شوقي كريم حسن: عبد علي اليوسفي… محاولة تشكيل اليومي!!

*قد يدفع الهدوء الذي يعيشه الصبي، وسط بيئة مزدحمة بالخوف والضجيج، الحكايات التي تتجدد بشخوص واحداث كل ليلة، الى تأمل باعث على الريبة، ودافع الى السؤال ، عن العزلة الفكرية المقصودة، وغير المبررة لمرات عدة، يجلس الولد الذي ارتبط اسمه بالعبودية الراضية، والتي تشير الى التقديس، وحيداً، يدور ما تنصت اليه اذناه، ويخافه عقله الذي امتلأ حد الوجع، بسيول هادرة من السوالف ، التي لاتتفق والواقع النازف حزناً، وجنوناً، الاعادات لمورواثات القص، تصيب النفس يالغثيان، واللوعة، فليس ثمة واقع يمنحك سندباداً آخر، ولايمكن للبرمكي جعفر اصطحاب الرشيد هارون، لتفحص الروح السرية ، لمدينة ظل اسمها محفوف بالغلو، وصناعة الحياة الجامحة، يجرب عبد علي اليوسفي، اجتياح بياض الورقة التي امامه، يحاول اولاً التمهيد لروح اضطرابه، فلقد اخذت منه الحرب مأخذها، واعطته تجارب لا يمكنه الخلاص منها، كان يشبه عجاناً، يحاول الخلط بين انصاتات زمنه البعيد، وتلقيه الاثم، لايمكن للدم ان يتحول الى لحظة ابتهاج، ولايستطيع جعل رصاصة تمرق بسرعة، مجرد نيزك يمر دون ان يترك اثراً للصراخ، الرصاصة سؤال فاجر، عن درب يوصل الى حلم يجب ان يسرق؟ تلك المحنة عاشها اليوسفي، الذي غادر هدوء صباه، متحولاً الى مرجل مخاوف يغلي، صار يختار شخوص سردياته ببطء العارف المتفحص، غير ابه بانسراب الزمن من بين يديه، تشعره الكلمات بثقل مسؤوليتها، لهذا يظل متردداً، محاولاً الأمساك بغايات السرد ومقاصده، لكي تكون اللحظات لديه فاعلة وقادرة على الثبات وسط سيول السرديات التي منحتها الحروب المتتالية وهجاً ورغبة في التدوين التأريخي، اكثر مما قربتها من متعة التلقي، وحفظ دلالاته البسيطة، اختيارات عبد علي اليوسفي لشخوص سردياته، اوقعته قلقلاً عند بوابات الدقة، ثمة الكثير من التشظي، والانقسام، ومغايرة الواقع، بل والاعلان الصريح عن كراهياتها، التي هي كراهيات اليوسفي نفسه، تقرأ السرديات لتجد كم التطابقات الحركية بين تجربة الشخصية المجسدة، وتجارب السارد الذي يعيش حيرة اظنها ابدية، كلما حاول الفكاك والهروب من قيود مواجع الحروب وخطاياها، عادت به الذاكرة الزاخرة بكل شواذ الافعال، الى حيث يجب ان يكون، هل يمكن لسارد مثل اليوسفي، احراق كل مراكب سنواته الارثية ، واللجوء الى عوالم لم يعتدها من قبل؟
كيف يمكن لواحد مثله، فعل هذا، ومن اين يمكنه البدء، ؟
وهل ثمة ضرورة سردية اجتماعية او سياسية ، لفعل كهذا؟
ماالذي يمكن ان يجد الان، والايام تشابهت عليه، سنوات والرصاص هو الذي يرسم معاني حياتنا وسر وجودها؟
فماذا عساه فاعل؟
محنة اليوسفي، دفعته الى محور تأمل يختلف عن ذاك الذي ادمنه ايام صباه، وخبر كل اسراره وخباياه، بل وعاش اخيلتها بتفاصيل دقيقة، يتوجب عليه صناعة مفاعل تأملي مغاير تماماً، وهذا ما فعله تماماًْ غدت شخصيات اليوسفي، اكثر حدة، واكثر تأثيراً في نفسية متلقيها، مع الحفاظ على ذات الدلالات والمرموزات التي لم يستطع التخلص منها ، او حتى زحزحتها قليلاً، بتأملاته العقلانية غير المحبة للمغايرة والتجاوز، راح يخلق مرامي سروده ، موضحاً ان للمتلقي الحق في رفض المقاصد النصية، او قبولها، شريطة ان يكون القبول او الرفض مصحوباً بحيادية الفهم، والابتعاد عن اللحظة الحاسمة، والمكونة مسبقاً، تحت تلك الاشارات ، وصغوطها النفسية، ظلت اشتغالات عبد علي اليوسفي.. بطيئة، غير تابعة لضجيج النشر، والتعريف السريع بها، يمنح نفسه فرصة ترضيها اولاً، ثم يروح باحثاً عن اخرى يتقبلها متلقية ويسهم في ترويجها، واعتبارها ارثاً من موروثات العقل الجمعي السردية، لم يحظ اليوسفي ، بفرص متابعة نقدية كبيرة، وظل قابلاً بهذا، بل وسعيد به، رغم انه يحتاج الى تفحص نقدي يعيده الى مساره السردي، الذي منح السردية العراقية، اسماء على غاية من الاهمية، ومنها اليوسفي، الذي يكتب بصمت، ويقرأ بصمت، ويقدم شخوصه السردية بصمت، ولكنه يعيش حياةً صاخبة، الى حد العبث، والهلع، وربما.. ربما الجنون!!

شاهد أيضاً

الرواية العربية: أصول واحدة؟
هيلاري كيلباتريك*
ترجمة/ صالح الرزوق

هل للرواية العربية حضور؟. إلى أي مدى يمكن اعتبار الروايات المكتوبة باللغة العربية تنتمي إلى …

نجاة العدواني في روايتها الحديثة “في عشّ السرطان”
ميزات لغوية.. وإلى أي مدى؟
عصام الياسري

صدرت في ربيع عام 2020 الطبعة الاولى لرواية الشاعرة والروائية التونسية نجاة العدواني الموسومة “في …

علي رحماني: المشروع الشعري الجديد… الجدوى والحياة

إن الحديث عن كتابة الشعر بصفتها إنتاجاً أبداعياً روحياً وكصيغة حياتية مطلوبة يستلزم أن نتعامل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *