حول مجموعة سلام إبراهيم “رؤيا اليقين”*
أسلوبية المدلولات
جلال الرداوي ـ تونس (ملف/81)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

تتناول نصوص “سلام إبراهيم” الحرب، العقدة المشتركة لقصص المجموعة وتأتي الأحداث على خلفية هذا المشهد المأساوي المرعب الذي وُفق القاص في تبيان معالمه ـ سوداوية قاتمة ـ قتل ـ جنون ـ صمت ـ خراب كاي، يقترن مصير شخصياته بهذا الكم من الدمار الذي تخلفه الحرب.
والقاص لم يكتب قصصاً عن الحرب، ولم يكن همه وصف وقائعها بل كان على العكس مشغولاً بمخلفاتها وما يمكن أن تتركه كم آثار مدمرة على الطبيعة والإنسان واللغة.
ويأتي وصفه للمكان وسرده للأحداث شاملاً ودقيقاً وفي تناغم وانسجام كبيرين. ولسلام إبراهيم مفهوم مركب عن المكان، فالمكان ليس ذلك الذي نستطيع التقاطه بالمرئية ” الجبال، الأودية، المدينة، بهو المنزل، المسجد ” وإنما أيضاً الذي نتصوره، نتخيله، نحلم به ” خاصة في قصتي الصراط المستقيم، ورؤيا اليقين ” يقول في الثانية: ” عاد الغائب بقميص مدعوك بأوراق الخريف وفي روحه خريف ” ص29، فتصبح محاولة الإمساك بالأمكنة صعبة، لا بل مستعصية، فنلجأ إلى حواسنا لتسعفنا في الرؤية لكن دون جدوى، فالأمكنة تفقد خصائصها ومكوناتها المادية لتلتئم بغرائبيتها وسحريتها.
للمكان علاقة مبهمة أيضا مع الزمان ومع شخصيات القصص فالكاتب اقتصر عند سرده لأحداث القصص على ذكر الزمانية “ليل ـ غروب ـ فجر ـ صباح” وكانني به أراد أن يجعله زمناً مغلقاً “أليست هي الحرب”.
أما الشخصيات فهي مهتزة ـ قلقة ـ منهارة، وتعبة لا زمان لها، تراقب الأمكنة ومصيرها الفاجع في هدوء، لا شيء يسندها ولا أمل ينتظرها، تقيم علاقة مختصرة مع الأشياء حتى مع اللغة فهي صامتة، وإن تكلمت فباختصار، وفي تشنج وصعوبة بالغة، ويتراءى لنا الغياب الكامل المأساوي عند إقامة علاقة بين هذا الثالوث:
ـ مكان غرائبي ـ زمن مغلق ـ شخصيات منهارة ـ
نتيجة هذا الغياب يتأسس النص عند سلام إبراهيم الذي أستطاع أن يوفق بين المتناقضات وأن يناغم ما بينهما فيأخذنا من غياب اللغة إلى حضورها “القصة نفسها” ومن القبح “الواقع” إلى الجمال “جمالية الكتابة”
علي أن أشير إن سلام إبراهيم يغلّب السرد والوصف على الحوار، ويجمع بينهما في لغة جميلة “حوار داخلي” وهي كما سنرى الحاضر الوحيد والتي ستكون الموضوع التالي في هذه المقالة.

سيسيولوجية المداليل:

سبق وأن ذكرت أن اللغة التي كتبت بها القصص جميلة مع بساطتها فهي متنوعة ومكثفة، وأتت الجمل غالباً قصيرة ومنسابة في إيقاع متفرد وهي أيضاً جمل فعلية متناغمة والمناخ العام للقصص، حالة الحرب. إننا ونحن نقرأ لسلام إبراهيم يتكون عندنا انطباع أن ما نحن بصدد قراءته من جمل قصيرة يؤسس معمار النص، فلقد اختيرت الكلمات بحرص شديد لزخرفة شكل النص، ولكن أهم ما أنطوت عليه نصوص قصصه هو ما تحدثتُ عنه سابقاً عن أفكاري حول جهازي المفاهيمي مواجهة اللغة ـ للغة.
أنها مواجهة من نوع أخر ـ أكاد أقول شرقية ومن هنا لطفها فلغة القاص خفيفة ( جملة قصيرة ـ كلمات ) لكن لكأني بها حاوية لهمّ وإرث ثقيلين، إنها لغة منشغلة ومشغولة بذاكرتها، ومن هذا المنطلق يتجلى لنا الجانب الخفي للغة التي أستعملها القاص، إنها صوفية خالصة “خاصة لغة قصص رؤيا اليقين والصراط المستقيم” لغة تحاول أن تلغي ذاتها “ببساطتها” لكن أتت محكمة فكانت النتيجة أن أحتلت بنيان النص وفضاءه تماماً.
وأخيراً لابد من تثبيت بعض الملاحظات، فقد بدا لي بعد أن أتممتُ قراءة النصوص، أن القاص لم ينجح أحيانا في التخلص من ثقافته “الطابع الأيدلوجي”. مما يكبل الشخصية ويربكها ولو تركت حره لكانت النتيجة أفضل.، وأعتقد أن بعض النصوص تعاني خللاً من ناحية البناء “المبنى” فأنا أرى أنه لم يحسن الربط بين القسم الأول “رائع” والثاني “مرتبك” في رؤيا اليقين. على أيه حال النصوص أجساد ممتعة، ونحن في أنتظار نصوص أخرى تستكمل ما قام به هذا القاص وثبت في أذهاننا عالمه الجديد.
ـــــــــــــــــــــــــ
* أصدار الكنوز الأدبية ـ بيروت 1994
الوفاق العدد 213 مايس 1996 ـ لندن ـ صحيفة معارضة عراقية

شاهد أيضاً

سعد جاسم: تجليات الحب ومدارات التأويل
سمر محفوض* (ملف/26)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

“أرميكِ كبذرة وأهطلُ عليك”.. تعدد المداخل/ تعدد القراءات
حميد حسن جعفر (ملف/25)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

شكيب كاظم: عزيز السيد جاسم وتطابق المَظْهَر مع المَخْبر (ملف/16)

إشارة : رحل المفكّر الكبير والروائي والناقد “عزيز السيد جاسم” بصورة مأساوية تاركا إرثا فكريا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *