على ضفاف شعريّة العناوين
دواوين الشاعر سعد جاسم أنموذجاً
د. وليد العرفي (ملف/7)

إشارة:
يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن الشاعر العراقي المبدع “سعد جاسم” المجبول إنسانا وشعرا من طين فرات الديوانية السومري العراقي الحرّ.. كائن من شعر وموسيقى حمل هموم وطنه في المنافي وجسّد واكتوى بقيامته عبر الكلمة الملتهبة الصادقة الخلاقة. تدعو أسرة الموقع أحباءها القرّاء والكتّاب إلى إغناء الملف بما يتوفر لديهم من مقالات وصور ووثائق. وعلى عادة الموقع سوف يكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية لأن الإبداع الحقيقي لا يحدّه زمن. تحية للشاعر المبدع “سعد جاسم” .
أسرة موقع الناقد العراقي

تُمثّل العنونة قضية نصيّة مهمة من قضايا النص التي بدأت تُولي اهتمامها لقضية العنوان الذي يُؤسّس بشكل أو بآخر لبناء النص بوصفه لبنة من لبنات معماريته ، وشكلاً من أشكال الاكتمال النصي ، وعلى ذلك ؛ فإنَّ العنوان ليس مجرد إطار جمالي يسم النص وحسب ، وإنما هو علامة واسمة من علامات النص وفق الفهم الحداثي للنص ، وفي هذه المقاربة سأتوقف عند اختيار الشاعر سعد جاسم عناوين مجموعاته الشعرية الصادرة حتى تاريخ إنجاز هذه المقاربة ، وسنسعى إلى تتبع تجربة الشاعر سعد جاسم وفق هذه العناوين؛ فإلى أي مدى يُمكننا أن نرسم خطاً بيانياً لتلك التجربة ، وما مدى مشروعية عملنا هذا في التحليل؟
بداية أشير إلى أن هذه المقاربة مجرد إشارة ستتبعها مقاربات أخرى تدخل في متن اللغة الشعرية في إطار التجربة كلها ، وإنما يأتي هذا الاجتزاء لتحليل الظاهرة (العنوان ) من دون أن ندّعي وضع معيار لشاعرية النص أو الديوان المنضوي تحت هذا الوسم ، بيد أنه لا بدّ في الوقت ذاته أن نؤكّد أنَّ اختيار الشاعر عنوانه المفرد لا يأتي بمعزل عن سياق التجربة في عموميتها وشمولها ، ولذلك فإنَّ النظر في مسألة العنوان تبدو ذات منطقية ومعقولة من حيث سبر أبعاد التجربة في بنائها المتكامل وفق رؤية الشاعر واهتمامه الشعري العام؛ فما الذي يحمله عنوان الشاعر البكر من دلالات؟

فضاءات طفل الكلام
يحمل العنوان ثلاث ثيمات هي: فضاءات وطفل والكلام
فالفضاءات التي جاءت جمعا إشارة واضحة حمَّلها الشاعر رغبته في الانعتاق والحرية التي يرى فيها مجال الإبداع الأول والأخير ، وهي شرط كمال وضرورة ، وليس ترفاً ولعلَّ ما عاناه الشاعر في سبيل تلك الحرية كان سبباً كافياً؛ لالتقاط الشاعر هذه العنونة التي جاءت متسقة مع طفل بما تُحيل عليه دلالة المفردة من الإشارة إلى الحالة الجنينية التي تعني البراءة والصفاء والطهر في أجمل تجلياته، ويكون إضافته إلى الكلام رغبة من الشاعر؛ ليقيد أن هذا الطفل واع لما يريده يُدرك الواقع ، ويستطيع التعبير عنه والقول فيه ، ولذلك جاء لفظ الكلام الذي لا يكون قولاً إلا بالقدرة على الإفصاح عن مكنونات النفس والعالم المحيط .
ويبدو اختيار الشاعر عنوان ديوانه موسيقى الكائن منطلقاً من رؤية أكثر اشتغالاً بطبيعة الشعر بوصفه فناً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالموسيقى ، وبناء على هذ العلاقة يبدو العنوان منسجماً مع طبيعة الشعر من حيث تعريفه بأنه كلام موزون مقفى ، وهو ما جعل لدلالة الموسيقى التي جاءت نكرة إشارتها الرامزة إلى تعدد أنواع ، وشمول دلالات ؛ فموسيقى تُحيل على اسم ذات تنوع ، ولعلّ الشاعر أراد بهذا أن يرمز إلى تنوّع بجور الشعر العربي بأنماطها التقليدية ، وما خرجت إليه تلك البحور من أشكال في شعر التفعيلة ، وما تبعه من أسلوبيات في موسيقى النص الشعري ، وجاءت لفظة الكائن كذلك مكتنزة بدلالتها التي تعني: الشاعر الذي يحمل همَّ الوجود ؛ فهو كائن حي غير محدد بطبيعة معينة، أو بملمح محدد يكسبه هوية ما ، وبهذا التعميم منح الشاعر كائنه أبعاده الجمالية التي تفتح مخيلة القارىء على تصورات غير محددة؛ ليتخيَّل شكل ذلك الكائن، أو يُحدّد ملامح طبيعته الجسمانية ، وأن يتوقع سلوكياته التي لا شك أنها ذات طبيعة جمالية هادئة تدخل في نطاق الرومانسية والعالم المثالي ، وقد ألمح الشاعر إلى تلك الطبيعة من خلال لفظة موسيقى ، وإن هو لم يرسم ملامحه كاملة غير أنه أعطى للقارىء اللون والفرشاة، وترك له حرية إكمال رسم الملامح بالصورة التي يعتقد بجمال ذلك الكائن الذي هو في تصورنا الشاعر نفسه
طواويس الخراب
تقوم بنية العنوان على تركيب إضافي منزاح ، وهو ما يبعث على الدهشة ، وإثارة الحسّ الجمالي لدى المتلقي، إذْ جمع الشاعر بين مفردتين غير موقعتين فيما يعرف بالمصاحبات اللغوية المألوفة ، وعلى هذا التجاوز لا بدَّ من معرفة الدلالة المعجمية للفظ؛ لاستكشاف أبعاد العنوان والوصول إلى مقصدية الشاعر من وراء اختياره فلفظ طواويس جمع مفرده طاووس ، وهو طائر معروف بألوانه الزاهية ، وخاصّة في ريش ذيله ، وفيه يضرب المثل في التكبّر والغرور؛ فيقال أزهى من طاووس ، ولعلَّ هذا المعنى الذي أراد الشاعر التعبير عنه في توصيف ديوانه بإضافة الخراب ، وهو ما يبدو منسجماً مع طبيهة المغرور التي قد تؤدي إلى المآل السيء في النهاية بسبب أن المغرور أصمٌّ وأعمى عن الاستماع إلى النصيحة ، وهو ما يؤدي به إلى نهاية غير محمودة ، وربما كان الخراب هو المآل الأخير الذي يصل إليه ، وعليه أرسى الشاعر عنوانه ؛ لتكون علامة على المرحلة الأخيرة التي يصل إليها المغرور في محاولة لاستدراك الوصول إلى تلك المرحلة ، فالعنوان وفق هذا البعد يتخذ حالة تحذير ، وعلامة إنذار للقارىء بضرورة تجنّب هذه السمة ، والابتعاد عنها في الممارسة السلوكية للإنسان في تعامله الدنيوي مع الآخرين
قيامة البلاد
قامت بنية العنوان على نمط التركيب الإضافي، وقد جمع الشاعر فيه بين الحدث والمحدث في موقف باعث على المفاجأة والإدهاش؛ فلفظ : (قيامة) مرتبط في الذهنية الإنسانية بحدث نهاية العالم ، وهو موقف باعث على الرهبة المصحوب بمشاعر الخشوع والمهابة والخوف والقلق وكل ما يُمكن أن يكون سبباً للقلق والاضطراب النفسي والجسدي على حدٍّ سواء، ومن هذا الاعتقاد القارّ في ذهن المتلقي يبدو ربط القيامة بالبلاد إشارة رامزة إلى فعل تغيير جذري يطال بنية البلاد على جميع المستويات ، وهذه القيامة: إما أن تكون حاصلة بالفعل، أو أنها تكون رغبة من رغبات الشاعر التي يأمل بأن تتحقق ، وقد تكون نبوءة من استشراف التغيير الذي يطمح إليه ، ويُدرك أنه واقع لا محالة ، وهل الشاعر غير عراف مستقبل ، وقارىء كف أفق بما يمتلك من رؤيا نافذة وبصيرة متقدة وثقافة جامعة معمقة ؟ وهو ما يبدو جليّاً من خلال تأريخ صدور هذا الديوان في عام 2010م ، وهو بلا شك تأريخ يُحيل على ما قبل الأحداث التي سبقت ما آلت إليه حال البلاد فيما بعد من أحداث كانت بالتأكيد في سياق ما تصوّره الشاعر ، ورسمه بمخيلته الشعرية قبل أن تراه حاسته البصرية
ديوان أرمیِك كبذرٍة وأهبط عليك
ينحى الشاعر في هذا الديوان إلى البناء الفعلي الذي جاء جامعاً بين الفعلين: ( أرمي ، أهبط) في الزمن الحاضر في إشارة إلى استمرارية الفعل في الزمن ، وعدم انقطاعه في التأثير والفاعلية ، وقد جمع الشاعر بينهما بوساطة حرف العطف الواو الي يفيد الجمع والمشاركة ؛ ليجعل من الحدثين حدثاً واحداً يشتركان في الموقف نفسه وقد أضيف إليهما كاف الخطاب الموجه إلى الأنثى التي جاءت في حالة ظهور بالضمير، بينما استتر الشاعر الذي عبّرت عنه دلالة الضمير المستتر في الفعلين المضارعين؛ فالرامي والهابط يقدّر بالضمير المستتر : (أنا) و:انَّ الشاعر أراد الإحالة على تأكيد حقيقة أنَّ أصل الخلق هو الأنثى في عكس منشأ التخلّق الذي يشير إلى أنَّ حواء من ضلع آدم ، ويستثمر الشاعر تقنية الصورة التشبيهية في منح العنوان طاقة إيحائية ، ومدّه بسعة تخيلية متقدة ، إذ شبَّه المخاطبة الأنثى بالبذرة ، كما أفاد من تقنية الاستعارة، فشبّه نفسه بطائر يرتمي على تلك البذرة في إطار تخييل شعري جعل من الصورة لوحة جمالية تشكّل العتبة النصية للعنوان ، لتكون عنصر على جذب للقارىء ، ولفت انتباهه ، و إغرائه، وهي من الوظائف الرئيسة للعنوان التي أشار إليها جينيت وفيها :” يخاطب من القارىء ثقافة و ملكات ، ويستعمل من اللغة طاقتها في الترميز ، وليس همّهُ التوصل إلى عكس المضمون أو الشكل بقدر ما تعنيه مفاجأة القارىء”
وكما ترى بشرى البستاني ” بأّن العنوان رسالة لغوية تعرف بتلك الهوية، وتحّدد مضمونها وتجذب القارئ إليها، وتغريه بقراءتها، وهو الّظاهر الّذي يد ّل على باطن “
ينهض عنوان الشاعر في ديوانه الموسوم بــ (قبلة بحجم العالم) على البنية الاسمية ، وهذه الصيغة تفيد الثبات ، لما تتصف به الأسماء من تجردها من الزمن ، وهو مؤلف من خبر قبلة الذي جاء بعد مبتدأ مجذوف تقديره هي قبلة ، وشبه الجملة مع الإضافة بحجم العالم ، وبهذا العنوان يريد الشاعر أن يعلن عن رسالته الإنساني التي تدعو إلى التسامح وتلاقي أفراد الجنس البشري في إطار من التسامح والتعاطف القائم على التآلف والتعاضد بين أبناء هذه الأرض بمعزل عن انتماءاتهم العرقية واختلاف ألوانهم ، وتعدد مذاهبهم ، واختلاف أطيافهم الاجتماعية ، وبذلك يمثل العنوان موقف الشاعر من الآخر الذي ينظر إليه على أنه الذات التي تكمّل لا الطرف الذي يقاتل ، ويصارع ، إن ديوان الشاعر قبلة بحجم العالم مشبع بالنزعة الإنسانية ، والنظرة المثالية ، وربما الطوباوية التي لا تتَّسع لها إلا النفس الجميلة التي اتّشحت بجب الآخر ، وتشبَّعت بالسمو الملائكي ، والرقي المعرفي
طائر بلا سماء عنوان يرمز إلى توق لما هو حاجة ، وضرورة لمواصلة حياة ، وتأكيد وجود وبعيداً عن تعبيرية الصيغة اللغوية التي جاءت بالاسم المفرد في إشارة إلى أنَّ هذا الطائر مفرد يعيش حالة عزله ، وهي ما يُشكّل حالة الغربة التي يعيشها على الصعيد النفسي ؛ لتكتمل حالة تلك الغربة ، ويزداد ذلك الشعور بالحيز الجغرافي الذي يضيق على ذلك الطائر الذي يجد نفسه من غير سماء ، وبذلك تنغلق دائرة الحياة على هذا الطائر ، كما ينسدُّ أمامه باب الأمل في وجوده ، وهو ما يزيد من معاناة هذا الطائر الذي ما هو في الحقيقة إلا رمز شفاف للشاعر نفسه الذي يجد نغسه رهين غربة نفسية في الوطن ، واغتراب منفى جسدي حقيقي يعيشه في بلاده التي هاجر إليها .
وفي ديوانه : ( أنِت تشبهینني تماماً ) يلحظ القارىء أن الشاعر يلج محراب الأنوثة من خلال علم النفس ، إذ تشير بعض الأبحاث أنَّ حالة الحبَّ في تجلياتها العشقية تطبع العاشقين بصفات منهما إلى درجة التماثل في الحركات والطباع ، وهو ما يذهب الشاعر إليه في هذا العنوان الذي يهدف من حلاله إلى تأكيد تلك المقولة ، وهو ما تشي به صياغة العنوان وفق نمطية الابتداء بأنتِ ، ولهذا التقديم دلالته التي لا تقتصر على الصحة اللغوية وحسب ، وإنما جاءت لتقديم يرى طقسي احتفائي يلجأ إليه الشاعر في تفضي المرأة على الذات ، وهو من النواميس الاجتماعية الدالة على الاحترام والتقدير للمرأة ، ويتبع ذلك جملة الخبر:
( تشبهينني ) التي عبّر بها عن إبلاغ مراده بتأكيد خالة المماثلة ليس على سبيل المقارنة في بعض صفات ، وإنما بدرجة تماثل متطابقة في كل شيء، وهو ما أكّده باللفظ: ( تماماً ).

شاهد أيضاً

سعد جاسم: تجليات الحب ومدارات التأويل
سمر محفوض* (ملف/26)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

“أرميكِ كبذرة وأهطلُ عليك”.. تعدد المداخل/ تعدد القراءات
حميد حسن جعفر (ملف/25)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

شكيب كاظم: عزيز السيد جاسم وتطابق المَظْهَر مع المَخْبر (ملف/16)

إشارة : رحل المفكّر الكبير والروائي والناقد “عزيز السيد جاسم” بصورة مأساوية تاركا إرثا فكريا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *