خالد جواد شبيل: خُلِقت جميلاً يا لبنان!

أول الكلام:
أستميحك عذرا يا لبنان أن أحوّل حزني عليك وعلى بلدي العراق الى حالة حب رومانسية أو ذكريات حلوة أخفف فيها عمّا انتابني بما طال بيروت حسناء المدن، ففي الحب نكافح البغضاء وبالجمال نمحق القبح..وبحلو الذكرى ندفع ما يعترينا من كوابيس الواقع وما أكثرها! وبالأمل المبتسم نبدد عبوس اليأس، وما أروع الطغرائي ((455 – 513 هـ/ 1061 – 112) الوزير المعزول الحزين الذي انتبه على نفسه وأشفق على من عانى من قسوة السلاجقة المحتلين حين أنشد قصيدته التي عُرفت بلامية العجم:
أصالةُ الرأيِّ صانتني عن الخَطَلِ – وحلية الفضلِ زانتني لدى العَطَلِ
الى أن يقول بيته الملتاع:
أعللُ النَّفسَ بالآمال أرقُبُها – ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ
نحن العراقيين نحب البلدان التي تصلنا ثقافتها في الشعروالأدب والترجمة والتحديث مع التراث الثروالغناء وإن نجدها تعاني وتضطرب بمثل ما نعاني ونضطرب فيزيد حبنا لها حباً معطوفاً بتضامن، وأجد في هذه الفرزة جواباً لمن حاول أن يهمس في أذني: حالنا العراقي أسوأ من لبنان أو البينا مكفينا!!
***
من لبنان عرفنا أصحاب المعاجم وحماة اللغة وشروح عمالقة الشعر العربي.. ومن لبنان تأتينا الكتب من مطابعها ومجلدات الموسوعا والمظان المحققة.. ومن لبنان عرفنا ذلك الشاعر الذي ربطنا بوشيجة بحب العرب واستنهضنا لأجلهم وغدونا نردد معه تلك القصيدة التي دخلت قلوبنا الصغيرة قبل رؤوسنا فهزت كياننا وجعلتنا نكبر أعواماً، للشاعر إبراهيم اليازجي (1847-1906:
تنبهوا واستفيقوا أيها العربُ – فقد طَمى الخَطْبُ حتى غاصتِ الرُّكَبَ
ومن لبنان تعرفنا على جبران خليل جبران الذي سحرنا بالعناقيد التي تدلت كثريات الذهب، فكسر الجمود وخصّب خيالنا، ومن لبنان تعرفنا على رقة الشعر وإزاحة النبرة الفخمة الخطابية، هكذا الحال مع بشارة الخوري و سعيد عقل وإيليا أبو ماضي و ميخائل نعيمة ورشيد سليم الخوري وجورج صيدح.. وبقية شعراء المهجر الهامسين بالشعر؛ ومجلتي الأديب والآداب اللتين فتحتا أذهاننا على على فضاء رحب في القصة والشعر الحديث والشعر العالمي ، ومن لبنان جاءنا وديع الصافي ونصري شمس الدين وسعاد محمد وصباح ونجاح سلام ذات الصوت الساحر ثم .. فيروز والرحابنة !
كيف لا أحب لبنان وفد أحبها عمالقة الشعر العربي، قال أبو الطيب المتنبي رائعته وقد حاصره الثلج وهو يروم بيروت، ليمدح أميرها:
وعقابُ لبنانٍ وكيف بقطعِها – وهو الشتاءُ وصيفهُنَّ شتاءُ
وقال شوقي في زحلة حيث جلس في شرفة الفندق مطلاً على وادي الشعراء حيث جلس قبله لامارتين وقد عطّلت جارة الوادي لغته:
وتعطّلت لغةُ الكلام ِ وخاطبت – عينيَّ في لغةِ الهوى عيناكِ
من قصيدته “جارة الوادي”:
شيعَت أحلامي بقلب باكِ – ولممتُ من طُرق الملاحِ شباكي
وقال: جبران في بلده لبنان:
لبنان هل للراسيات كأرزه – تاجٌ ينضّرها على الآبادِ
ياليت ذاك الأرز كان شعارنا – بثباته وتواشح الأعضادِ
صدقت يا جبران تنبأت وصدقت النبوءة! أشاركك الأمنية..
وزارها الجواهري متألماً ليحضُرَ مهرجان تكريم الأخطل الصغير والجواهري يجاريه:
لبنان يا خمري وطيبي – هلّا لممتَ حطامَ كوبي
وكان الأخطل الصغير قد زار بغداد وقال فيها قصيدته الذائعة الرقيقة التي هي نموذج لرقة وخفة الشعر الهامس والعاطفة المرهفة التي تعكس روح لبنان:
قولي لشمسكِ لا تغيبي – وتكبّدي فلكَ القلوبِ
بغداد يا وطنَ الجها – دِ وموضع الأدب الخصيب
غناك دجلة والفرا – ت قصائد الزمن العجيب
رقصت قوافيها على – نغم البشائر والحروب
أعراس دارا من مقا – طعها وخيبة سنحريب
حتى إذا طلع الرشي – د وماج في الأفق الرحيب
صهر القرون وصاغها – ناجا لمفرقك الحبيب
بغداد يا شغف الجمال – وملعب الغزل الطروب
بنت المكارم للعرو – بة فيك جامعة القلوب
بيت من الأخلاق ضا – قت عنه أخلاق الشعوب
وسع الديانات السما – ح وضم أشتات الندوب
ولكن الجواهري كان لبنانيا في عذوبة في وقفته عند قدم جبل صنين في لبنان حيث قال رائعته:
أرجعي ما استطعتِ لي من شبابي – يا سُهولاً تدثرت بالهضابِ
غسل البحر أخمصيها.. ورشّت – عبقاتُ الندى جباهَ الروابي
واحتواها صنين بين ذراعيه – عجوزاً له رُواء الشباب

الى أن يقول:
والكرومُ المعرشاتُ حبالى – مرضعاتٌ كرائم الأعنابِ
حانياتٌ على الدوالي تُحلينَ – عناقيدَ زينةً للكعابِ
رافعاتُ الرؤوس شكراً وأخرى – ساجداتٌ شكراً على الأعتاب
ومن الإنصاف أن نمر على رائعة نزار قباني في بيروت:
ياست الدنيا يا بيروت..
من باع أساورك المشغولة بالياقوت؟
من صادر خاتَمك السحري؟
وقصّ ضفائرك الذهبية؟
من ذبح الفرحَ النائم في عينيك الخضراوين؟
من شطّب وجهكِ بالسكين
وألقى ماء النار على شفتيك الرائعتين
ومن سمم ماء البحر، ورش الحقد على الشطآن الوردية؟
ماذا نتكلم يا بيروت ..
وفي عينيك خلاصة حزن البشرية
وعلى نهديك المحترقين .. رماد الحرب الأهلية
ماذا نتكلم يامروحة الصيف، ويا وردته الجورية؟

***
كان زيارتي الأولي في صيف عام 1973، كنا عائلة صغيرة وابننا بعمر عدة أشهر ندفعه في عربة، نخرج من شارع الحمرا حيث فندق لو كفالييه، نجوب الشوارع، كان الجو خانقا، انتعش قليلا عند المساء .. نترك الطفل عند بوابة المحلات وندخل لشراء شيء ما ونخرج ملهوفين فنجد سيدة أنيقة تداعب “البيبي” بوردة رازقي (فل) وهو يضحك لها، فيتمكن من مسك الوردة وتمنحه إياها! كنا قادمين من أوربا ووجدنا اللبنانيين فيهم الابتسامة والانفتاح على الغرب مع بعض الفضول المهذب.. حين يحاول العراقي التكلم باللهجة اللبنانية سرعان مايأتيه الجواب أهلا بالعرائيين أو بالعرائية!!وحيث تتوجه وأهل المحلات يتكرمون بماء بارد يدفع الشوب (الحر)، وهكذا نرتاح قليلا ثم نشتري ما نحتاج أو لانحتاج !
يطيب التمشي ليلاً على اشارع الكورنيش ليلاً ونسر لمرأى الروشة (صخرة البحر) وإلا فجبل لبنان فبه ما يسر من أطباق صغيرة تسبق الوجبة الرئيسية مع مشروب سائغ يفتح النفس..ثم يكون الحساب فتدفع وأنت مرتاح الضمير وإن قسا الدفع على الجيب!
يالبنان الجميل يا صدى الذكريات صدى السنين الحاكي..
نقول سلمت.. لا قاربتك العوادي!
السابع من آب 2020

شاهد أيضاً

ورد ورماد : رسائل الصداقة والاعتراف بين الأدباء
بقلم: أحمد شحيمط

التقيت محمد شكري في صيف 1972 بشارع باستور بطنجة، يروي الروائي المغربي محمد برادة عن …

الدكتور زهير ياسين شليبه*: بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل شاعر الشعب الدنمركي الساخر بني أندرسن 1929-2018 (ملف/1)

قصائد للشاعر الدنمركي الساخر بني أندرسن الأعداء الأعزاء أنا أحترمه أكثر من اللازم كان دائما …

مريم لطفي: الهايكو فن التامل

“لحظات من الخلوة والتامل تحقق لي الهدوء والتوازن التركيز،وتدفع في نفسي قوة هائلة لمواصلة الطريق”..برتراند …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *