رؤيــا الـيـقــيــن لـســـلام ابـراهـيـم*
قصص تدعو لإعادة صياغة الوعي والبحث عن الذات الأنسانية المفقودة
صباح كنجي (ملف/83)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

يقول (محمد عيسى)*في ديوان البراري :
مقام اليقين
ليتَ لي يقينا ً..
لأضعَ ظنوني قيد الاستعمال
واحلُمَ ما استطعتُ..
حينها..
لن يقول لي العرافُ اضغاثَ احلام
ولن ُتفسد الدماءُ مناماتي ..
ولا يقظتي .

عن دار الكنوز الأدبية في بيروت ،في العام 1994صدرت للقاص (سلام إبراهيم) ، مجموعته القصصية المعنونة رؤيا اليقين ، التي أهداها إلى ناهده، احتوت المجموعة ،على القصص التالية:
( المتاهة، رؤيا اليقين، أنها الحرب، وداع، لقد أسكته، الفأس والشجرة ، الصراط المستقيم ).
زمن كتابته وإنجازه لنصوصها ، ينحصر بين أعوام 1987 و1989 . أي الفترة التي تؤرخ لما قبل نهاية الحرب وما بعدها بقليل..
عن أية حرب ٍ نتحدثُ ؟ حرب صدام مع إيران ؟ أم حربه الداخلية مع أبناء شعبه من الكرد والأنصار الشيوعيين في كردستان..
حرب!! يا لها من كلمة قاصرة ،غير دقيقة، لا تفي بالوصف ، إلا إذا إستخدمت في حالة الجمع بصيغة ِ حروب صدام ونظامه الدكتاتوري ..
هذا ما ينقلك إليه سلام إبراهيم، في مجموعته القصصية ( رؤيا اليقين) ،التي تغور عميقا ً في الذات الأنسانية، ليحكي لك شيئا ً عن إرهاصات النماذج البشرية المنخرطة في صفوف حركة الأنصار، وطبيعة هواجسها ،وتشعب تأثيرات الحرب المدمرة ،التي تعيد صياغة الأنسان، من جديد، فتبدل ُ قناعاته الفكرية والأجتماعية وتغيّرُ من سلوك البشر، وطبيعة الصراعات البشرية وتحولاتها، وتحولها إلى صراع مع الذات ،عبرَ تساؤلات ٍ عن جدوى البقاء في المكان؟
أو عند حدود القناعات ، التي تجرفها وتتخطاها الأيام مع عواصف المعارك الدامية المشبعة بالدم و رائحة البارود ، التي تنشرالرعب والخوف وتشيع الذل والخنوع بين الناس والبشر، وتحولهم إلى حيوانات يفترس بعضها البعض، هذا ما صنعته الحرب وهذا ما كان يريده المخططون لها ..

وهذا ما وجده المعارضون لها ، حينما أيقنوا في لحظات تأملهم العصيبة ، وسط غبار ودخان المعارك الحربية المتواصلة ، إنهم وسط غابة من الوحوش تتحكم بمصيرهم، قيم وغرائز الحيوان ، وأصوات الموت المنبعثة ، من هد ير الطائرات ،وقذائف المدافع، المختلفة الأحجام والمدى ،وأزيز الرصاص، التي تجتمعُ لتنشر الدمار والموت والعفونة.
فتزيد من وهن الروح ِ ، و تتماهى مع حالة الخراب في النفس المحطمة ، التي تتخلى عن طموحاتها و أهدافها ومشاريعها ، لتحصرها وتحددها ، بحكم الغريزة ، بمطلب إستبعاد شبح الموت، والبقاء في عداد الأحياء …
هؤلاء الذين يرصدُ ـ سلام إبراهيم ـ تشوهاتهم الداخلية العميقة، قسوتهم ويعريها ، يكشف خوائهم وعجزهم، في لحظات الحصار والموت، في محاولة منه لإدانة الحرب والقمع ، ومصادرة حرية البشر، برؤية حيادية، من خلال ملامسة عذاباتها الإنسانية الدفينة .
ليصورها عبر مجموعته التي أهداها إلى ناهده ( زوجته) التي رافقت مسيرته ،وعاشت معه، تلك الأحداث ، فتحولت إلى جزء لا ينفصم من أقاصيصه وهواجسه..
في قصة ـ المتاهة ـ التي يفتتح ُ بها مجموعته.. ُيدخلك الكاتب إلى ( هذه المدينة الجوفاء)..ويجري معك في شوارعها الخالية (في ليل مظلم اخرس) مذعور القلب بحثا ً عن ملجأ..وسط ( أشياء تتلا مع في الظلمة أمامي ، خلفي ، فوقي…إلى جانبي…أبواب تضيء للحظة وتغيب..) يهتز القلب.. يكاد ينقلع من بين أضلعه، فيناجي أمه والجبل حيث كان بين وجوه الأنصار الأليفة في قرى الجبل هاديء البال.. قبل أن يحشر في مدينة الفزع تلاحقه آلاف الخيول الجامحة المجنونة بقوائمها الهوجاء والشرر يقدح من عيونها ، يكوي ظهره ..
أهلكه الجري لكن الضوء يفضحه من خلال عدم حياد يته ، ما ينبعث ُ منه من القذائف المتفجرة ، فيكشفه للخيول والشرطة المسرعة نحوه ، تحرق قفاه أنفاسهم القريبة فتنحل مفاصله ويسقط وسط دائرة من خيول وشرطة وعسكر وبقعة ضوء غير محايدة ..
كادت تداعيات النصير داود ، في حلمه تحت شجرة ، في ذلك النهار الثقيل، من أيلول، تشج رأسه ،حينما انتفض ،من نومه فزعا ً ، لير ُطمَ رأسه بغصن شجرة البلوط..
لكنه يخرج من الحلم … ليدخل في كابوس أفظع ، حينما يكتشف إنه بالفعل محصور في بقعة ضيقة لا يستطيع مُبارحتها ومغادرتها لحين مجيء الليل وحلول الظلام ..
(فالجنود اجتاحوا الجبال بأعداد هائلة بعد أن مهدوا لزحفهم بقصف القرى المحررة بغازات الكيمياء… ودفعة واحدة انهار كل شيء)…
ينقلك الكاتب إلى أجواء الأنفال ، ُيصور لك المآساة بتفاصيلها المؤلمة والمريرة…
( عشرات الآلاف من النسوة والأطفال والعجائز مروا بقوافلهم الراجلة نازحين صوب الحدود التركية .. قوافل من البكاء والصراخ والعيون المنكسرة ..قوافل مذعورة تركت خلفها أبناءها أقرباءها المختنقين بالخردل والسيانيد وغازات الأعصاب على عتبات البيوت وفي الحقول وأزقة القرى وأسرة النوم …دون دفن .. كان يشرد بعينيه المتجمرتين من تلك العيون المترعة بالحزن والرعب تعصر قلبه ألما ً وهو يرى بالناظور من قمة كارة .. القرى التي احبها .. ميزة .. كاني ماسي .. كهربه .. كفركي .. سواري .. سبنداري … و..و تطأها أحذية الجند الذين تقذف بهم عشرات الطائرات المروحية.. ينهبون اسلاب الناس المتروكة، ويضمرون النار في بيوت الطين الأليفة… قبل أن تأتي البلدوزرات لتسويها بالأرض.. في تلك القرى ذاق الخبز الحار.. وفي غرفها شم رائحة البيت.. وبعيون نسائها أبصر حنو أمه ) ..
يا لمرارة الحياة في لحظات إنتصار الشر، المصاحب بالعجز التام والكلي أمام جبروت التفوق الشامل للعدو الذي حوّل بنادق الأنصار إلى قطع من حديد ميت يثقل الأكتاف، يتخلصون منها في حلكة الليل لينسوها و يضيعوها في لحظة ضعف تتسرب إلى النفس، وسط قناعة بعدم جدوى المقاومة، بفعل الخلل في المعادلة بين طرفين، كلاهما بشر، لكن احدهم، خال ٍ ومجرد من القيم والمثل الإنسانية ، يعود إلى مرحلة الصراع في الغابة، مستخدماً الطائرات والمدفعية المعبأة بصواريخ سامة وفتاكة..
يتفرقُ شمل المهزومين، ينقسم، يتجزأ، إلى مجاميع صغيرة ، تبحث عن الخلاص وحلول يكون أحلاهما مرٌ ….
يختار الكاتب ، مجموعة منهم قررت البحث عن حل ٍ لها ..
(تسرب مع تسعة رفاق قاصدين الجبل الأبيض. ارتدوا الليل ستارا ً وتسللوا بين مواضع الجنود السَفرية المنتشرة في كل مكان … ضاقت أنفاسهم برائحة الليل المكتظة بروائح الحقول المحروثة والبارود وبقايا غازات الكيمياء . وزاد وحشتهم وحشة المرور بأكوام الحجارة التي كانت بيوتا ً… وروائح شرسة تضرب انفه بين آونة وأخرى فيردد بذات نفسه.
ـ يا للرائحة.. يا للعفن .. يا للمصير ..أأكون جثة منسية في وحشة ليل الجبل ؟؟ لا…لا
يلعلع الرصاص قريبا ً ويكتظ الليل بروائح الموت .. للموت طعم العفن . لا يريد الموت ، ومع صراخ الجند الهستيري المقترب يتأزم الموقف ،ويدخل داود في مأزق ، يسعى جاهدا ً للخروج منه، حاول النهوض خذلته ساقاه سقط وفقد بندقيته وحذاؤه .. جذبته ذراعان قويتان من كتفه عكس تيار الماء .. هاهو وحده مع زميله صلاح أمّا الباقون فقد تلاشوا في الظلام دون دلالة تطاردهم الخيول يبحثون عن مكان آمن..
يجردُ ـ سلام إبراهيم ـ بطل المتاهة المهزوم داود، من صلته بالعالم شيئا ً فشيئا ً، رفاقه بعد أن تفرقوا، لم يبقَ منهم إلا اربعة فقط ، هو و صلاح وهشيار ويعقوب، بأختصار، قدمهُ عاريا ً، في رمزية عميقة المحتوى، لطبيعة الناس الذين كانت تلاحقهم جيوش الظلام البعثية. كانوا بشر أبرياء مجردين من كل شيء إلا من إنسانيتهم، التي قرر الدكتاتور أن ينتصر ويقضي عليهم هو الآخر …..أيُّ انتصار هذا ؟؟
( ما أنا.. ما أنا الآن سوى نملة .. نملة … نملة ..) بين ثنايا جبل اجرد من البشر وفي ارض جدبه وذليلة إنه الخواء الذي نشأ بين ليلة وضحاها بعد أن فرغت القرى من سكانها …
موقف يضعك فيه الكاتب، في مكانين متباعدين تربط بينهم خيوط الموت. الأول؛
في مدن عانت من آثار الحرب مع إيران، ضاقت السبل بأبنائها حينما قرر داود التوجه للجبل، حيث حركة الأنصار والمناطق التي كانت آمنة قياسا ً لما يجري في المدن يومئذٍ ..
– ( ابق يا بني .. لا ترم ِنفسك في التهلكة .
– يا تهلكة.. أتريدين موتي في الحرب .
– ليس كل الجنود تموت.
– وإذا متُ .
ودعها باكيا ً و إلتحقَ بالأنصار حالما ً بيوم الخلاص) …
هاهي أحلامه تتبدد كهشيم في ريح .. فالحرب انطوت مخلفة أحزانها والقي بثقل الجيش الهائل على كردستان فانتشر يخرب القرى، يسرق يقتل بالخردل والسيانيد الأطفال والنساء، الأبقار والأشجار وعيون الأنصار منكسرة ترى الفظائع وتطبق أجفانها لوعة .. غير قادرين على صد تلك الجموع ..
والثاني؛
هذه الأشجار في جبال كردستان ، التي يلتصق بها داود، ليحتمي من الموت في محاولة للتشبث بالحياة ، ومن ثم العودة ثانية إلى تلك المدن التي انطلق منها العسكر لنشر الخراب والموت والدمار بكثافة مقصودة بين هذه الأشجار…
يصعق بالبشر من خلال أصابعه الفولاذية .. فيحدد خياره بحركة معاكسة للأولى التي احتاج أثناءها للشجاعة والصبر لحين وصوله مناطق رفاقه الأنصار..
اليوم يفكر بالعودة ، حيث سيلجأ ُ للمدن البعيدة ، التي فرّ منها قبل سنوات .. يستبدل قيم الشجاعة، بأردأ مواصفات النذالة كي يخطو خطوته الأولى في طريق العودة من جديد ، حيث سيتخلى عن رفاقه، ليحزم أمره في الإستسلام مستفيدا ً من ما تبقى من أيام العفو الموعود .
متذكرا ً ما قالته والدته، في لحظة ندم وحسرة على الذي جرى مقارنا ً بين الموقف في كلا الحالتين …
( لو انصعت لمشورة أمك … لما وجدت نفسك في هذا المآزق .. احزم أمرك .. احزم .. فخلف فتحة الوادي معسكر مؤقت … قل لهم- كنت هاربا ً.. وعدتُ نادما ً ملبيا ً نداء عفوكم .. هيا تزحزح من مكانك … ) .
وفي لحظة تأمل مشوبة باحتدام الصراع مع الذات يتمنى أن يتحول إلى صخرة بلا مشاعر ،كي يتخلص من إرهاصات العذاب الذي ينخر ضميره ووجدانه..
( ما اسعد قلبك يا صخرة ؟ .. ما أبرد رأسك ؟ ما …) ويتساءل إن كان بأمكانه أن يُعلم رفاقه المتبقين عن نيته في مغادرتهم ، لكنه يستنبط موقفهم ويحصره، في محاولة التخلص منه ،كي لا يستسلم، فيزداد عذابا ً، آتيا ً من إحتمالات الموت الذي ينتظره، من أكثر من جهة، بمن فيهم رفاقه الذين أنقذوه ذات يوم من طلق أصابه، حملوه على أكتافهم لمسافات طويلة، قبل أن يصلوا المناطق الآمنة ..
هاهم رفاقه ذاتهم قد يقتلونه، من اجل أن لا يسبب لهم المزيد من المخاطر في مشروع تسليمه، الذي يحمل في ثناياه احتمال خيانته، وكشفهم للعدو المتربص بهم، عن مكان وأسماء من كان معه في حالة وصوله سالما ً إليهم ..
إذن هو الموت الذي بات القاسم المشترك للأشياء، في عراق الحروب والدمار والدكتاتورية والقمع، عراق الموت الزاحف على الحياة من كل الجهات.. ها هي أيادي رفاقه التي حملته ذات يوم حينما أصيب بجرح تحيط به، تضغط على لحم رقبته وفقرات عنقه، محاولة خنقه، إنه يفر من الموت إلى الموت … يا لها من محنة .
( سأخبرهم … قلت … سأخبرهم .. سأخبرهم …
.. سيلينون لك الكلام حتى يستقرَ قلبك المضطرب ثم يأخذونك غرة خنقا ً دون صوت )…
وينهي الكاتب القصة بتيه داود في الظلام ..
هذه النهاية الغامضة ، التي تشبه ليل العراق وحياة البشر فيه بعد أن تحولَ وحوِّل إلى غابة يتحكم فيها اللصوص والقتلة، من خلال مروحياتهم التي تجوب السماء بحثا ً عن البشر… إنه غابة لصيد الناس، من أمثال داود الذي حاول الأحتماء بالظلام لكنه فشل …
والقصة حسب معرفتي بطبيعة بطلها وشخصيته الحقيقية ، النصير أبو لينا ـ سعد خليل ـ ، و مصيره الذي ما زلنا نبحث عنه ، بلا جدوى ، حاله حال الملايين من البشر، ممن زهقت أرواحهم ، بيد الجيش الزاحف.
في ـ رؤيا اليقين ـ
وهي القصة الثانية ، التي جعلها عنوانا ً للمجموعة ، يواصل القاص متابعة ذات الحدث، من حيث إنتهت قصته الأولى، في ذلك الليل ،الذي غلف به نهاية الحدث الدرامي ،الذي كانت ذروته ، تفكك وتبعثر قوى الأنصار، وتحولهم إلى مجاميع صغيرة ، تنقسم وتتجزأ ُهي الأخرى إلى حالات فردية، تبحث عن الآمان وسط خراب شامل، ومخاطر جدية تحدق بهم في كل لحظة يخطونها من جراء ِ سيطرة العسكر وأجهزة القمع التي تتربص بالبشر في كل مكان ..
يسير بك مع مغامرة عودة البعض منهم وتسللهم إلى الداخل من جديد ، إلى حيث تلك المدن التي هربوا منها قبل عشرة أعوام مضت، ليلتحقوا بالأنصار في الجبال …
هاهو في رؤيا اليقين ، يعيدك من خلال شخصية الغائب وتتبع خطوات عودته ، من ذلك المكان المحاصر..
( تضيء رأسه حرائق الجبل ويسكن صمته رعد آلاف القذائف والصرخات متجرعا ً طعم مرارة لم يغادر فمه منذ ذلك النهارالذي أظلمَّ بدخان الحرائق .. ففي واد ٍ ضيق فقد أربعة رفاق حاصرهم الجند المنتشرون بالمئات على السفح . تفرقوا بين الصخور وأشجار البلوط الكثيفة . ضاق الوادي والدنيا لحظة اشتباك النيران ) ، ( تسلل إلى أطراف الموصل متسترا ً بالظلام ) لينطلق منها نحو مدن في الجنوب ذات …
( جدارية عريضة يشغل نصفها العلوي الرئيس بوجهه الجاف وبدلته العسكرية المطرزة بالأوسمة وهو يلوح بذراعه مبتسما ًبهزء من آلاف البشر.)
تلك العودة التي تخطى فيها الكاتب حدود الذات وطبيعة الحدث الفردية، وحولها في دلالات رمزية عميقة المحتوى إلى عودة شاملة تمثلت في جانبها المهم ليس في خلاص الفرد ووصوله إلى حيث يبحث عن مكان آمن لتفادي خطر الموت المحدق به، بل إلى مراجعة فكرية ناقدة لماضيه وسلوكه السياسي و أدواته التي كافح بها وطبيعة علاقته بهؤلاء البشر المتميزين، من الأنصار، ممن كانوا يكافحون تحت راية شعارات عاطفية أثبتت الأحداث زيفها هي الأخرى، وعدم جدواها، وساهمت في تحويل بعضهم إلى “قتله”، في مسار عملية الصراع المعقدة التي تحوِّل العلاقات الإنسانية بين البشر إلى ساحة فناء ودمار، تتحكم بها قوانين الحرب، تعيد صياغة المفاهيم والتصورات، لتنتج ما يلائمُ إفرازاتها الدموية والفكرية التي تبرر اللجوء للقسوة، تحبذ العنف، وتبيح ممارسته، بين من كان، يكافح ضد الدكتاتورية وممارساتها…
( عجنني الجبل بصخوره…فقسا قلبي … قتلت الكثير . اقتحمت ربايا ومعسكرات ومدنا ً.. حرزت بأنحاء جسدي عشرات الشظايا ، تبقع جلدي بحروق الخردل وفقدت أصبعا ً من أصابع قدمي بعد أن رمته عاصفة ثلجية بالغنغرينا، توسدت الأشجار أكلت عشب الأرض، والتحفت النجوم والبرد مصبِّرا ًنفسي وحالما ً بعودة ليس مثل هذه العودة ..) .
ها هي المعادلة تتفككُ أمام قسوة الحدث …
( ضاق بنا الجبل .. فالجيش الراجع لتوه من حرب السنين الثمان دبّ علينا دبيب النمل بعد أن رش القرى والأودية والسفوح والقمم بالخردل والسيانيد …. بعيني هاتين رأيت الجند يدفنون أسرى الأنصار أحياء .. ) .
تتبدل وتنمحي لتتلاشى القيم .أصبحت المجموعة المتبقية من أربعة أنصار فقط ، تفقد مبررات وجودها…
( نهشتنا الأحقاد فانشغلنا يتسقط الواحد منا أخطاء الآخر تنابزنا بالألقاب وأوغلنا بدماء بعضنا البعض! وبالتالي.. وجدنا أنفسنا ساعة الحومة منهكين). يشك احدهم بنوايا الآخر، إن فكر في البحث عن حل للخروج من المأزق الذي هم فيه، وقد ُيخّوَن منْ قبل أصحابه، ويغدرون به، كي لا يسبب لهم أية مخاطر في حالة إبتعاده عنهم ..
ان الموقف مبني على مجرد ظنون، وتأويلات لمسار الحدث، لكن، منطق الموت يطغي عليه …
في الوقت الذي لم يبقَ أمامه إلا ّ العودة إلى حيث إنطلق من رحم أمه في ذلك الدار البائس، الذي لا يتواجد فيه غير تلك الأم المسكينة، التي فقدت أعزائها الواحد تلو الآخر…
( إنهم يا ولدي أخوتك الثلاثة ، وأبوك … أخذوهم الواحد بعد الآخر قبل خمس سنين … وتركوني وحيدة ً.. أتعبني التجوال بين السجون والمعتقلات، شبعتُ شتما ً بذيئا ً من رجال غلاظ القلوب .. أضنتني الوحدة … كدت أموت كمدا ً .. لكنهم نبعوا كل في غرفته .. وجدتهم ذات ليلة يغطون في سبات عميق … عميق . بح صوتي لكثرة ما دعوتهم للاستيقاظ .. يئست فبنيت لهم مسكنا ً يسترهم من الأنظار .. إنهم ينامون الآن يا ولدي .. يحلمون .. ينهضون بين الحين أثناء الاسحار بملابسهم الملطخة بالدماء، يحيقون بي … يسرونني بما رأوه من أهوال في أقبية التعذيب ) ، وبقي ابنها الوحيد ، النصير الغائب،المحاصر من حيث لا تدري، تصلي من اجله…
(اللهم برني بالوحيد الغائب .. الحاضر .. لا تذله .. وادرأ عنه الشرور . واعم عنه بصر الحاكم الفاجر .
اللهم.. اصرف عن نفسه السوء .. واجعله شجرة طيب ثمرها.
اللهم.. أذلّ الحاكم الفاجر .. و أأمن الناس من شره وضره .. فقد أغرقنا بالدم والحزن…
اجعل غضبك يمحقه محقا ً لينجو البشر من مصائده وكيده .)…
ُيخطط من جديد للعودة إليها ، كي تحميه كما حمته في طفولته إنه يبحث عن ملاذ لن يجده إلا بالعودة إليها ، إلى ذلك الحضن الدافيء..
وهو في ذات الوقت خط التراجع الفكري في العودة لأعادة حسابات الذات المريرة أيضا ً …
أين دور الحركة ومستلزمات حمايتها لأعضائها ؟
لماذا عجزت من توفير بقعة آمنة لهم في هذا الكون الشاسع؟ ..
من يتحمل مسؤولية هذا التداعي للأحداث؟ وفي عدم وجود خط آمن لحركة الغائب ؟؟
تلك أسئلة يطرحها النص ليحاكم فيها أبعاد تأزم الموقف بنظرة جادة من خلال رؤية فنية جميلة تمثلت في إنتقالات الحوار الداخلية…
تمكن فيها القاص الأبحار عميقا ً والغوص في ثنايا النفس البشرية، ليكشف أعماق الجرح في الروح المعذبة، وعن حالة العطب التي أصيب بها المجتمع الذي افرز تغييرات بنيوية في حالة السكان ومشاعر الناس إزاء بعضهم ..
انه تحول خطير للغاية يجري في كل مكان، يجرف البشر، يستبدل الجيران ويغيير من هويتهم …
( عن أي جيران تسأل لقد تغيروا مرارا ً.. شأنهم شأن الكثير من الأشياء التي اختلفت استبدل البعض أبناءهم الذين قتلوا في الحرب بالدنانير وبيوت حديثة وسيارات. ورحل البعض إلى أماكن مجهولة، وما بقي في ركننا سوى عوائل الفارين من الجبهات، والمعدومين والمعتقلين، والمتخلفين… ثم تقاطر إلى زاويتنا المهجورة الكثير من الأغراب. عرب … اكراد .. صابئة .. شيعة .. آثوريون .. عجائز … شيوخ … ذوو عاهات .. يتامى أرامل .. عاهرات .. مرضى … زوجات هاربات…..قطعوا عنا الماء والكهرباء .. أتدري يا ولدي.. رغم كل البؤس .. فإنهم يقتحمون ركننا بين الفينة والأخرى بحثا ً عن الهاربين من الجبهات … يفجرون البيوت الخربة .. يعتقلون ساكنيها مع الفار المقبوض عليه )…
ومكوث البطل وعودته لذات الموقع مع أمه … وفي تلك الزاوية التي ولد فيها من الدار، ما هي إلا عودة رمزية للمكان، الذي مازال نقيا ً وخال ٍمن ملوثات الصراع الدامية ، ذات الطبيعة الحيوانية بين بالبشر ، مكان هوالبيئة التي ستوفر له الفرصة لإعادة تركيب نفسه وتصليح قطعها المعطوبة وترميم روحه وذاته المتناثرة ..
ها هي أمه تنفخُ فيه الروح من جديد ، تنبهه إن الزمن يسير، بلا توقف إلى الأمام، تطلب منه أنْ لا يكون أسيرا ً لليأس والأحزان، تنهره أن لا يستسلم للموت وتدعوه للتشبث بالحياة والأمل …
( قمْ… لا تقل ضاقت بي السبل )..
تفتح عينيه الغائرتين، تزيح الريب من قلبه كي يخزن أحزانه و يبصر بوضوح الطرق والسُبل المفتوحة أمامه ،السالكة إلى أعماق البشر المهجورين :
( ما الذي أخركم في الجبل كل تلك السنين ؟
….تاركين الأشياء تحترق في إنتظاركم…. البذور .. جذور الأعشاب.. المدن …. المحطات .. الأجنة…. العمال …. الجنود….).
تلك هي المفردات البليغة التي ضمنها سلام ابراهيم في قصته ،رؤيا اليقين، لتكون جزء ً من أدواة العمل التي تنتظر الغائب المقهور والمهزوم ، لحل المعضلة التي تواجهه، في مسعاه لتغيير الأشياء ، لقد أبدع الكاتب في نسج الخيوط المتداخلة ،بين الحلم والواقع ، في سياق النص المعقد ، المشبع بالألم والدم ، في لغة لا تخلوا من التفاؤل ، طالما كان هناك ثمة ضياء ، ينبعث من خلف الجدران، يخترق شعاعه الكون، وينفذ في أعماق الروح، ليوقظها ويشحنها بالأمل والأصرار على عدم الخضوع للذل ومطاوعته أو الأنحناء والأقرار بالهزيمة …. أو الإستسلام لحالة الأنكسار المؤقته … والأستعداد لمواجهة تحديات اليوم الجديد ..
هذا هو الرأي الذي توصل إليه، برؤية يقينية، داود الشخصية الرئيسية في قصة سلام إبراهيم التي حملت عنوان مجموعته ..
في قصته الثالثة ـ إنها الحرب ـ
.. يتابع الكاتب ذات الموضوع، كأنك أمام فصل جديد، من رواية تتابع أحداثها من فصل لآخر، لكن الكاتب جعل فصولها على شكل قصص قصيرة .
في هذه القصة.. يرفع سلام إبراهيم، مستوى الحدث، يوتر الأجواء، يجعلك أمام معادلة وحيدة ، هي معادلة الحرب … الحرب لا غيرها ..
هاهو يختصر لك الموضوع، من خلال العنوان الذي جعله صادما ً بلا رتوش، أو أية ايماءات وصفية، إكتفى بكلمتين فقط.. الأولى هي جزء من الثانية، ليست ذات قيمة لغوية لأنها تابعه لما بعدها ليس إلا ً…….
” إنها الحرب “…
هذا هو العنوان ، وللحرب إله يتحكم بتفاصيلها… ( يا رب الحرب ) ..
تفاصيل الأحداث، تنحصر بين طرفين، هما مجموعة صغيرة من الأنصار يخرجون لنصب كمين لجنود ربيئة، إعتادَ قسم منهم للخروج لجلب الماء، من نبع جبلي، وبين المشهدين .. مشهد خروج الأنصار لتنفيذ مهمتهم، ومشهد الجنود المتحرك، ينقلك الكاتب إلى ما خلف الحدث، من خلال تداعيات داخلية لطرفي المعادلة التي سيفني احدهم الآخر في لحظة مواجهة، ُيستخدم فيها الرصاص،عن قرب كي لا يفلت الخصم، وتحدث الواقعة، ينتهي الأمر بمقتل الجنديين، وتجريدهم من سلاحهم، وعودة الأنصار إلى حيث ينتظرهم بقية زملاؤهم في إحدى قرى الجبل.
المشهد وتداعياته يخرج من نطاق السرد، ليغوص عميقا ً في النفس البشرية، ليحاكي فيها الروح، التي استخدم مفرداتها في صفحة واحدة من القصة ثلاث مرات، مع بداية اسطرها، جاعلا ً منها ( ارواحهم المتكسرة ) و(ضجيج الروح) و( أرواح من رماد ) …هذه هي المتطلبات الأولية لخوض المعركة.
الحرب لها مقدمات ، تبدأ بالحاجة لتغيير البشر، ليكونوا جاهزين مرنين لحظة إيقادها للتحول إلى وقود لمواصلة سعيرها، وتقبل إفرازاتها ونتائجها …… هاهو النصير، قبل المواجهة، يتقدم ليضرب من تصوره خصمه ( سأضرب .. سأضرب من أذاقني الذل َ . سأنفِّس عن حقدي المكبوت منذ سنين … ما أسعد اللحظة القادمة … و … لكن … ماذا لو كان أخي الصغير الذي سيق جنديا ً قبل عدة أشهر ينزل مع الجنود الخمسة إلى النبع ؟ … افترض ذلك … افترض انك ستراه … ماذا سيكون موقفك ؟ !! ) .
وقبيل المواجهة التي يدفع بها ( رب الحرب ) الطرفين لممارسة القتل تتكرر صرخات النفس البشرية من الأعماق ، مدركة ً إنها ستواجه شيئا ً فظيعا ً.. وهو يستمع بعد ( الترقب المتوتر ودقائق الانتظار الموجعة ) إلى ( أصوات غير مفهومة صدرت من جهة الربيئة. انخفض قلبه وتحسس بندقيته بيديه المرتعشتين.
ستقتل ُ الآن … ستقتل !!!
أكنت تعتقد في يوم، بأنك سوف تقتل إنسانا ً … أنت الفائح طيبة ومحبة … والتائق إلى صحبة الناس. كنت َ ترتاد المقاهي كل يوم ولا تكفيك وجوه أبناء مدينتك الصغيرة فتنسل عند انتصاف الليل إلى محطة القطار تتأمل وجوه المسافرين عبر نوافذ عرباته المضيئة… راغبا ً في صداقة الكل…)
في الوقت الذي ينساب السرد نحو خطوات الطرف الآخر ـ الجنود الخارجين من الربيئة ـ الذين وصفتهم القصة ( ظهر من حافة الثنية جسدان ينحدران على المسلك النازل ، يتحاوران بصوت ٍ مسموع) عن نيتهم في الذهاب إلى ذويهم لقضاء العيد مع أطفالهم ، ومخاوفهم من رجال التفتيش في السيطرات …
( – ماذا نقول لو امسكونا في نقاط التفتيش .
– نتوسل، فليس كل البشر أشرارا ً علهم يتركونا نقضي العيد مع أطفالنا .
– والله حيرة .. ألا تعرف أنهم لا يضعون في السيطرة إلا من كان بلا ضمير .
تكثف ُ القصة مفهوم الحرب، تختزله وتحصره، في حدود المكان، هو مجرد أمتار فاصلة بين الطرفين، تَقِلُ شيئا ً فشيئا ً عن العشرين مترا ً، لتصبح خمسة أمتار فقط، توفر الفرصة للمتربصين التدقيق في ملامح الجنديين…
( الكتلتان الخاكيتان اقتربتا ببطء. بانت ملا محيهما بوضوح مطلية بلون الشمس الذهبي وجهين أسمرين ناهزا الأربعين، وخط الشيبُ فوديهما. كانا ينحدران بمشقة من لم يرَ جبلا ً في حياته .
إشتعلت أحشاءه بنار ولا نار جهنم ).
وفي دلاله رمزية معبرة هي ذروة المشهد حيث يقرر الطرف المتربص ..
( بعد أن يعبراك اظهر لهما من الخلف واطلب أن يلقيا سلاحيهما.
قال احد الجنديين :
سنسلم سلاحنا في مقر الفوج ونبكر غدا ً مع صياح الديك .
الوجهان الأسمران التعبان المغضنان تجسما لعينيه آليفين ، مسكينين قبل أن يغيبا خلف شجرة الهفرست انكبست نفسه فأحس بالهواء ثقيلا ً لزجا ً..
وبين… إلقيا سلاحيكما … ولعلة الرصاص، وتساقط قذائف الهاونات ، في الموقع بكثافة ، التي تختلط بصرخة الجندي ، الذي وجد بندقية زميله تسقط من بين يديه ، قبل أن يتهاوى جسده رافسا ً بساقيه … ومناجاته..
لا..لا..
قد تكون التكملة ..لا تقتلوني …لست عدوكم … لكنه يسقط هو الآخر قبل أن ينطقها ، (على ظهره لاطما ً اعشاب الأرض وراح يتلوى متقلبا ً) …
بينما يعود الأنصار…
( بخلاف العمليات السابقة عادوا هذه المرة بعيون مطفئة وبأرواح من رماد . تحاشوا الخوض في التفاصيل كما يحدث عادة حيث يشرعون حال وصولهم بالأفاضة وتصوير أدق الأشياء من لحظة الإنطلاق وحتى العودة . اكتفوا بالتحية وعناق المقاتلين المنتظرين واحدا ً.. واحدا ً عناقا ً حنونا ً طويلا ً دون ضجة …. كان الصمتُ معادلا ً لأحساسهم بالمرارة.
ماذا جرى ؟ حدثونا ؟ !
إنها الحرب !!!
وفي القصة الرابعة …
التي حملت عنوان (وداع ) تأتي الأحداث مكملة لما ورد في سياق ما قبلها لتستكمل الحوار بين نصيرين..
– عدت لا احتمل.
– لا تحتمل من ؟
– كل شيء كل شيء.
– ماذا تعني ؟
– نكمن كقطاع طرق لنقتل بشرا ً من حيث لا يدرون .
– هم يقتلون أيضا ً.
– مساقون قسرا ً بآلية الدولة وقوانينها .. أما نحن .. اوف..
بينما تذهب التفاصل الأخرى، لمهمة خاصة، تتمثل بتنفيذ حالة، إعدام ثلاثة رجال، يقادون من قبل مسلحين، في حلكة الليل، مع إستمرار هطول الأمطار ليموتوا بعد زخات رصاص ويدفنوا في مكان مجهول …
هذه هي صفحة أخرى من الحياة تتواصل مع مشاهد مواصلة القتل والدفن وقد إختار الكاتب مكانا ً مجهولا ً لتنفيذ المهمة ليؤكد أن الموت ينتشر مع الحرب في كل مكان حيث تجري خلاله حالات القتل السرية من قبل ناس باتوا يستسهلون قتل الإنسان والتخلص منه بهذه السهولة التي لا تتطلب إلا مهمة سرية ينفذها عدد محدود من البشر ضد من كانوا في تلك الغرفة الطينية البائسة، من السجناء الذين كانوا في عهدة الأنصار، في تلك الأماكن القصية حينما وجدوا أنفسهم أمام مهمة خاصة، فاستعجوا الخلاص من سجنائهم بتلك الطريقة السرية في ذلك اليوم الممطر والحزين…
ويتقفى في القصة الخامسة..
التي حملت عنوان ، ـ لقد اسكته ـ ، آثار الحرب والقمع الذي يمارس في دوائر الأمن لأركاع الناس في دور متمم لمتطلبات الحرب وجعل البشر وقودا ً لها والويل لمن يقف بالضد منها ، أو يعارضها ستلاحق عائلته وذويه دوائر الأمن التي أخذت تستدعيهم، لتخيفهم وتنذرهم ، وفي الأفق ثمة حلول أخرى ستبدأ بالتهجير والترحيل وستشمل كل من له إبنا ً او قريبا ً في صفوف الثوار، يتقفى الكاتب هذه التداعيات المتشابكة، من خلال خطوات إمرأة فقدت زوجها في الحرب …( لم تكد تمضي على زواجها سنة واحدة حتى فُقِدَ زوجها في الجبهة فأقفلت راجعة إلى بيت أهلها حاملة طفلا ً لم يرَ أباه. ظلت تتابع بلهفة قوائم الأسرى المذاعة من الجبهة.. اتعبها تشابه الأسماء.
وقطعت انفاسها اجهزة التشويش، ولم تمل من ذلك الأنتظار المديد وحلم سماع خبر أسره، والأيام تطوي نفسها ببطء قاسية، متشابهة محتشدة بآلام وأحزان الحرب…. منيت نفسها بلقيا أخيها الذي سيرى ابنها للمرة الأولى. فكرت بأبيها الحزين السائر في ذيل المفرزة واللائذ في صمته…. لم يفه بكلمة واحدة عقب صفعه بباحة الدار من قبل رجال الأمن أمام مرأى العائلة… تكورت الما ً وإلتصقت بالجدار، ووجه أبيها كشأنه دوما ً حينما يستدعونه إلى دائرة الأمن . طالبين منه العودة بأخيها الصغير الذي التحق بالثوار في الجبل …. فيرجع محتقن الوجه، غائر العينين، ويلوذ بكرسيه قرب المدفأة وما أن تسأله أمها حتى ينفجر نافثا ً جملته بحقد ٍ .
– الكلاب … الكلاب … يهددوني بالتهجير ..
… لم يتركوا لها الفرصة لجلب القماشة التي تقمط بها جسده . دخل من باب البيت المفتوح حشد من رجال قساة الملامح، مدججين بالسلاح، ودفعوهم بأعقاب البنادق دفعا ً إلى الشارع بملابس النوم وحشروهم في عربة “ايفا” عسكرية مكتظة بالأطفال والنساء والعجائز…. قذفوا بهم إلى طريق ترابي وقالوا :
– العصاة هنالك في الجبل .
لا ترجعوا إلا وابناءكم معكم !!
وفي المشهد ثمة طريق محفوفة بالمخاطر تتطلب المرور بين ربايا الجيش بصمت قد تكون صرخة الطفل أو بكاؤه سببا ً في كشف حركة سير المجموعة التي ترافق المرأة وطفلها وفي الطريق السالكة بين الربايا يبكي الطفل وتحاول الأم إسكاته، لكنها تكتشف بعد حين، إنها قد أسكتته إلى الأبد …
موت الطفل بيد من ولدته .. يا لقسوة المشهد ..حينما تقتل الأم طفلها في لحظات الخوف والرعب من أجل أن لا يتعرض الآخرون للمخاطر وإحتمالات الموت …
وفي القصة السادسة ، الفأس والشجرة ..
تتدخل الطائرات لتوزع الموت بشكل جماعي..
– سنطوق القرية . إنها وكر للعصاة …. اضربوا دون رحمة
ومع هدير الطائرات والقصف المتواصل الذي يحول بيوت القرية الطينية إلى حرائق…
( تئز القذائف مارقة من فوق رؤوسهم ، واصوات إنفجارات هائلة وحرائق اندلعت في أكوام التبن وزرائب الحيوانات المنتشرة حول القرية ) تتقدم جحافل الجيش لتطويق البيوت الآمنة التي كان جل المتواجدين فيها من أطفال وشيوخ ونساء بسبب سوق الرجال وإجبارهم على التوجه لساحات الحرب أو إنخرطوا في صفوف الأنصار والمعارضة ماعدا ثلاثة رجال تم ربطهم وتوثيقهم على شجرة توت، كان مصيرهم…
( الضابط في وسط المقبرة المشجرة يعطي اشارة الرمي على ثلاثة رجال شدوا على ساق شجرة توت ضخمة. في طرف المقبرة البعيد الجنود يكبسون النسوة والأطفال المعولين في عربات ايفا عسكرية…. وجنود يخرجون من الغرف حاملين حاجيات متنوعة قطع ذهبية، ساعات يدوية، حقائب، جلود، ملابس … آخرون يكوون ظهور الشيوخ بأخماص بنادقهم .. جثث صبية ممزقة قرب الجدران … ونائب الضابط يتوسد إمرأة شابة أرضا ً. كانت تصرخ وترفس بساقيها العاريتين المرفوعتين.. وهو يخور كالثور ويدفع بوسطه العاري ضاغطا ً ما بين فخذيها البيضاوين، وفي زاوية الغرفة يفحط طفل لم يجاوز السنة… ومن بين ساقي شجرتي بلوط متقاربتين أبصره يدفع شيوخا ً اكرادا ً وفتية بفوهة رشاشته إلى حفرة واسعة حفرت حديثا ً)
والقصة لا تخلوا من حالة تواجد جندي رافض للذي يجري يسخر من عبارة ( ركزوا على الثأر من الخونة !! … ونحن ندافع عن حياض الوطن …
خطا خطوة واحدة ثم إستدار وهبط مستندا ً على ركبة واحدة بمواجهة الضابط … وصوب بأصبع جامدة نحو الرأس قبل أن يشعر بحرارة الرصاص تلهب جسده وتجعله يحلق في فضاء شاسع جديد ) .
في ـ الصراط المستقيم ـ…
وهي قصته الأخيره في المجموعة يتحدث الكاتب عن حالة ابن عمته صالح اليتيم وذكرياته عنه وهو يروي ببراءة شيئا ً من القصص الميثولوجية التي لقنتها له النسوة لدى مشاهدته ضريح الأمام الرضا من بينها …
(مشاهدته القيامة !!)… والحشود الهائلة من البشر وهي حليقة الرؤوس وهي تحاول أن تجتاز الحبل المهتز الذي يفضي الفشل في عبوره إلى كوة النار الهائلة حيث يسقط الملايين فيها ولم يجتازها للجنة إلا شخص واحد فقط …وما تخلفه من آثار نفسية لدى الأطفال…
وعندما يكبر صالح يختفي ولن يراه ثانية إلا ّ في مقبرة، يشيع جنازة صديق له …
( عندما داهموا بيتكم .. لم يجدوك .. كنت َ قد كبرت َ .. ووجدت َ طريقَك إلى كوة الجبل المؤدية إلى ساحة القيامة .. اختفيت َ في مدن أخرى .. ولم اركَ سوى مرة واحدة .. كنت ُ مشيِّعا جنازة صديقك ” مجيد رسن ” الذي وجدته أخته الصغيرة الخارجة غبشا ً لأبتياع الخبز ملفوفا ً بكيس من الجنفاص أمام عتبة البيت كتلة ممزقة .. شوهاء.)
فيحدثه عن ( الليالي الصعبة … أحيانا ً تضيق بنا الدنيا يا صديقي بحيث لا نجد مأوى، حالي أحسن من الآخرين… غالبا ما اضطر لطارىء إلى النوم في المحطات أو السفر في القطار النازل إلى البصرة حيث اقضي الليل في عرباته…)
لكن…مرة واحدة يعيش الإنسان… ومن أجل أن يتفادى الجحيم الحقيقي يجب أن يكون له موقف .. موقف شجاع.. يجب أن لا يكون مترددا ً أونذلا ً..
( يا صديقي . المترددون جلبوا لنا المتاعب، فبشق الأنفس نعثرُ على غرفة منزوية رثة يكشفها مترددٍ أعتقل وانهار فنضطر إلى هجرها متشردين في الحدائق والمحطات والبيوت الخربة والقطارات…. قل لي .. لمَ يورط الآخرين من ليس له القدرة على تحمل المشقة ؟ أليس شرفا البقاء له بعيدا ً. وأحير بم َ أجيب ؟
فذلك سرأتعب ويتعب الكل والانسان يا حبيبي بحر ٌ مزدحم ٌ بالأسرار ) …
بذلك الموقف ، من خلال السير على الصراط المستقيم ، الصعب للغاية والشاق ، المحفوف بالمخاطر، يمكن أن يتجاوز البشر الحروب وآثارها ، وقد تمكن القاص ـ سلام إبراهيم ـ في الصراط المستقيم من المقارنة بين الجحيم الميثولوجي والجحيم الحقيقي في عهد الدكتاتورية وحروبها ،التي تلقي و ترمي البشر، في أكياس من الجنفاص ، أمام البيوت ، في ساعات الصباح…
وليس ثمة غير موقف واحد مجدي يفضي للخلاص هو طريق الكفاح والعمل الحقيقي الذي يتطلب مواجهة الشر ودحره بالدعوة لرفض العنف وممارسة القسوة …
إنها قصص تدعو لأعادة صياغة الوعي والبحث عن الذات الأنسانية المفقودة، ومن هنا إكتسبت قيمتها وأهميتها… والأحرى بوزارة الثقافة إعادة طبعها وتوزيعها من جديد …

صباح كنجي
بداية عام 2008

* محمد عيسى/ من سوريا / ديوان البراري / دار الينابيع 2002
* سلام ابراهيم/رؤيا اليقين / قصص/ الطبعة الاولى/ دار الكنوز الادبية/بيروت/ 1994 ،
صدر له أيضا؛
رؤيا الغائب رواية 1996 دار المدى ـ دمشق ـ
سرير الرمل قصص 2000 دار حوران ـ دمشق ـ

شاهد أيضاً

سعد جاسم: تجليات الحب ومدارات التأويل
سمر محفوض* (ملف/26)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

“أرميكِ كبذرة وأهطلُ عليك”.. تعدد المداخل/ تعدد القراءات
حميد حسن جعفر (ملف/25)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

شكيب كاظم: عزيز السيد جاسم وتطابق المَظْهَر مع المَخْبر (ملف/16)

إشارة : رحل المفكّر الكبير والروائي والناقد “عزيز السيد جاسم” بصورة مأساوية تاركا إرثا فكريا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *