شوقي كريم حسن: عمر السراي.. فتوة الشعر.

*في ظل الفوضى التي اطاحت بالشعر، وجعلته يرفل في دروب الضياع، والتراجع، والاوهام التي ابعدته كثيراً عن متلقيه، الذي ربته الذائقة الجمالية الارثية، على صور ودلالات ورموز تثير لواعجه، وتجعله يلهث وراء مقاصد الشاعر وغايايته، محولاً قدر ما يقدر ويستطيع الاحتفاظ بالقصيدة كأرث يعود اليه كلما وجد حاجة، او رغبة بالوصول الى غاية او غرض، ما تقدمه الشعرية العراقية اليوم بكثيرة غير المتجانس خال من المقاصد، لا يستطيع الثبات امام الأرث واشتغالاته العميقة التكوين، في جل ما يقدم اليوم من نصوص، لانجد الثوابت التأثيرية، ثمة عداء معرفي واضح بين الفوضى والتبني، فوضى منحت قلة من الشباب الى تبني الملامح التي تترك اثراً وجداناً في نفسية متلقيها، تاركين الاشكاليات التي يعيشها الشعر، محاولين انقاذه من كبوته الفيسبوكية، التي ما عادت مخفية على احد، تمكن الفتيان العارفين بمهيات الاشتغالات النصية من جذب الانظار اليهم، من خلال منح متلقيهم، بعض من الرضا والشد، والعودة به الى بعض غايات الشعر الازلية، ثمة وجدانية فارهة بدأت تنساب ببطء كاشفة عن وجود شعري مغاير، ذلك ما حققه السراي عمر.، الذي مازج بين روحين صلدتين اولاً، وهما العمود المقفى والموزون، والنص السيابي الذي اعاد صياغة المعاني ومنحها بعض الاسترخاء برغم الفجيعة، بين قوتين فاعلتين، فكك السراي، مفاهيم حضوره المكاني، معطياً الزمان الواضح في مكامن نصوصه، قوى فاعله، كانت واحدة من اهم مميزات وجوده الشعري، الذي تعثر في بداية التكوين ولكنه مالبث ان استقام بوضوح جذب اليه العقلية المتلقية الجمعية، حين نتفحص اليات الفعل الشعري، نجده يعمل على اعادة صياغة البناءات المشهدية الدرامية، بما يتفق وفهمه للحداثة وفعاليتها التأثيرية، ليس هناك في ما يقدمه السراي.. قطيعة، او اقحام غير مرغوب فيه لصور شاذة وحادة،

الشاعر عمر السراي

يبتعد السراي عن مؤثرات الفعل اليومي، المباشر والمعروف مسبقاً، يتعامل مع الصور اليومية بحذر دراسي، وهذا المنحى لان عمر السراي، لم يحط رحاله عند النص ومفاهيمه فقط، بل انغمس في القراءات الثقافية، وكتابة سيناريوهات الافلام والبرامج، وهذه المساعدات منحته الجرأة في تبني خليط نصي يمزج الارواح مع بعضها لتنتج نصاً فكرياً مغايراً، لا ينتمي لغيره، ولا يقبل انتماء غيره إليه، يظل واقفاً عند قمة الفردانية، واسرار منابعها، لا يحبث النص لدى عمر السراي، الاقتراب كثيراً من المكان، الذي تكاد الشعرية العراقية، وربما العربية لا تكترث له وبه كثيراً، بات الزمان هو المحرك الاخلاقي والانساني الاكثر قوة تأثيرية وفعلاً نفسياً جامعاً، والسؤال الذي اراه يشير الى عمق الحاجة، ومكوناتها، كيف استطاع السراي اكتشاف هذه الخصيصة الجمالية، واتخاذها مركباً لتميزه وقوة وجوده الشعرية؟
لابد ان ثمة معرفية قرائية تفحصية عاليه، ماكان السراي، يريد ان يكون قولاً للشعر مثل مئات الالاف، لايتركون اثراً، ولا تعنيهم الجدة الشعرية بشيء، هو بناء دقيق الملاحظة، يشيد نصه بتئن ودربة، وحرص على ان لا يظل ظمن دائرة الاعتياد الجمعي، وضع اشارات ومثابات جذبت اليه النقدية العراقية ، الكسولة في التلقي بعض الشيء، بوصفه بناء عارف وحاذق، خطاه دقيقة وحذرة ، ترتكز الى تأملات يومية لمسارات الفوضى الشعرية التي يعيشها عالمنا الذي ما عادت تعنيه الجماليات كثيراً.

شاهد أيضاً

عبدعلي حسن: مابعد (المطبوع)

لا يخفى على أحد التحول الحاصل في وسائط الإتصال بين البشر ، فقد بدأت شفاهية …

الدكتور زهير ياسين شليبه*: بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل شاعر الشعب الدنمركي الساخر بني أندرسن 1929-2018 (ملف/1)

قصائد للشاعر الدنمركي الساخر بني أندرسن الأعداء الأعزاء أنا أحترمه أكثر من اللازم كان دائما …

ثامر الحاج امين: رواية (مصير بلقيس)… صرخة احتجاج بوجه العنف

عن دار ميزر للنشر في السويد صدرت للكاتب العراقي المقيم في الدنمارك ” كريم عباس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *