهتمامه بغنائية الموضوع اكثر من معايير الشكل بتوخي الايجاز وعمق المعنى وكثافة الايحاء مع صفاء الصورة المتأثرة بالهايكو الياباني..
بلا شموع
وبلا مصابيح
تتلاقى شفاهنا ونتعانق
رغم قسوة الحروب
وظلامها الشائك /ص55
فالنص يحمل زخما تكثيفيا ومعنويا بتجاوز الخطابية والالتفات الى الايحائية المعبرة عن الحالة النفسية زمانيا ومكانيا مع تعدد ظلال الرؤية..اضافة الى جمع الشاعر بين المتضادات في المعنى والتقارب بين المتناظرات في الدلالة..اضافة الى توظيفه تقانة التكرار لتوكيد المعنى واضفاء دلالات فنية تمنح النص بعدا ايقاعيا..
اوقفني الحلاج
في باب القبلة

وقال:
ركعتان في العشق
لا يصح وضوءهما
الا بالمطر /ص38
فالشاعر يقدم مضمونا مكتظا باعلى درجات التوتر الداخلي وينسجه في نصه الذي يتكيء على حقول دلالية في مقدمتها الثنائيات الضدية..فضلا عن اعتماده طاقة اللفظ الايحائية المنفتحة على التأويل بايغاله في الرمز وتحويل كل دال الى بؤرة من المعاني الحافلة بالشحنات المنفعلة التي تضفي جمالية على السياق النصي..
وبذلك قدم الشاعر نصوصا مقطعية متميزة بوحدة الموضوع الذي تمثل بالعامل المساعد في تخفيف حدة التوتر النفسي وبناء علاقة انسانية منبعثة من الداخل باستثمار (القبلة)وتوظيفها في تشكيل التراكيب والبنيات الشعرية والصور والرموز قولا على الامتداد التاريخي المنحصر في(اقوال في القبلة) ونصوصا ذاتية عبر الاجزاء الاربعة(هل كانت الكلمة ام القبلة؟)و(مطر من القبلات)و(قبلة..قبل..قبلات) و(القبلة الاخيرة)..

شاهد أيضاً

سعد جاسم: تجليات الحب ومدارات التأويل
سمر محفوض* (ملف/26)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

“أرميكِ كبذرة وأهطلُ عليك”.. تعدد المداخل/ تعدد القراءات
حميد حسن جعفر (ملف/25)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

شكيب كاظم: عزيز السيد جاسم وتطابق المَظْهَر مع المَخْبر (ملف/16)

إشارة : رحل المفكّر الكبير والروائي والناقد “عزيز السيد جاسم” بصورة مأساوية تاركا إرثا فكريا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *