ضوء على رواية (الخبز الحافى) للقاص محمد شكرى
بقلم: عبد الهادى الزعر

كتاب السيرالشخصية فى أدبنا العربى قليلون – – ومعظم القاصين والشعراء والذين ابدعوا فى مهاراتهم يحيون فى بيئات محافظة أو شبه مغلقه فهم يتجنبون تدوين سيرتهم الشخصية خشيةً أو تواضعاً –

فنراهم يفرغون ذلك المسكوت عنه فى شخوص رواياتهم السردية أو يبثونها فى ثنيات شعرهم وبعض منهم من أمتلك موهبة الرسم فنراه من طرف خفى يعبر عن مكنونات ذاته وما أعتلج بها من خلال خطوطه وألوانه –

وحتى الذين كتبوا سيرتهم الشخصية ( تشدقا ) لا أحد يستطيع تأكيدها أو نفيها أهى حقيقة أم أختلاق ؟ فالمنشئون يسهبون احيانا بأشياء لا تسترعى الانتباه ويتجنبون البوح عن أكثر المراحل ألتصاقا بحياتهم ! ربما تتوقف كتاباتهم عن نجاحهم الشخصى وكيف توصلوا اليه بعد مكابدة وتعثر –

بينما القارىء العربى منصرف دائما ( للتلصص ) يحاول معرفة أشياء لا تباح له عملا ب (لا كل مايعرف يقال )
وقد يعتبر د- طه حسين ( العميد ) أول من كتب سيرته الشخصية فى كتايه
(الايام ) مقتبل القرن العشرين وله السبق فى هذا الميدان وتوالت بعده
(السير ) وكل له طريقته فى بثها وقد أحصيت عددا منها :

علاء الاسوانى فى روايته ( عمارة يعقوبيان )
مكاوى سعيد فى رواية ( تغريدة البجعه ) ثم لحقه القاص خيرى عبد الجواد فكتب (كيد النسا ء ) وهم من مصر المحروسة ثم أتحفتنا القاصه العراقية وفاء عبد الرزاق فنشرت ( السماء تعود الى أهلها ) وكتبت رجاء الصالح رواية ( بنات الرياض ) وأردفتها زميلتها السعودية – صبا الخرز- فى روايتها (الاّخرون ) ولاننسى ألجزائرية الجريئة أحلام مستغانمى وكتاباتها الكثيره فى هذا السياق – ثم السورية غاده السمان -ناهيك عن مابثته د- نوال السعداوى فى مدوناتها الجريئة واللامطروقه والتى تتعلق بالنسوان من بنى جلدتها !
عن ماذا تدور رواية الخبز الحافى ؟
——————————–
تتناول الرواية حياة أبناء الشوارع المشردين وعلاقتهم فيما بينهم وتصرفاتهم أزاء الاخرين حيث توغلت بعمق فى طريقة عيشهم وبم يفكرون وماهى طموحاتهم ؟ وكيفية ممارساتهم للمحرم كالسرقة والمخدرات وأدنى درجات الانحطاط الخلقى ( اللواط ) وتشير الرواية أن السارد العليم هو المؤلف بأعترافه بوضوح فى بعض المتون السردية –

حيث عاش طفوله قاسية تحت رحمة أب شرس ظل يتسكع فى صباه يأعمال بائسة : صبى مقهى – مساح أحذية – فران – حمال صغير –

الروايه تحدثت عن أماكن وأزمنة وأسماء حقيقية حيث كانت البداية بالشكل التالى : (منذ سنين مات عبدون البطل الحقيقى الذى أيقظ مخيلتى وأعاننى على تحمل القهروالحرمان وعنف الصراع الجسدى )
ويقول فى موضع اّخر (عندما قتل ابى أخى الصغير دفته أحد المشايخ موجها حديثه لى : أخوك فى الجنه مع الملائكه لأنه لم يزنى ولم يسرق وكل مافيه أنه كان مريضا )

بنى روايته الصادمة على مراحل ثلاث : الخبز الحافى \ الشطار \ وجوه – – تيمنا بثلاثية نجيب محفوظ بين القصرين \ السكريه \ قصر الشوق –
وهو بالمجمل عمل أبداعى يقوم على أرض الواقع وما يخفى تحت السطح من ماّسى كان اكبر – حيث طعمه بالخيال والحبكة ؟ والشخصية الرئيسية رسمها القاص بذكاء حيث تتماشى مع التسلسل الزمنى التصاعدى فلا نكوص للشخصية ولا أرتجاع للماضى فهى مع الزمن المستمر-

القصه صرخة أحتجاج وأدانة للواقع العربى من حيث أزدياد أعداد المهمشين وأهل القاع والبؤساء والمتسولين بفعل الحروب وفقد الوالدين والطلاق و القفر المدقع والجهل المستشرى وكثرة اللقطاء الى تفشىت فى المدن التى تعتريها ( مسحة الدين )
وبلداننا فيها الخير العميم والمتنفذين السياسيين يروا هذه النماذج البشريه تسقط تباعا ويزداد عددها بأضطراد كل يوم فى أتون الجريمة والانحراف ولا يحركوا ساكنا من أجلهم

ومحمد شكرى مواليد المغرب 1935 وتوفى عام 2003 ونسيت القول أن الخبز الحافى بمعنى ( الخبز بلا غموس بلا أود) حيث يكون غبر مستساغ وصعب الازدراد-
والقاص من طنجه مغاربى عربى أول ماكتب الروايه كان أسمها ( من أجل كسرة عيش ) العيش كما هو معروف هو الخبز وتحولت بعد ذلك الى الخبز الحافى تغرباً للعنونه ربما أستقاها ممن سبقوه ك ( أسم الورده ) وسواها من طلاسم العناوين –

والروايه سيرة ذاتيه جريئه لم تتعودها الذائقة العربية من ذى قبل فى حجم المجون والمروق وما هو فى ما وراء الغرف المغلقة وطنجه ملتقى البحرين المحيط الهادر والبحر الابيض المتوسط شمال المغرب وهذه المدينة والتى هى قبلة السواح محاطة بأجواء العنف والبغاء والمخدرات ( حسب ماذكره المؤلف )
وكان يمارسها جميعاً فى شبابه وهو بعمر العشرين حيث عاش فى كنف عائلة فقيرة وأب قاسى جداً كتب فى شبابه قصص قصيره منها \ عشق فى الشاطىء ونشرها فى مجلة الاّداب عام 1966وكانت له علاقه وطيده مع الروائى والناقد الفرنسى — جان جنيه — والامريكى الشهير — تنسى وليامز –الذى عرف بشطحاته السردية الغريبة مثل مقتل بائع متجول وعربة اسمها اللذة –

نشر الخبز الحافى عام 1973وهى التى نقلته للعالمية وكانت محظورة فى بلده المغرب وبعض البلدان العربية وله روايات منها :
زمن الاخطاء — و ووجوه — وهما جميعا تشكلان السيرة الذاتيه للمؤلف –
قال مره :اننى ادافع عن الوسط الى احيا به وقوامه المهمشين والشاعرين بالدونية ومحمد شكرى تعلم القراءه والكتابه بصعوبة بالغة –

شاهد أيضاً

عبدعلي حسن: مابعد (المطبوع)

لا يخفى على أحد التحول الحاصل في وسائط الإتصال بين البشر ، فقد بدأت شفاهية …

الدكتور زهير ياسين شليبه*: بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل شاعر الشعب الدنمركي الساخر بني أندرسن 1929-2018 (ملف/1)

قصائد للشاعر الدنمركي الساخر بني أندرسن الأعداء الأعزاء أنا أحترمه أكثر من اللازم كان دائما …

ثامر الحاج امين: رواية (مصير بلقيس)… صرخة احتجاج بوجه العنف

عن دار ميزر للنشر في السويد صدرت للكاتب العراقي المقيم في الدنمارك ” كريم عباس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *